دخل تلت حراس مسلحين
أما أنا، فافتكرت المفتاح اللي كان في صندوق إلياس.
مفتاح صغير، قديم، وعليه رقم محفور: 17.
هل كان فيه حاجة تانية مخبّية في الصوبة؟
حاجة سيلاس وفيكتور رجعوا يدوروا عليها؟
### الصندوق المدفون تحت الوردة
في نفس الليلة، رجعت للصوبة بعد ما اتأكدت إن المكان آمن.
مارا كانت معانا، وروبي أصرت تيجي، لكني طلبت منها تفضل جوه المكتب مع أمها.
مش لأنّي مش واثق فيها، لكن لأن اللي كنا بندور عليه ممكن يكون مرتبط بجريمة حقيقية.
أخدت صورة إلياس، وبدأت أقارن الخلفية بالحديقة.
بعد شوية، لاحظت إن الوردة البيضا الكبيرة كانت مزروعة في أصيص حجري قديم، مختلف عن باقي الأصص.
تحت الأصيص كان فيه تجويف صغير في الأرض.
رفعنا الأصيص بحذر، ولقينا صندوقًا معدنيًا صغيرًا مدفونًا تحته.
جربت المفتاح.
فتح.
جواه كان فيه شريط تسجيل قديم، وذاكرة إلكترونية، ومجموعة أوراق مختومة بختم الشركة.
وفي ظرف صغير، كانت فيه رسالة أخيرة من إلياس.
فتحتها بإيدين مرتعشتين.
«ماتيو، لو وصلت لهنا، يبقى سيلاس عرف إن فيه دليل ضده، لكنه ما قدرش يوصله.
أنا اكتشفت إنه كان بيسرق من الشركة من خلال شحنات وهمية، وبيستخدم حسابات بأسماء ناس مالهاش أي علاقة بالتجارة. لما واجهته، قال لي إن الموضوع أكبر مني ومنه، وإن فيه رجال مستعدين يعملوا أي حاجة عشان الشحنة دي توصل.
أنا رفضت أشارك في الجريمة، وقلت له إني هبلغك وهبلغ السلطات.
لو حصل لي حاجة، ما تنتقمش من غير دليل. ما تخليش غضبك يدمرك، زي ما الخوف دمّرك قبل كده.
الحقيقة مش محتاجة راجل يخافوا منه. الحقيقة محتاجة راجل يقدر يواجهها».
وقفت مكاني، ومقدرتش أكمل القراءة.
دي كانت آخر رسالة كتبها أخويا.
حتى وهو عارف إن حياته ممكن تكون في خطر، كان بيفكر فيّا.
مش في الفلوس.
مش في الشركة.
ولا حتى في نفسه.
كان خايف إني أتحول لشخص ما يعرفش يفرّق بين العدالة والانتقام.
حطيت الرسالة في جيبي، وطلبت من المحامي يجي فورًا.
أما شريط التسجيل، فكان فيه صوت إلياس وهو بيتكلم مع سيلاس في المخزن، قبل الحريق بساعات.
سمعنا صوت سيلاس واضحًا وهو بيقول:
— الشحنة لازم تخرج الليلة دي. لو ماتيو عرف، كلنا هنضيع.
رد إلياس:
— أنا مش هشارك في سرقة تاني. بكرة الصبح كل المستندات هتكون مع الجهات المختصة.
ساد الصمت لثوانٍ.
وبعدين سمعنا صوت سيلاس، منخفضًا وغاضبًا:
— إنت مش فاهم حجم الناس اللي بتلعب معاهم.
رد أخويا:
— يمكن. بس أنا فاهم إنك بقيت واحد منهم.
بعدها انتهى التسجيل بصوت باب بيتقفل.
ما كانش دليلًا كاملًا على إنه تسبب في الحريق، لكنه أثبت إن سيلاس كان متورطًا في الجريمة، وإنه كان عنده دافع واضح لإسكات إلياس.
أما الذاكرة الإلكترونية، فكانت فيها نسخة من سجلات الشحن الأصلية، وتحويلات مالية، ورسائل بين سيلاس وفيكتور بتثبت إنهم خططوا لإخفاء الشحنة المسروقة، وتزوير المستندات، والتلاعب بتقرير الحريق.
لكن كان فيه ملف واحد مشفر، اسمه «العملية الأخيرة».
المحامي بص لي وقال:
— ده غالبًا اللي سيلاس بيحاول يخفيه. لازم نفك التشفير قبل ما نتحرك.
في اللحظة دي، سمعنا صوت تكسير زجاج من الناحية التانية للصوبة.
رجالي اتحركوا فورًا.
لكن قبل ما يوصلوا، ظهر دخان خفيف من ناحية المخزن الخلفي.
حد حاول يحرق المكان.
حد كان عايز يمسح آخر دليل ممكن يربطه بالجريمة.
### الليلة اللي رجعت فيها النار
مارا خرجت تجري ناحية المكتب عشان تطمّن على روبي، وأنا اتجهت ناحية المخزن مع رجالي.
لقينا باب المخزن مفتوحًا، وعلب كرتون مشتعلة في ركن بعيد.
النار كانت لسه صغيرة، لكن ريحة الوقود كانت قوية.
في لحظة، رجعت تلات سنين لورا.
صوت النار.
ريحة الدخان.
صوت إلياس وهو بيزعق باسمي في ذاكرتي.
إيدي بدأت ترتعش، ونفسي اتقطع.
ما قدرتش أتحرك.
كنت واقف في مكاني، شايف الماضي بيتكرر قدامي، لحد ما سمعت صوت روبي من بعيد.
— عمو ماتيو!
كانت واقفة عند مدخل الممر، ومارا بتحاول تبعدها عن المكان.
روبي بصت لي، وشافت إني مش قادر أتحرك.
قالت بصوت عالي:
— بص لي يا عمو! مش للنار! بص لي أنا!
ما كنتش عارف إزاي، لكني ركزت عيني عليها.
رفعت إيديها الصغيرتين وقالت:
— خد نفس معايا. واحد... اتنين... تلاتة.
حاولت أتنفس.
مرة.
واتنين.
وبعدين تلاتة.
صوتها كان واضحًا وسط الدوشة.
— إنت هنا يا عمو. مش في المكان القديم. إنت معانا دلوقتي.
الجملة دي رجعتني للحاضر.
لفيت على رجالي وصرخت:
— اقفلوا مصدر الوقود! واتصلوا بالمطافي! محدش يدخل لوحده!
اتحركوا بسرعة، وتمكنوا من إخماد النار قبل ما تنتشر لباقي المكان.
لكن اللي حصل بعد كده كان أهم من الحريق نفسه.
واحد من الحراس لقى شخصًا بيحاول يهرب من البوابة الخلفية.
كان فيكتور سالازار.
حاول يقاوم، لكن رجالي منعوه من الفرار وسلموه للشرطة بعد وصولها.
وفي جيبه، لقينا هاتفًا عليه رسائل حديثة من سيلاس، بيطلب منه فيها التخلص من «النسخة الأصلية» قبل نهاية الأسبوع.
ما بقاش فيه مجال للشك.
سيلاس كان بيحاول يمحو الأدلة، حتى لو اضطر يحرق الصوبة كلها.
وأنا كنت واقف قدام المكان اللي أخويا حبه أكتر من أي حاجة، وبفهم أخيرًا إن المعركة دي مش بس عشان أرجّع حقي.
دي عشان أحمي آخر حاجة إلياس سابها وراه.
### الخيانة اللي ما كانتش في الحسبان
بعد القبض على فيكتور، وافق إنه يتعاون مع التحقيق مقابل تخفيف العقوبة وفقًا للقانون.
لكن شهادته كشفت تفصيلًا ما كانش موجودًا في أي مستند.
ليلة الحريق، إلياس ما كانش لوحده في المخزن.
كان فيه عامل شاب اسمه سامح، واحد من عمال الشحن، شاف سيلاس وهو بيأمر بنقل الشحنة لمخزن غير مسجل.
سامح حاول يساعد إلياس، لكن سيلاس هدده، وبعد الحريق اختفى الشاب تمامًا.
سنين وأنا فاكر إن مفيش غير شخص واحد يعرف الحقيقة غير سيلاس.
لكن سامح كان عايش.
كان مختفيًا في محافظة تانية، وغيّر اسمه بعد ما تلقى تهديدات مباشرة.
وبمساعدة المحامي والشرطة، قدرنا نوصل له.
في البداية رفض يتكلم.
قال إنه قضى تلات سنين بيحاول ينسى اللي شافه، وإنه مش مستعد يخسر حياته عشان قضية افتكر إن الكل نسيها.
قلت له:
— مش هطلب منك تثق فيّا لمجرد إني ماتيو فاريلا. أنا نفسي بقيت عارف إن الاسم والسلطة مش دليل على إن الواحد يستحق الثقة. كل اللي بطلبه إنك تقول الحقيقة، والباقي هيتعمل بالقانون.
فضل باصص لي فترة طويلة.
وبعدين قال:
— أنا شفت سيلاس وهو بيقفل باب المخزن على إلياس بعد ما اتخانقوا. سمعت إلياس بيصرخ إنه لسه جوه. وسيلاس قال لي إن لو فتحت بقي، هتكون نهايتي.
حسيت بألم شديد في صدري.
— وإلياس كان لسه عايش وقتها؟
سامح نزل عينيه.
— أيوه. كان عايش لما سيلاس خرج. أنا حاولت أرجع، بس النار كانت انتشرت، والباب كان مقفول. ما قدرتش أوصله.
غمضت عيني.
لأول مرة، عرفت إن أخويا ما ماتش فور اندلاع الحريق، وإنه كان فيه احتمال لإنقاذه، لكن سيلاس منعه.
ما صرختش.
ما كسرتش حاجة.
ما أمرتش حد يجيب لي سيلاس عشان أواجهه بنفسي.
افتكرت رسالة إلياس.
«ما تخليش غضبك يدمرك».
فتحت عيني وقلت للمحامي:
— سجّل كل كلمة قالها. وخلّي كل الأدلة تتقدم للنيابة. أنا عايز القضية تمشي صح، حتى لو أخدت وقتها.
المحامي هز راسه.
— دي أول مرة أشوفك بتسيب القانون ياخد مجراه من غير ما تحاول تتحكم في كل تفصيلة.
بصيت له وقلت:
— يمكن عشان أول مرة أفهم إن السيطرة على كل حاجة مش معناها إني قوي.
### الدعوة الأخيرة
بعد أسبوع، وصلني اتصال من سيلاس نفسه.
كان صوته هاديًا بشكل مستفز.
— سمعت إنك رجعت تهتم بالصوبة يا ماتيو. يبدو إن موت أخوك ما علّمكش إن بعض الأماكن الأفضل إنها تفضل منسية.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— عندي أوراق تخص إلياس. لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، قابلني بكرة في المخزن القديم.
عرفت إنه بيحاول يستدرجني.
كان ممكن أروح برجالي وأواجهه، لكن ده بالضبط اللي كان عايزه.
بدل ما أرد عليه بغضب، قلت:
— هفكر في الموضوع.
قفلت التليفون، واتصلت بالمحامي.
كان عندنا أدلة قوية، لكننا كنا محتاجين نعرف إذا كان فيه شركاء آخرون، خصوصًا الأشخاص اللي مولوا الشحنات المسروقة وساعدوا في تزوير العقود.
قررنا إن أي مقابلة تحصل تحت إشراف الجهات المختصة، وإن سيلاس ما يعرفش إننا جهزنا ملفًا كاملًا بالتحويلات والرسائل والتسجيلات.
وفي اليوم التالي، وافقت على مقابلته في المخزن القديم، بعد التنسيق مع المحققين.
ما رحتش لوحدي، وما دخلتش المكان من غير ما يكون فيه تأمين.
لكن لما شفته واقف في نص المخزن، بنفس البدلة الأنيقة والابتسامة اللي وثقت فيها سنين، حسيت إنني واقف قدام شخص غريب تمامًا.
سيلاس فتح دراعيه وقال:
— أخيرًا، رجعت تتصرف كرجل أعمال، مش كواحد بيقضي يومه وسط الزهور!
بصيت له من غير ما أرد.
ابتسامته اختفت تدريجيًا.
— إنت عارف إن إلياس كان عنيد. لو كان سمع الكلام، كان زمانه عايش.
كانت دي اللحظة اللي كنت مستنيها.
مش عشان أضربه.
ولا عشان أسمعه يتوسل.
لكن عشان أشوف إذا كان لسه عنده ذرة ندم.
قلت له:
— إنت قفلت الباب عليه؟
سيلاس سكت.
وبعدين قال:
— إنت ما تعرفش اللي حصل.
— يبقى احكي لي.
ضحك ضحكة قصيرة.
— إنت عايز الحقيقة؟ الحقيقة إن إلياس كان هيضيع كل حاجة. الشحنة دي كانت مرتبطة برجال أقوى مننا، وكان لازم تتحرك. أخوك قرر فجأة إنه بقى صاحب مبادئ، وإنه هيبلغ عن الكل. حاولت أوقفه، لكنه رفض.
— فقفلت الباب؟
وشه اتغير.
— أنا ما كنتش عايز أموته! كنت عايز أخوفه بس. ما كنتش متخيل إن النار هتنتشر بالسرعة دي.
حسيت إن كل الأصوات اختفت للحظة.
كنت مستني اعترافه، لكن سماع الحقيقة بصوته كان أقسى من كل تخيلاتي.
كمل سيلاس، وكأنه بيحاول يبرر لنفسه:
— وبعد ما مات، كان لازم أخفي اللي حصل. لو الحقيقة ظهرت، كنت هخسر كل حاجة. وإنت... إنت كنت هتقتلني بإيدك لو عرفت.
بصيت له طويلًا.
— يمكن كنت هعمل كده زمان.
ابتسم ابتسامة متوترة.
— أهو. أخيرًا فهمت.
هزيت راسي.
— لأ. أنا فهمت إنك كنت عايش طول السنين دي على فكرة إنك عارفني أكتر ما أنا عارف نفسي. كنت متأكد إني هتصرف بغضب، ففضلت مخبي الحقيقة ورا خوفي. لكنك نسيت حاجة واحدة.
قربت خطوة.
— أنا مش جاي أقتلك يا سيلاس. أنا جاي أوقفك.
في اللحظة دي، ظهرت الإشارات المتفق عليها، ودخل رجال الشرطة والمحققون.
سيلاس حاول يهرب، لكنه لقى كل المخارج اتقفلت.
صرخ في وشي:
— إنت هتندم! أنا اللي بنيت معاك الإمبراطورية دي!
قلت له بهدوء:
— إنت ساعدتني أبني شركة. لكنك دمرت عيلتي. والفرق بين الاتنين إن الشركة ممكن تتبني من جديد، إنما اللي مات مش بيرجع.
اتقبض عليه، واتاخدت أقواله، واتقدمت كل الأدلة للنيابة.
وقبل ما يخرج من المخزن، بص لي وقال:
— إنت فاكر إنك كسبت؟
رديت عليه:
— لأ. أنا بس بطلت أخسر نفسي عشان أكسبك.
ولأول مرة، ما كانش عنده رد.
### السر الأخير في ذاكرة إلياس
بعد القبض على سيلاس، افتكرنا إن القضية خلصت.
لكن أثناء فحص الذاكرة الإلكترونية، اكتشف المحققون إن الملف المشفر اللي اسمه «العملية الأخيرة» كان فيه تسجيل مختلف تمامًا عن باقي الملفات.
التسجيل كان رسالة من إلياس، موجهة ليا أنا شخصيًا.
لما المحامي شغّله، ظهر صوت أخويا واضحًا: