امي كانت بتموت

لمحة نيوز

والتحقيقات، القضية وصلت للمحكمة.
التسجيلات، مع باقي الأدلة والشهادات، ساعدت في توضيح اللي حصل يوم الواقعة، وأحمد اضطر يواجه نتائج أفعاله قانونيًا.
أما أنا، فبدأت إجراءات الطلاق، ومعاها تسوية حقوقي المالية، بمساعدة المحامية.
ولما أحمد حاول يضغط عليّا مرة أخيرة، ويقول إن الطلاق هيضيّع مستقبلي، قلتله
مستقبلي ضاع يوم ما صدقت إن الإهانة اسمها صبر، وإن السكوت عن الظلم اسمه حفاظ على البيت. إنما النهارده، أنا برجع نفسي لنفسي.
وبالفعل، انتهى الجواز رسميًا بعد استكمال الإجراءات القانونية.
ماكانش فيه رجوع، ولا وعود كاذبة، ولا فرصة جديدة لحد أثبت إنه مش شايف فيّ غير شخص يقدر يتحكم فيه.
بعد سنة مريم اللي محدش عرفها
عدّت سنة كاملة.
السنة الأولى من غير أمي كانت أصعب سنة في حياتي.
كنت بصحى أحيانًا من النوم وأنا عايزة أكلمها، وبعدين أفتكر إنها مش موجودة.
كنت كل ما أطبخ أكلة كانت بتحبها، أحس إني عايزة آخد منها طبق وأروحلها.
لكن مع الوقت، بدأت أتعلم أعيش مع الحزن بدل ما أسيبه يوقف حياتي.
رجعت لشغلي، وبدأت أوفّر فلوسي لنفسي بدل ما أصرفها على إرضاء ناس ماقدروش قيمتي.
استأجرت شقة صغيرة قريبة من شغلي، وخلّيت أبويا يزورني كل ما يحب.
وبعد شهور، قررت أحقق حلم كان عندي من زمان أفتح مكتب محاسبة صغير خاص بيا.
في البداية، كان مجرد أوضة متواضعة، ومكتب مستعمل، وكرسيين، وجهاز كمبيوتر.
لكن كنت بدخل المكان كل صباح وأنا حاسة إن ده أول شيء في حياتي بنيته بإرادتي، من غير ما حد يقرر عني أعمل إيه أو أكون مين.
أبويا كان دايمًا يقولي
أمك لو كانت شافتك دلوقتي، كانت هتفرح بيكي أوي.
وكنت أبتسم، وأبص لصورتها اللي حطيتها على رف صغير في المكتب.
كنت عارفة إنها كانت هتفرح.
مش عشان بقيت غنية، ولا عشان أحمد خسر شغله أو صورته قدام الناس.
لكن عشان بنتها أخيرًا بقت تعرف إن ليها قيمة، وإن الحب الحقيقي ما بيطلبش من الإنسان يتنازل عن كرامته.
أما أحمد، فسمعت إنه حاول يبدأ من جديد، لكنه اضطر يبيع عربيته ويسدد التزامات مالية، وبعد فترة نقل من المنطقة اللي كنا عايشين فيها.
حماتي نفسها، اللي كانت فاكرة إن الدنيا كلها لازم تدور حواليها، خسرت جزءًا كبيرًا من علاقتها بأقاربها بعد ما عرفوا تفاصيل اللي حصل.
لكن الغريب إن بعد كل ده، ماحسّتش بأي انتصار لما سمعت أخبارهم.
حسّيت براحة بس.
لأني ماعدتش جزءًا من حياتهم.
الرسالة الأخيرة
في يوم من الأيام، كنت قاعدة في مكتبي بعد ما الموظفين مشيوا، وبراجع حسابات الشهر.
موبايلي نور برسالة من رقم أحمد.
فتحتها، ولقيته كاتب
مريم، عارف إنك مش هتسامحيني، بس عايزك تعرفي إني كنت غلطان. أنا خسرت شغلي وبيتي وحياتي بسبب اللي حصل. لو رجع بيا الزمن، ماكنتش عملت كده.
فضلت باصة للرسالة شوية.
زمان، كنت ممكن أفرح إنه اعترف بغلطه.
وكنت ممكن أعتبر اعتذاره فرصة أرجع أصدّق إنه اتغيّر.
لكن دلوقتي، كنت فاهمة إن ندم الإنسان على خسارته مش بالضرورة معناه إنه فهم وجع اللي أذاه.
كتبتله
أنا مش بتمنى لك الشر، ومش محتاجة أشوفك بتتألم عشان أحس إني كسبت. لكن اللي حصل غيّر حياتي، ومش هقدر أرجع للعلاقة دي تاني. أتمنى تتعلم تحترم الناس، حتى لو مفيش مصلحة تربطك بيهم. من فضلك، ما تتواصلش معايا تاني.
وبعت الرسالة.
وبعدين قفلت الموبايل، وقمت وقفت قدام الشباك.
كانت الدنيا بتمطر مطرة خفيفة، والشارع منور، والناس ماشية رايحة جاية.
افتكرت اليوم اللي كنت فيه محبوسة في العربية، وأحمد فاكر إنه يقدر يتحكم في مصيري بكلمة أو تهديد.
افتكرت خوفي، ودموعي، ومكالمة أبويا اللي كانت بتتقطع من كتر العياط.
وافتكرت أمي.
غمضت عيني، وقلت بصوت واطي
وحشتيني يا أمي. بس أنا عملت اللي وعدتك بيه.
وبعدين رجعت لمكتبي، وطفيت النور، وقفلت الباب ورايا.
لأول مرة من سنين، كنت راجعة بيتي من غير خوف، ومن غير ما أستنى موافقة حد، ومن غير ما أجهّز نفسي لإهانة جديدة.
أحمد كان فاكر إن إجباره ليا على خدمة تلاتين ضيف هيثبت إني تحت سيطرته. لكنه ماكانش يعرف إن اللحظة اللي حاول فيها يكسرني، كانت هي نفسها اللحظة اللي بدأت فيها أسترد حياتي.
وأنا اتعلمت درس عمري ما هنساه
مش كل بيت لازم نحافظ عليه، ومش كل جواز يستحق فرصة تانية. ساعات، النجاة الحقيقية بتبدأ لما نقرر نمشي، حتى لو القرار جه بعد وجع كبير.
النهاية.

تم نسخ الرابط