بعد خمس سنين
دي بنتي، ووحشتني أكتر مما تتخيل.
حضن الأم بعد الغياب
بعد أيام، رتبنا لقاءً بين مريم وملك في حديقة المركز الطبي.
طول الطريق، كانت ملك ماسكة إيدي وبتسألني
بابا، هو مامي هتعرفني؟
قلت لها
مامي عمرها ما نسيتك يا حبيبتي.
لما دخلنا الحديقة، شافت مريم قاعدة تحت شجرة صغيرة.
وقفت ملك مكانها، وكأنها خايفة تتحرك.
مريم قامت وفتحت دراعاتها.
ملك يا روح مامي!
صرخت ملك
مامي!
وجريت ناحيتها ورمت نفسها في حضنها.
فضلت مريم تبوس راسها وتضمها، وهي بتقول
وحشتيني يا بنتي. وحشتيني كل يوم.
وبعد شوية، سألتها ملك
طب ليه ما كنتيش معايا؟
مسحت مريم على شعرها.
كنت تعبانة، وكنت محتاجة أتعالج عشان أقدر أكون جنبك. بس عمري ما بطلت أحبك.
ملك حطت راسها على صدر أمها، وقالت
أنا كنت مستنياكي.
وقفت بعيد أراقبهم، ودموعي بتنزل.
في اللحظة دي، فهمت إن الفلوس اللي كنت فاكر إنها هتخليني أسعد إنسان في الدنيا ما كانتش تساوي حاجة قدام الحضن ده.
مريم رفعت عينيها ناحيتي.
ما قالتش إنها سامحتني، لكن نظرتها ما كانش فيها الغضب القديم بنفس القوة.
كان فيه حزن، ومعاه بداية أمل صغيرة.
بيت جديد من غير وعود كاذبة
بعد اللقاء، بدأت أزور ملك بانتظام، واتفقنا مع المحامية والأخصائية الاجتماعية على خطة تناسب ظروفها وتضمن إنها تفضل قريبة من أمها.
ما نقلتهاش فجأة لشقتي الكبيرة، وما حاولتش أغرقها بالهدايا.
كنت بروح أقعد معاها، أساعدها في الرسم، وأسمع حكاياتها عن المدرسة.
في إحدى الزيارات، جابتلي رسمة لبيت صغير، فيه بنت واقفة جنب أمها، ورجل واقف بعيد عنهم.
سألتها
ليه رسمتيني بعيد يا ملك؟
قالت ببساطة
عشان إنت كنت بعيد يا بابا.
ما لقيتش رد.
بعد أسابيع، رسمت صورة تانية، وكان الرجل واقف عند باب البيت.
وبعد شهر، رسمته وهو ماسك إيد البنت.
احتفظت بالرسومات كلها، لأنها كانت بتفكرني إن ثقتها مش حاجة أقدر أطلبها؛ دي حاجة لازم أستحقها.
ومع الوقت، بدأت صحة مريم تتحسن. استأجرت شقة قريبة من مركز العلاج، وبدأت تشتغل ساعات قليلة في مشغل خياطة.
ساعدتها في تأسيس مشروع صغير، لكنها هي اللي اختارت اسمه وطريقة إدارته.
وفي يوم، قالتلي
محمود، أنا مش هقدر أرجع لجوازنا زي زمان. اللي حصل غيّرنا إحنا الاتنين.
قلت لها
أنا فاهم، ومش هضغط عليكِ. إحنا نقدر نكون أبوين كويسين لملك حتى لو ما رجعناش لبعض.
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت
أتمنى تفضل فاكر الكلام ده وقت ما نختلف.
وعدتها إن مصلحة ملك هتفضل أهم من أي خلاف.
وبالفعل، بدأنا نرتب حياتنا بطريقة تخلي ملك تعيش في استقرار، وتقضي وقتًا منتظمًا مع أمها، وتفضل علاقتها بيا بتتطور من غير ضغط.
أما أبويا، فراح لمريم بعد ما وافقت تستقبله.
اعتذر لها عن تدخله في حياتها، واعترف إنه كان بيفكر في مستقبل الشركة أكتر من مشاعر الناس اللي حواليه.
مريم قبلت اعتذاره، لكنها وضحتله إن الثقة محتاجة وقت.
وملك، لما قابلت جدها، قالتله
أنا لسه ما أعرفكش كويس، بس ممكن نرسم سوا.
ابتسم أبويا وقال
ده أحلى طلب سمعته في حياتي.
وبدأوا يرسموا مع بعض كل أسبوع.
بعد ثلاث سنين الحقيقة اللي اتعلمتها
عدّت ثلاث سنين من اليوم اللي دخلت فيه دار شروق.
كنت فاكر إن أكبر إنجاز في حياتي هو التبرع بمبلغ 150 مليون جنيه، لكني اكتشفت إن الإنجاز الحقيقي كان إني أكون حاضرًا في حياة بنتي.
إني أعرف مواعيد مدرستها، وأحضر حفلاتها، وأساعدها في واجباتها، وأسمعها لما تكون زعلانة حتى لو كنت مشغولًا.
ومريم، رغم إنها ما رجعتش زوجتي، بقت شريكة معايا في تربية بنتنا، وبقينا نقدر نتكلم ونختلف من غير ما نخلي ملك تدفع ثمن خلافاتنا.
في ذكرى افتتاح مركز جديد تابع لدار شروق، اتعمل احتفال بسيط للأطفال وأسرهم.
كانت ملك عندها حوالي ثمان سنين، وطلعت على المسرح عشان تعرض رسوماتها.
مسكت الميكروفون وقالت
زمان كنت فاكرة إن أهم حاجة في الدنيا إن بابا ييجي ياخدني من الدار. ولما جه، افتكرت إن كل حاجة هتبقى حلوة عشان عنده فلوس كتير.
ضحك الحضور بخفة، وكملت
لكن بعدين فهمت إن الفلوس ممكن تشتري حاجات كتير، بس مش ممكن تشتري وقت ضاع. اللي بيخلينا نحس بالأمان هو إن الناس اللي بنحبهم يفضلوا موجودين.
بصت ناحيتي وابتسمت.
دلوقتي بابا بييجي مدرستي، ومامي بتعلمني الخياطة، وجدو بيرسم معايا. وأنا عرفت إن العيلة ممكن تمر بمشاكل، لكن لازم نحاول نحلها من غير ما نسيب بعض لوحدنا.
رفعت رسمة كانت مجهزاها.
كانت لبيت صغير قدامه شجرة ياسمين، وفيه أم وبنت، وعلى الباب أب مبتسم.
وتحت الرسمة كتبت
البيت مش الفلوس اللي جواه. البيت هو المكان اللي بحس فيه إني محبوبة وآمنة.
القاعة كلها صفقت.
مريم كانت في الصف الأول، ودموعها بتنزل وهي بتبتسم. وأبويا كان واقف جنبي، متأثر بكلام حفيدته.
بعد الحفل، جريت ملك وحضنت أمها، وبعدها مسكت إيدي.
سألتني
بابا، فاكر أول يوم قابلتني فيه؟
قلت لها
عمري ما هنساه.
قالت
أنا كمان. كنت خايفة إنك تمشي وتسيبني، بس إنت فضلت تيجي، لحد ما صدقت إنك عايز تكون بابا ليا بجد.
حضنتها وقلت
أنا آسف إنك اضطرّيتي تستني كل ده يا حبيبتي.
ردت وهي بتبتسم
المهم إنك موجود دلوقتي.
في اللحظة دي، عرفت إن بنتي ما كانتش محتاجة أبًا غنيًا، ولا بيتًا كبيرًا، ولا وعودًا مستحيلة.
كانت محتاجة أبًا يتحمل مسؤولية اختياراته، ويكون موجودًا في حياتها.
أما مريم، فما رجعتش ليا كزوجة، لكننا نجحنا نبني علاقة محترمة عشان بنتنا، من غير ما نمسح الماضي أو نتظاهر إنه ما حصلش.
وأبويا اتعلم إن الحب ما بيتفرضش بالفلوس أو السلطة، وإن الاعتذار الحقيقي بيبدأ لما الإنسان يعترف بغلطه ويغير تصرفاته.
وأنا اتعلمت إن النجاح
مش في عدد الشركات اللي بتمتلكها، ولا في حجم التبرعات اللي بتقدمها، لكن في الناس اللي تقدر تعتمد عليك وقت ما تحتاجك.
من يومها، بقيت أزور دار شروق بانتظام، لكن مش عشان الكاميرات أو الأخبار. كنت بروح أقعد مع الأطفال، وأشارك في أنشطة الدعم والتعليم، وأسمع حكاياتهم.
وفي كل مرة، كنت أفتكر اليوم اللي جريت فيه ملك عليّا وصرخت
بابا! أنا كنت عارفة إنك هتيجي!
وقتها كنت فاكر إنها هي اللي كانت مستنياني.
لكن الحقيقة إن أنا كمان كنت محتاج اللحظة دي، عشان أفهم إن فيه أخطاء ما ينفعش نمسحها، لكن نقدر نتحمل مسؤوليتها ونحاول نصلح اللي نقدر عليه.
خسرت خمس سنين من عمر بنتي بسبب خوفي وكبريائي، لكني قضيت السنين اللي بعدها أتعلم إزاي أكون أبًا تستحقه.
ما رجعتش مريم زوجتي، وما طلبتش مني أنسى الماضي، لكننا قدرنا ندي ملك حياة فيها حب واستقرار.
وفي النهاية، اكتشفت إن أغلى ثروة في حياتي ما كانتش الملايين اللي اتبرعت بيها، ولا الشركة اللي بنيتها.
كانت إيد بنتي الصغيرة وهي ماسكة إيدي، وصوتها وهي بتقولي بابا، والفرصة اللي ادتهالي عشان أثبت إن الإنسان ممكن يتغير فعلًا، مش بالكلام، لكن بالأفعال.
تمت النهاية.