دخل تلت حراس مسلحين
دخل تلات حراس مسلحين يجروا على الصوبة الملكية للورد، بعد ما زعيم المافيا بتاعهم ما ردّش على مكالمة مهمة. بس أول ما دخلوا، وقفوا مكانهم كأنهم اتسمّروا في الأرض، لما بنت صغيرة عندها تمن سنين رفعت صباعها على بُقها وهمست:
— شششش... أوعوا تصحّوه! هو محتاج ينام بجد.
ماتيو فاريلا، أخطر راجل في التنظيم كله، كان نايم في هدوء لأول مرة من سنين... ولا واحد فيهم كان فاهم إزاي البنت الصغيرة دي قدرت تعمل اللي محدش من الدكاترة ولا أقرب الناس ليه عرفوا يعملوه!
بقالي تلات سنين تقريبًا ما نمتش نومه عدلة.
اسمي ماتيو فاريلا، وكنت مسيطر على إمبراطورية ضخمة في مجال الشحن والنقل، والكل كان بيحسب لي ألف حساب. رجالي كانوا عارفين كويس إن محدش يراجعني في قرار، ومحدش يجرؤ يعترض على أوامري.
بس اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن ورا الصورة اللي الناس كلها بتخاف منها، كان فيه راجل بيتعذب كل ليلة بسبب حريق في مخزن قديم، حريق عمري ما قدرت أنساه.
صوت باب بيتخبط جامد كان كفيل يخلّي إيدي ترتعش.
وقلم يقع على الأرض كان ممكن يرجّعني في ثانية لصوت صفارات الإسعاف والصريخ اللي لسه بيرن في وداني لحد النهارده.
الدكاترة حاولوا معايا كتير، ودكتور الأعصاب كان بيتصل بيا باستمرار، لكني كنت بتجاهل مكالماته.
كنت شايف إن مفيش حد يقدر يساعدني، وإن اللي حصلي لازم أتعامل معاه لوحدي.
الغريب بقى إني كنت بثق في شخص واحد ثقة عمياء... سيلاس جريكو، أقرب رجالي ليا، والراجل اللي كنت معتبره دراعي اليمين.
لحد ما في يوم، واحد من المشرفين الماليين جالي ومعاه مستندات بتثبت إن فيه تحويلات مالية مشبوهة، وعليها موافقة سيلاس نفسه.
كان المفروض أراجع الورق وأفهم الحكاية، لكني ما عملتش كده.
أمرت إن الراجل يتشال من طريقي قبل حتى ما أفتح الملف وأبص فيه.
كنت فاكر إن ده اسمه حزم وقوة شخصية.
وكنت مقتنع إن القائد الحقيقي ما ينفعش يتردد ولا يسمح لحد يشككه في رجاله.
بس الحقيقة إني كنت بغطي على أخطائي باسم القيادة.
أخويا الأصغر، إلياس، كان مختلف عني تمامًا.
كان دايمًا بيقولي إن القوة مش إن الناس تخاف منك، لكن إنك تعرف إمتى تسمعهم، وإمتى تدي فرصة تانية لحاجة اتكسرت.
قبل ما يموت، كان بيقضي معظم إجازاته في رعاية النباتات اللي حالتها صعبة، وكان بيعلّم الأطفال والمحاربين القدامى إزاي يزرعوا الورد ويهتموا بيه.
كان عنده إيمان غريب بالحاجات اللي الناس بتعتبرها انتهت.
كان دايمًا يقول لي:
— يا ماتيو، مش كل حاجة بتدبل معناها إنها ماتت. ساعات كل اللي بتحتاجه إنها تلاقي حد يصبر عليها.
كنت بسمعه، وأهز راسي، وأرجع لشغلي كأن الكلام ده مالوش أي علاقة بيا.
لحد ما إلياس مات.
بعد جنازته، بقيت أهرب من كل حاجة لما الذكريات تضغط عليّا، وأروح مكانه المفضل... صوبة الورد.
كانت مكان هادي مليان نباتات وزهور، بعيد عن دوشة المدينة وصوت العربيات والتليفونات اللي مبتبطلش رن.
هناك، محدش كان بيطلب مني قرارات، ولا بيستناني أدي أوامر، ولا بيبص لي بخوف مستني يشوف هعمل إيه.
كنت بقعد على كرسي خوص قديم كان إلياس بيحبه، وأفضل ساكت بالساعات.
وفي اليوم ده، كنت قاعد على نفس الكرسي، والمطر بيخبط على السقف الزجاج، لما سمعت صوت طفلة صغيرة بتزعق في حاجة قدامها.
— يا ست غيمة الرعد، إنتِ رخمة أوي! هو أنا مش قولتلك تبطّلي عناد؟!
فتحت عيني وبصيت ناحية الصوت.
كانت فيه بنت صغيرة لابسة كارديجان أزرق أكبر من مقاسها، وشعرها متلموم بطريقة عشوائية، وواقفة قدام وردة بيضا بتكلمها كأنها واحدة صاحبتها.
كانت بتسقي الورد بحماس شديد، لدرجة إنها نسيت نفسها وراحت مغرّقة أصيص النعناع اللي جنبه.
بصيت للأصيص، وبعدين بصيت لها وقلت:
— إنتِ كده غرّقتي النعناع يا شاطرة.
البنت اتنفضت مكانها، ولفّت ناحيتي بسرعة.
— لأ والله يا عمو، دي كانت شوية مية بس!
بصيت للأصيص اللي بقت المية بتطلع منه من تحت، ورفعت حاجبي.
— شوية مية؟ ده لو سمكة كانت عاشت فيه!
حطت إيدها على بُقها، وبصت للأصيص بحزن مصطنع.
— يا نهار أبيض! أنا كده بوّظت حياة النعناع!
لأول مرة من شهور طويلة، حسيت إن طرف بُقي بيحاول يبتسم.
مش ابتسامة كاملة، لكنها كانت قريبة منها.
والأغرب إني ما كنتش متضايق.
اسم البنت كان روبي بروكس، عندها تمن سنين، وكانت بنت مارا، الست المسؤولة عن إدارة الصوبة.
مارا كانت بتشتغل في الحديقة طول النهار، وبتسمح لبنتها تساعدها في سقاية النباتات وترتيب الأصص، بشرط إنها ما تقربش من الأدوات الخطرة.
أما روبي، فكانت بتتعامل مع المكان كأنه بيتها التاني.
والأغرب من كل ده إنها ما كانتش خايفة مني.
ما بصتش لبدلتي الغالية، ولا للساعتين اللي في إيدي، ولا للرجالة اللي عادةً بيبقوا واقفين حواليّا.
ما حاولتش حتى تعرف أنا مين.
بصت لي وسألتني بكل بساطة:
— هو إنت بتحب الزرع يا عمو؟
السؤال كان غريب لدرجة إني سكت شوية قبل ما أرد.
طول عمري كنت بتعامل مع الناس على أساس إن كل سؤال وراه مصلحة، وكل ابتسامة وراها طلب.
لكن البنت دي كانت بتسألني عن الورد بجد.
قلت لها:
— مش عارف.
هزت راسها كأن إجابتي أكدت لها حاجة مهمة جدًا، وبعدين قالت:
— طب ما تقعد شوية وتعرف!
وبكل ثقة، رجعت تكمل شغلها.
وكأنها ادّتني أمر، مش مجرد نصيحة.
ولسبب ما، نفّذت كلامها.
قعدت أسمع لها وهي بتحكي لي عن ولد اسمه نيت، كان وقع منه الغدا في المدرسة، لكنه قدر ينقذ التفاحة قبل ما تقع على الأرض.
وبعدين عرّفتني على أصيص صبّار أسمته «المستشار»، وقالت لي إنه شبه المدرسين اللي بيبصوا للعيال من فوق النضارة وكأنهم عارفين كل حاجة.
وبعدها أشارت لمجموعة زهور صغيرة وقالت:
— دول اسمهم الكورال، عشان كل واحدة فيهم ليها صوت مختلف، بس لما يبقوا مع بعض بيبقوا أحلى.
بصيت للزهور، وسألتها:
— وإنتِ بتسمعي صوت الورد يعني؟
ردت بمنتهى الجدية:
— مش بسمعه بودني يا عمو، بس كل وردة ليها شكل مختلف لما تبقى مبسوطة أو عطشانة أو تعبانة. ماما بتقول إن اللي بيحب حاجة لازم يتعلم يلاحظها.
الكلمة الأخيرة فضلت ترن في ودني.
اللي بيحب حاجة لازم يتعلم يلاحظها.
افتكرت إلياس.
افتكرت إزاي كان بيلاحظ كل حاجة صغيرة، حتى لما كنت أنا نفسي مش باخد بالي من اللي بيحصل جوايا.
روبي كملت حكاويها، مرة عن ولد في المدرسة، ومرة عن قطة بتستخبى تحت الدكة، ومرة عن وردة رفضت تتفتح رغم إنها اتسقت واتعرضت للشمس.
وأنا كنت بسمع.
من غير ما أبص في تليفوني.
من غير ما أطلب من حد يجيب لي تقرير.
ومن غير ما أفكر في الشغل ولا في الأعداء ولا في القرارات اللي مستنياني.
المطر بدأ يهدى، وصوت قطراته على الزجاج بقى أخف وأهدى.
ولأول مرة من تلات سنين، الأصوات اللي كانت بتطاردني في دماغي بدأت تسكت.
إيدي بطلت ترتعش.
ونفسي بقى أهدى.
ما كنتش فاهم إزاي ده بيحصل، لكني كنت حاسس بيه.
فضلت أسمع صوت روبي وهي بتتكلم مع الورد، لحد ما عيني غلبتني.
ونمت.
لما فتحت عيني، كان ضوء النهار اتحرك وبقى واقع على الأرض من زاوية مختلفة.
احتجت ثواني عشان أستوعب أنا فين.
وبعدين لاحظت مارا واقفة عند مدخل الصوبة، وشها شاحب، وجنبها تلاتة من رجالي، كل واحد فيهم شكله كأنه مستني كارثة تحصل.
واحد منهم كان حاطط إيده على سلاحه، والتاني كان ماسك تليفونه، والتالت بيتلفت حواليه بعصبية.
بصيت لهم بحدة وقلت:
— في إيه؟
مارا اتكلمت بحذر:
— حضرتك كنت نايم حوالي سبعة وعشرين دقيقة.
سبعة وعشرين دقيقة!
فضلت باصص لها من غير ما أرد.
أنا ما كنتش بنام سبعة وعشرين دقيقة متواصلة من غير ما أصحى مفزوع من سنين.
الدكاترة جرّبوا معايا أدوية كتير، وكنت بصحى كل شوية على نفس الكوابيس، لكن هنا، وسط الزرع، نمت كأني شخص طبيعي.
بصيت ناحية روبي.
كانت واقفة جنب أصيص النعناع، وبتبص لي بفخر، كأنها أنجزت مهمة عظيمة.
قالت لي:
— أنا قولتلهم ما يصحّوكش. إنت كنت تعبان أوي، ومكنش ينفع يصحّوك كده.
وبعدين قربت مني وهمست:
— وبعدين، إنت ما كنتش بتشخر حتى. يعني كنت نايم نوم هادي ومحترم!
واحد من الحراس بص للأرض بسرعة عشان يخبي ابتسامة كادت تظهر على وشه.
أما أنا، ففضلت باصص لها.
ما كنتش فاهم إزاي طفلة صغيرة قدرت تتعامل معايا بالشكل ده، من غير خوف ولا تملق ولا حسابات.
كل اللي شافته قدامها كان راجل تعبان ومحتاج ينام.
قلت لها بصوت واطي:
— عندك حق يا روبي.
وبعدين بصيت للحراس وقلت بلهجة حاسمة:
— محدش فيكم هيتحاسب على حاجة. هي عملت الصح، وأنا اللي كنت محتاج أرتاح.
الحراس نزلوا إيديهم عن أسلحتهم، وبدأ التوتر يخف عن وشوشهم.
مارا بصت لي باستغراب، كأنها مش مصدقة إن الراجل اللي الكل بيخاف منه ممكن يتكلم بالهدوء ده.
أما روبي، فابتسمت وقالت:
— طب كويس! المرة الجاية حاول تنام أكتر من سبعة وعشرين دقيقة.
ما رديتش عليها.
لكن المرة دي، ابتسمت فعلًا.
في المساء، رجعت لبيتي الكبير، لكن المكان كان أهدى من اللازم.
كل حاجة فيه كانت غالية ومرتبة، ومع ذلك، لأول مرة حسيت إنه فاضي.
افتكرت صوت روبي وهي بتزعق للوردة، وطريقتها وهي بتشرح لي إن كل نبات محتاج حد يلاحظ تعبه.
ولقيت نفسي بتوحشني دوشة صغيرة من النوع اللي ما كنتش بطيقه.
صوت طفلة بتتكلم مع الورد.
فتحت تليفوني وطلبت من مساعدي يعرف لي مواعيد عمل الصوبة، وبعدها كنت هقفل، لكن صوت جرس الباب قطع تفكيري.
كان فيه مندوب مستنيني ومعاه ظرف رسمي صادر عن مجلس إدارة المؤسسة الخيرية المسؤولة عن الصوبة.
فتحت الظرف.
لقيت إخطار بيعلن عن مراجعة رسمية لقيمة الأرض، تمهيدًا لاتخاذ قرار بخصوص مستقبل المكان.
وكان فيه مشتري مهتم بالأرض بالفعل.
قلّبت الورق صفحة ورا صفحة، لحد ما عيني وقعت على توقيع موجود في آخر المستند.
سيلاس جريكو.
نفس الراجل اللي وثقت فيه سنين من غير ما أراجع وراه.
نفس الراجل اللي اسمه ظهر على التحويلات المشبوهة، وأنا رفضت حتى أفتح الملف اللي كان ممكن يكشف الحقيقة.
وقفت مكاني، والورق في إيدي.
وبصيت ناحية الشباك اللي كان بيطل على الحديقة المظلمة.
افتكرت إلياس.
وافتكرت روبي، اللي قدرت تخليني أنام سبعة وعشرين دقيقة من غير خوف، في حين إن أقرب الناس ليا كانوا بيساهموا في تدمير حياتي وأنا مش واخد بالي.
لأول مرة، بدأت أسأل نفسي سؤال كنت بهرب منه من سنين:
هل أنا فعلًا كنت بحمي رجالي؟
ولا كنت بحمي الشخص الغلط؟
قفلت الظرف بهدوء، وطلبت من مساعدي يجيب لي كل المستندات المتعلقة بالمؤسسة الخيرية والأرض، وكل التحويلات المالية اللي وافق عليها سيلاس خلال آخر تلات سنين.
وبعدين أضفت جملة واحدة:
— ومحدش يعرف إننا بنراجع أي حاجة. خصوصًا سيلاس.
لأني كنت بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد أرض حد عايز يشتريها.
ولو شكوكي طلعت صح، فالمرة دي مش هسمح لحد يخليني أدفن الحقيقة قبل ما أشوفها بعيني.
وفي اللحظة دي، وأنا ببص على توقيع سيلاس، ما كنتش أعرف إن البنت الصغيرة اللي ساعدتني أنام لأول مرة من سنين، هتكون هي نفسها المفتاح اللي هيكشف سر حريق قديم... سر كنت فاكر إنه مات مع أخويا إلياس، لكنه في الحقيقة كان لسه عايش، ومستني اللحظة المناسبة عشان يدمّر كل حاجة بنيتها.
### الوردة اللي كشفت خيانة أقرب الناس لزعيم المافيا... والسر اللي مات أخوه وهو بيحاول يوصّله!
من اللحظة اللي شوفت فيها توقيع سيلاس جريكو على أوراق بيع أرض الصوبة، عرفت إن فيه حاجة أكبر بكتير من مجرد صفقة عقارية.
سيلاس ما كانش مجرد واحد من رجالي. ده كان الشخص اللي ائتمنته على أسراري، وعلى فلوسي، وعلى كل حاجة تخص إمبراطوريتي.
والأخطر من كده، إنه كان آخر شخص اتكلم مع أخويا إلياس قبل الحريق اللي أخد حياته.
تلات سنين وأنا بهرب من ذكريات الليلة دي، وبحاول أقنع نفسي إن الحريق كان حادث مأساوي، وإن موت أخويا كان مجرد قدر ما كانش في إيدينا نغيّره.
لكن لأول مرة، بدأت أشك إن الحقيقة كانت قدامي طول الوقت، وأنا اللي رفضت أبص لها.
رفعت سماعة التليفون واتصلت بمدير الأمن الخاص بيا.