دخل تلت حراس مسلحين
— عايز كل ورقة تخص الصوبة، من يوم ما اتأسست لحد النهارده. كل تحويل بنكي، كل عقد، كل توقيع. ومش عايز حد يعرف إننا بنراجع أي حاجة.
سكت لحظة، وبعدين سألته:
— وسيلاس؟
— أراقبه؟
— لأ. خليه فاكر إن كل حاجة زي ما هي. لو عرف إني شاكك فيه، ممكن يختفي قبل ما نفهم هو بيعمل إيه.
قفلت المكالمة، لكن قبل ما أحط التليفون على المكتب، عيني وقعت على صورة قديمة ليا أنا وإلياس.
كان واقف جنبي، وإيده على كتفي، ووشه مليان ابتسامة.
افتكرت آخر جملة قالهالي قبل الحريق بيومين:
«يا ماتيو، لو في يوم لقيت نفسك مش عارف تثق في مين، دور على الحاجة اللي كنت بتتجاهلها. الحقيقة ساعات بتستخبى في أبسط مكان».
وقتها ضحكت وقلت له إنه بيتفرج على أفلام غموض كتير.
ما كنتش أعرف إنه كان بيحاول يحذرني.
### أول خيط في القضية
تاني يوم الصبح، وصلت الصوبة قبل ميعاد فتحها.
لقيت مارا بتقصّ أوراق نباتات ذابلة، وروبي قاعدة على الأرض قدام مجموعة أصص صغيرة، وبتكتب أسماء عليها بقلم ألوان.
أول ما شافتني، رفعت راسها وقالت:
— إنت جيت بدري النهارده يا عمو ماتيو!
— عندي شغل مهم.
بصت لي بشك.
— الشغل المهم ده ليه علاقة بالورق اللي كان في إيدك امبارح؟
وقفت مكاني.
— إنتِ شفتي الورق؟
— لأ، بس ماما قالت إن فيه ناس عايزة تاخد الصوبة. وأنا مش هسمح لهم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— وإنتِ هتمنعيهم إزاي؟
قامت، وحطت إيديها على وسطها.
— مش عارفة لسه. بس أكيد مش هقف أتفرج!
كان عندها إصرار غريب. نفس الإصرار اللي كان عند إلياس لما يقرر ينقذ نبتة الكل قال إنها ماتت.
قعدت جنبها، وسألتها عن شغل أمها.
قالت لي إن مارا بتحتفظ بكل دفاتر الصوبة القديمة في مخزن صغير ورا مكتبها، وإن فيه حاجات كتير كانت تخص إلياس.
الاسم ده خلاني أركز.
— إلياس كان بيسيب حاجات هنا؟
— أيوه. ماما بتقول إنه كان بييجي هنا كل يوم تقريبًا قبل ما يموت. وكان عنده صندوق خشب صغير، بس أنا عمري ما شوفته مفتوح.
بصيت ناحية مارا، اللي كانت بتراقبنا من بعيد.
لما قربت منها وسألتها عن الصندوق، اتغيرت ملامحها.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت:
— كنت مستنية اليوم اللي تسألني فيه السؤال ده.
قلبي بدأ يدق أسرع.
— تعرفي إيه عن إلياس؟
مارا بصت حواليها عشان تتأكد إن مفيش حد قريب، وبعدين قالت:
— قبل الحريق بأسبوع، إلياس سلّمني صندوق صغير، وطلب مني أخبيه في مكان محدش يقدر يوصله. وقال لي بالحرف: «لو ماتّ قبل ما أقدر أشرح لماتيو كل حاجة، ما تديهوش الصندوق غير لما يبدأ يشك في سيلاس».
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
— وإنتِ احتفظتي بيه كل السنين دي من غير ما تقوليلي؟
— أنا ما كنتش أعرف إذا كان الكلام ده حقيقي ولا مجرد شكوك. إلياس كان خايف، وطلب مني ما أتكلمش. وبعد موته، سيلاس جه هنا بنفسه وسألني عن الصندوق.
— وإنتِ قلتي له إيه؟
— قلت له إني ما أعرفش عنه حاجة.
بصيت لها طويلًا.
سيلاس كان عارف إن فيه حاجة إلياس مخبيها.
وكان بيدور عليها من تلات سنين.
مارا دخلت مكتبها ورجعت بعد دقايق، ومعاها صندوق خشبي صغير، عليه خدوش قديمة.
أول ما شفته، عرفت إنه بتاع إلياس.
فتحته.
كان جواه مفتاح صغير، وصورة قديمة، وورقة مطوية بعناية.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب فيها بخط أخويا:
«ماتيو، لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا ما قدرتش أرجع لك. ما تثقش في الأرقام اللي سيلاس بيقدمها لك. هو مش بس بيسرق فلوسك. هو بيستخدم اسمك عشان يخفي جريمة أكبر. دور على الملف رقم 17، وهتفهم ليه الحريق حصل».
قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين تلاتة.
الحريق ما كانش حادث.
أخويا كان عارف إن فيه جريمة بتحصل، وكان بيحاول يكشفها.
وقبل ما أقدر أسأل مارا عن أي تفاصيل إضافية، روبي شدت طرف جاكيتي.
— عمو ماتيو، هو الراجل اللي في الصورة ده أخوك؟
بصيت للصورة اللي كانت في الصندوق.
كانت صورة لإلياس واقف في الصوبة، لكن فيه حاجة ما كنتش لاحظتها في الأول.
في الخلفية، كانت فيه عربية نقل واقفة قدام المخزن القديم.
وعلى بابها شعار شركتي.
روبي قربت الصورة من وشها.
— أنا شوفت العربية دي قبل كده!
التفت ناحيتها بسرعة.
— فين؟
— عند باب الصوبة، من كام يوم. كان فيه راجل طويل نزل منها، وكلم ماما، وبعدين دخل المخزن اللي ورا.
مارا شهقت.
— روبي، إنتِ ما قلتيليش الكلام ده!
البنت بصت لأمها.
— أنا افتكرت إنه تبع الشغل يا ماما.
سألتها عن شكل الراجل، فوصفت لي رجلًا طويلًا، شعره رمادي من الجانبين، وبيعرج عرجة بسيطة في رجله اليمين.
عرفته فورًا.
كان فيكتور سالازار، مدير المخازن القديم عندي، والراجل اللي اختفى من الشركة بعد الحريق بشهرين.
واللي سيلاس أقسم لي وقتها إنه سافر بره البلد.
لكن لو كان رجع، يبقى فيه حاجة خطيرة بتحصل.
حاجة لازم أعرفها قبل ما يسبقوني بخطوة.
### الملف رقم 17
رجعت الشركة وطلبت من مدير الحسابات يجيب لي سجلات المخازن القديمة.
بعد ساعات من البحث، لقينا ملف رقم 17 في أرشيف ورقي كان المفروض يتعدم من سنتين.
الملف كان فيه نسخ من تحويلات مالية، وعقود شحن، وتقارير عن شحنة أجهزة إلكترونية اتسرقت من ميناء الإسكندرية قبل الحريق بشهر.
الشحنة دي كانت قيمتها ملايين، لكنها ما ظهرتش في سجلات الشركة الرسمية.
والأغرب إن أوراقها كانت موقعة باسمي.
أنا ما شفتش العقود دي قبل كده.
لكن التوقيع كان مطابق لتوقيعي.
مدير الحسابات بص لي بخوف.
— يا فندم، لو الأوراق دي صحيحة، يبقى فيه حد كان بيستخدم صلاحيات حضرتك عشان يمرر شحنات من غير تسجيل.
— مش حد. سيلاس.
قلتها بثقة، لكني ما كنتش لسه عارف كل الحقيقة.
في آخر الملف، لقيت تقريرًا بخط إلياس، بيقول فيه إنه اكتشف إن جزءًا من الشحنة المسروقة اتنقل لمخزن جانبي خارج الميناء، وإن فيه مواد قابلة للاشتعال اتخزنت هناك بطريقة مخالفة للقانون.
المخزن ده كان هو نفسه اللي اتحرق.
المكان اللي مات فيه أخويا.
لكن كان فيه تفصيل تاني.
قبل الحريق بساعات، إلياس طلب إيقاف الشحنة وإبلاغ السلطات، وكتب إنه عنده دليل يثبت تورط مسؤولين كبار في العملية.
أما تقرير الحريق الرسمي، فكان بيقول إن إلياس دخل المخزن بمفرده وإنه ما كانش فيه أي شحنات مخالفة.
يعني حد غيّر السجلات.
وحد أخفى الأدلة.
وحد خلاني أصدق إن أخويا مات بسبب حادث، بينما الحقيقة إنه كان بيحاول يمنع جريمة.
لكن مين كان موجود معاه الليلة دي؟
وليه سيلاس فضل جنبي كل السنين دي؟
الإجابة جت أسرع مما توقعت.
في آخر صفحة من الملف، لقيت صورة من كاميرا مراقبة، ملتقطة قبل الحريق بساعة.
الصورة كانت مشوشة، لكن ملامح الرجل اللي واقف عند مدخل المخزن كانت واضحة بما يكفي.
سيلاس.
واقف جنب فيكتور.
وفي إيده حقيبة معدنية.
حسيت بغضب شديد، لدرجة إن إيدي بدأت ترتعش من جديد.
لكن المرة دي ما كانتش رجفة خوف من الذكريات.
كانت رجفة غضب من نفسي.
أنا اللي طردت الرجل اللي حاول يحذرني من سيلاس.
أنا اللي رفضت أفتح الملف.
وأنا اللي سمحت للخاين يفضل جنبي، بينما أخويا كان بيموت وهو بيحاول يكشفه.
قفلت الملف، وطلبت من مدير الحسابات ما يخرجش أي مستند من المكتب.
وبعدين اتصلت بالمحامي بتاعي، المستشار عادل منصور، وقلت له:
— عايزك تراجع كل حاجة في سرية تامة. لو الأدلة دي حقيقية، هنقدمها للنيابة. بس قبل ما نتحرك، لازم نعرف سيلاس بيخطط لإيه دلوقتي.
رد عليّ بهدوء:
— أهم حاجة يا ماتيو، ما تواجهوش من غير دليل كامل. الراجل اللي قدر يخدعك تلات سنين مش هيسيب نفسه بسهولة.
كنت عارف إنه عنده حق.
لكن كان فيه شيء واحد ما كنتش مستعد أعمله تاني.
مش هسمح للخوف إنه ياخد مني قرار جديد.
### محاولة إسكات مارا
بعد يومين، حصلت حاجة خلتني أفهم إن سيلاس بدأ يشك إن فيه حد بيدور وراه.
مارا اتصلت بيا وهي بتعيط.
— يا أستاذ ماتيو، فيه ناس جم الصوبة. قالوا إنهم من شركة المشتري، وعايزين ياخدوا أوراق الملكية. ولما رفضت، هددوني إنهم هيخلّوني أندم.
سألتها فورًا:
— إنتِ وروبي فين دلوقتي؟
— في المكتب. قافلين الباب علينا.
— اسمعيني كويس. ما تفتحيش لأي حد. أنا جاي.
وصلت الصوبة ومعايا اتنين من رجالي، لكن المكان كان هادي بشكل مريب.
دخلت المكتب، ولقيت مارا محتضنة روبي، والاتنين مرعوبين.
روبي أول ما شافتني، جريت ناحيتي.
— عمو ماتيو، هما عايزين ياخدوا بيت الورد!
نزلت على ركبتي قدامها.
— محدش هياخد حاجة من هنا غصب عنك. وعد.
بصيت لمارا، فطلعت من درج المكتب ورقة كانت واحدة من الرجال سابها على الأرض قبل ما يمشي.
كانت ورقة رسمية بتطلب منها إخلاء الصوبة خلال أسبوع، بحجة إن عقد إدارتها انتهى.
لكن مارا أكدت لي إن عقدها ساري لآخر السنة، وإن مجلس الإدارة ما أصدرش أي قرار بإنهائه.
كان واضح إن سيلاس بيحاول يسيطر على المكان بسرعة قبل ما أكتشف اللي فيه.
راجعت عقد الأرض مع المحامي، واكتشفنا إن الصوبة نفسها جزء من مؤسسة خيرية أسسها إلياس، وإن الأرض مش ملكًا لشركة الشحن أصلًا.
كانت مسجلة باسم المؤسسة، وأي بيع ليها محتاج موافقة مجلس الأمناء بالكامل، مش توقيع سيلاس وحده.
لكن سيلاس كان قدّم طلبًا لتغيير مجلس الأمناء، مدعيًا إن المؤسسة تعاني من ديون ضخمة، وإن بيع الأرض هو الحل الوحيد لإنقاذها.
المستندات اللي قدمها كانت مزورة.
وكان بيخطط يبيع الأرض لشركة واجهة، وبعدها ينقل ملكيتها لشركة تانية مرتبطة برجال أعمال متورطين في تهريب البضائع.
لو نجح، كانت الصوبة هتختفي، ومعاها آخر مكان ممكن يكون فيه دليل على اللي حصل لإلياس.
قررت أوقف الصفقة قانونيًا فورًا.
لكن قبل ما نتحرك، روبي قالت جملة غريبة:
— عمو ماتيو، هو الراجل اللي كان هنا من كام يوم كان بيدوّر على حاجة تحت الورد؟
بصيت لها.
— تحت الورد؟
هزت راسها.
— أيوه. كان بيحفر جنب الوردة البيضا الكبيرة. ولما شافني، قال لي إنه بيدور على دودة، بس أنا ما صدقتوش.
مارا بصت لها بصدمة.