بعد خمس سنين

لمحة نيوز

مرضي معايا.
لو هتدخل حياتها من جديد، أرجوك ما توعدهاش بحاجات كبيرة. خليك موجود، وخلّيها تعرف إنك أبوها بالفعل، مش بالكلام بس.
ولو لسه عايز تعرف ليه علاقتنا وصلت للنهاية دي، اسأل المحامية هالة منصور عن الملف اللي سبتُه عندها.
مريم.
حطيت الرسالة على المكتب، وحسيت إن كل الأعذار اللي كنت بقولها لنفسي على مدار خمس سنين بتنهار قدامي.
أنا كنت فاكر إن مريم هي اللي اختارت تبعدني عن بنتي.
لكن الحقيقة إني أنا اللي ابتعدت، وما حاولتش حتى أعرف إذا كانت محتاجاني.
بصيت لملك، اللي كانت قاعدة قدامي وبتلعب في طرف فستانها.
سألتني بصوت صغير
بابا، إنت هتمشي وتسيبني تاني؟
مسكت إيديها وقلت
أنا مش هطلب منك تصدقيني دلوقتي يا ملك. أنا هحاول أثبتلك إني عايز أكون موجود في حياتك.
الملف اللي كشف الحقيقة
في صباح اليوم التالي، رحت لمكتب المحامية هالة منصور.
كانت ست في الخمسينات، وعندها ملفات كتير محفوظة في مكتبتها.
لما عرفت اسمي، فتحت درجًا وطلعت ملفًا قديمًا.
قالت
مريم جتلي من خمس سنين، بعد ما سابت بيت الزوجية. كانت عايزة تضمن حقوقها وحقوق بنتها، لكنها ما كانتش عايزة تدخل في حرب معاك.
سألتها
ليه ما اتصلتش بيا؟
ردت
حاولت أكتر من مرة في البداية. لكن كل مرة كانت بتتراجع، لأنها كانت خايفة إن أي خلاف جديد بينكم يضر بنتها. وبعد فترة، ركزت على تربية ملك وعلى علاجها.
فتحت الملف، ولقيت فيه مراسلات قديمة بين مريم وأبويا.
اتضح إن الحاج فؤاد كان بيتواصل معاها بعد انفصالنا، وبيحاول يقنعها إن رجوعها لحياتي هيضر بمستقبلي المهني، وإن الأفضل ليها تبدأ حياة مستقلة بعيدًا عن عيلتنا.
ما كانش فيه دليل إنه تسبب في مرضها أو إنه كان وراء اختفائها، لكن المراسلات وضحت إنه ضغط عليها بدل ما يساعدها توصل لحل مناسب.
وفي آخر الملف، لقيت خطابًا بخط أبويا، بيطلب فيه من المحامية إنها تتوقف عن التواصل مع شركته بخصوص بعض المستحقات المالية المتعلقة بمريم.
سألت المحامية
يعني أبويا كان عارف بكل اللي حصل؟
قالت
كان عارف إن فيه خلافات بينكم، وكان عارف إنها بتحاول ترتب حياتها بعد الانفصال. لكن ما أقدرش أقول إنه كان عارف كل تفاصيل مرضها أو ظروف ملك في الدار.
خرجت من المكتب وأنا حاسس بغضب شديد، لكن المرة دي ما كنتش عايز أتصرف بانفعال.
كنت محتاج أسمع الحقيقة من أبويا نفسه.
المواجهة مع الحاج فؤاد
طلبت من أبويا ييجي مكتبي.
أول ما دخل، حطيت قدامه صورة ملك ورسالة مريم.
بص للصورة طويلًا، وبعدها قال
عرفت إنك قابلت بنتك.
سألته
إنت كنت عارف إنها في دار شروق؟
رد
لأ. آخر مرة عرفت أخبار مريم كانت من سنين، وكنت فاكر إنها استقرت عند أهلها.
قلتله بغضب
لكن إنت كنت بتضغط عليها عشان تبعد عني!
سكت شوية، وبعدها قال
كنت فاكر إني بحميك. شركتك كانت على وشك خسارة كبيرة، وكنت خايف إن الخلافات العائلية تزود الضغط عليك.
ضحكت بمرارة.
تحميني من مراتي وبنتي؟ إنت كنت بتحاول تحميني من مسؤوليتي!
نزل راسه.
لأول مرة، شفت أبويا من غير صورته القديمة كرجل ما بيغلطش.
قال بصوت منخفض
يمكن كنت غلطان. كنت شايف الفلوس والشغل أهم من أي حاجة، وما فهمتش إنك كنت محتاج تتصرف كزوج وأب قبل ما تكون رجل أعمال.
قلتله
أنا مسؤول عن إني مشيت، ومش هحط غلطي كله عليك. لكن إنت كمان لازم تعترف إنك زودت المسافة بيني وبين مريم.
هز راسه.
أنا مستعد أعتذر لها، لو وافقت تسمعني.
قلتله
القرار قرارها. ومش هنستخدم الفلوس عشان نضغط عليها أو نخليها تسامحنا.
لأول مرة، انتهى نقاش بيني وبين أبويا من غير ما يحاول يفرض رأيه.
لكن كان لسه عندي أهم خطوة.
كنت لازم أقابل مريم.
اللقاء اللي استنيته خمس سنين
بمساعدة المحامية، وصلنا إلى مركز طبي في المنصورة، كانت مريم بتتابع فيه علاجها.
بعد ما تأكدوا من هويتي، وافقت مريم إني أزورها.
سافرت الصبح، وطول الطريق كنت بحاول أجهز كلام أقوله، لكن لما دخلت غرفتها وشفتها قاعدة جنب الشباك، نسيت كل الجمل اللي حفظتها.
كانت أضعف من زمان، لكن عينيها كانت لسه زي ما هي.
قالت بهدوء
أهلًا يا محمود.
قعدت قدامها، وقلت
أنا آسف.
سألتني
على إيه؟
قلت
على إني سيبتك وقت ما كنت محتاجاني، وعلى إني ما سألتش عن بنتي، وعلى إني صدقت إن تجاهل المشكلة هيخليها تختفي.
بصتلي طويلًا.
أنا ما كنتش مستنية منك اعتذار بس يا محمود. كنت مستنية إنك تسأل عن ملك، حتى لو كنت زعلان مني.
نزلت عيني.
عارف. ومفيش حاجة أقولها تبرر اللي عملته.
تنهدت، وقالت
أنا عديت بفترة صعبة. لما صحتي اتدهورت، كنت خايفة إن ملك تشوفني عاجزة عن رعايتها، فطلبت من الدار تساعدني مؤقتًا. كنت ناوية أرجع لها بسرعة، لكن العلاج طال، وكل يوم كان بيعدي كان أصعب من اللي قبله.
سألتها
ليه ما طلبتيش مساعدتي؟
ردت بهدوء
كنت محتاجة أتعافى وأقف على رجلي، لكني ما كنتش عايزة أرجع لحياتك لمجرد إني محتاجة فلوس. كنت عايزة ملك تبقى مطمنة إن أي قرار بناخده سببه مصلحتها، مش الخلافات اللي بيننا.
حسيت بالخجل من نفسي.
أنا كنت أقدر أساعدها، لكني ما كنتش حتى عارف إنها محتاجة مساعدة.
قلت لها
أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي. أنا جاي أطلب فرصة أكون أبًا لملك، وأتحمل المسؤولية اللي هربت منها.
سكتت طويلًا، وبعدها قالت
ملك محتاجة وقت عشان تثق فيك. وأنا كمان محتاجة وقت عشان أقدر أتعامل معاك من غير ما أفتكر كل اللي حصل.
هزيت راسي.
خدي كل الوقت اللي تحتاجيه.
وقبل ما أمشي، سألتها إذا كانت مستعدة تشوف ملك.
ابتسمت والدموع لمعت في عينيها.
طبعًا.
تم نسخ الرابط