كان أخطر زعيم
بص لشريف نظرة واحدة، وبعدين خرج.
لكن قبل ما يركب عربيته، وقف والتفت ناحيتي للمرة الأخيرة.
— يا نادين... لو لقيتي صورة قديمة لراجل عربي عنده ندبة طويلة فوق حاجبه اليمين، ماترميهاش. دي ممكن تفسرلك حاجات كتير.
وركب عربيته ومشي.
فضلت واقفة مكاني، والكارت في إيدي، وأنا مش فاهمة إيه اللي ربط جدتي براجل زي كريم الرهّال.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن الليلة دي كانت مجرد بداية لحكاية مدفونة بقالها أكتر من تلاتين سنة.
وإن الشخص الوحيد اللي كان يقدر يكشف الحقيقة كاملة، كان مستعد يعمل أي حاجة عشان تفضل مدفونة.
### الفصل الأول: الصندوق اللي جدتي خافت تفتحه
رجعت شقتي في شبرا بعد نص الليل.
الشقة كانت صغيرة، في الدور التالت من عمارة قديمة، لكن كانت أغلى مكان عندي في الدنيا، لأنها آخر مكان عشت فيه مع جدتي مارجريت.
من يوم ما ماتت، وأنا محتفظة بحاجتها زي ما هي تقريبًا.
هدومها في الدولاب.
نضارتها فوق الكومودينو.
وكتاب قديم كانت بتقرأ فيه قبل النوم.
أما الصندوق الخشب، فكان تحت سريرها.
عمري ما فتحته بالكامل.
كنت فاكرة إنه مجرد شوية صور وخطابات قديمة، لكن في الليلة دي، كلام كريم خلاني أحس إن جواه سر ممكن يغير حياتي.
نزلت على ركبتي، وسحبت الصندوق.
كان مقفول بقفل صغير صدئ، لكن المفتاح كان لسه مربوط بخيط جوه درج التسريحة.
فتحته.
في الأول لقيت صور لجدتي وهي شابة، وخطابات بالعربي والإنجليزي، وشهادة قديمة، وعلبة مخملية صغيرة.
لكن تحت كل ده، لقيت ظرف بني مكتوب عليه بخط إيدها:
«لنادين... لو جه اليوم اللي حد يسألك فيه عن الراجل اللي أنقذته في نيويورك.»
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف بسرعة.
جواه صورة قديمة بالأبيض والأسود، لجدتي وهي واقفة جنب راجل عربي شاب، عنده ندبة فوق حاجبه اليمين.
نفس الندبة اللي كريم وصفها!
وفي ضهر الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة بالعربي:
«مارجريت، لو جرالي أي حاجة، خلي بنتي تعرف إنك كنتِ آخر شخص حاول ينقذني.»
وتحت الجملة اسم:
يوسف الرهّال.
شهقت.
الرهّال!
نفس اسم كريم!
لكن قبل ما أستوعب، لقيت خطاب تاني، أطول، مكتوب بتاريخ يرجع لتلاتة وثلاثين سنة.
بدأت أقرأ.
«يا بنتي نادين، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مش موجودة عشان أشرحلك بنفسي.
في حاجات في حياتي كنت فاكرة إن السكوت عنها هيحميكي، لكني اكتشفت متأخر إن السكوت ساعات بيحمي الشخص الغلط.
أنا سافرت نيويورك وأنا عندي سبعة وعشرين سنة، وكنت بشتغل ممرضة في مستشفى صغير. في ليلة من ليالي الشتاء، دخل المستشفى شاب عربي مصاب بطلق ناري، ومعاه واحد صاحبه مات قبل ما يوصل.
الشرطة كانت بتدور عليه، والناس اللي أطلقوا عليه النار كانوا بيدوروا عليه هم كمان.
كان اسمه يوسف الرهّال.
كان يقدر يموت قدامي، وكان عندي اختيارين: ألتزم بالتعليمات وأسلمه للشرطة، أو أخاطر بكل حاجة عشان أنقذ حياته.
اخترت أنقذه.
لكن يوسف ماكانش مجرد شاب متورط في مشكلة. كان شاهد على جريمة كبيرة، جريمة فيها رجال أعمال فاسدين، ومسؤولين، وأشخاص كانوا بيستخدموا شركات الشحن عشان يغطوا على تجارة غير قانونية.
والأخطر من كده، إن أخوه الأصغر كريم كان بيحاول يوقف كل ده، لكنه ماكانش عارف إن أقرب الناس ليه بيخططوا للتخلص من يوسف.»
وقفت عن القراءة.
كريم كان أخو يوسف؟!
رجعت أكمل.
«في الليلة اللي أنقذت فيها يوسف، كان معاه دفتر صغير فيه أسماء وحسابات وأرقام شحنات. الدفتر ده كان الدليل الوحيد اللي يقدر يكشف الشبكة كلها.
يوسف سلّمني الدفتر، وطلب مني أخبيه بعيد عن أي حد.
بعد يومين، وصلني خبر إن المستشفى اتعرض للتفتيش، وإن فيه ناس بتدور عليّا.
فهمت إنهم عرفوا إني ساعدته.
هربت من نيويورك ورجعت مصر، لكني ماخدتش الدفتر معايا.
خبيته في مكان آمن، بعيد عن الناس اللي كانوا عايزين يقتلوه.
وقبل ما أسافر، يوسف قال لي جملة عمري ما نسيتها:
لو كريم عرف الحقيقة كاملة، ممكن ينقذ ناس كتير... أو يموت وهو بيحاول.»
قلبي كان بيدق بعنف.
لكن الخطاب ماكانش خلص.
في آخر صفحة، كانت جدتي كاتبة:
«يا نادين، أنا ماخبيتش عنك الحقيقة لأني مش واثقة فيكي. أنا خبيتها لأن اللي حصل زمان ما انتهيش، والناس اللي كانوا جزء منه لسه عندهم نفوذ.
لو كريم الرهّال ظهر في حياتك، ماتسلمهوش أي ورقة قبل ما تتأكدي إنك فهمتي كل اللي فيها.
لأن أخطر سر في الحكاية مش مكان الدفتر...
لكن مين الشخص اللي سلّم يوسف للناس اللي حاولوا يقتلوه.»
قرأت الجملة الأخيرة أكتر من مرة.
وبعدين قلبت الخطاب.
كان فيه سطر صغير مكتوب في آخر الورقة:
«المفتاح الحقيقي موجود في الحاجة اللي يوسف رفض يسيبها من إيده حتى وهو بينزف.»
فتشت في الصندوق كله.
ملقتش حاجة غير العلبة المخملية الصغيرة.
فتحتها.
كان جواها خاتم فضة قديم، محفور من الداخل بحروف صغيرة:
Y.R.
وتحت الخاتم، ورقة فيها عنوان قديم في القاهرة، واسم شارع كنت أعرفه كويس.
شارع في وسط البلد، قريب من مكان شغلي.
لكن قبل ما أقدر أستوعب المفاجأة دي، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
صوت راجل غريب قال:
— آنسة نادين عبدالسلام؟
— أيوه، مين معايا؟
— إحنا عارفين إن كريم الرهّال كلمك النهارده.
حسيت ببرودة في أطرافي.
— حضرتك مين؟
— اسمعيني كويس. لو عايزة تعيشي، انسي اسم يوسف الرهّال، وانسي اللي قريتيه، وما تقابليش كريم تاني.
— إنت مين؟!
رد ببرود:
— الشخص اللي بيحاول يمنعك من ارتكاب نفس الغلطة اللي ارتكبتها جدتك.
وبعدين قفل.
فضلت باصة للتليفون، وأنا حاسة إن حد واقف ورا ضهري رغم إني كنت لوحدي.
لكن قبل ما ألحق أتحرك، سمعت صوت خبط على باب الشقة.
تلات خبطات بطيئة.
وبعدها صوت راجل من بره:
— افتحي يا نادين. إحنا من المباحث، وعايزين نتكلم معاكي بخصوص كريم الرهّال.
### الفصل الثاني: الزيارة اللي كشفت أول كذبة
مافتحتش الباب فورًا.
اتصلت بالنجدة من تليفوني، وطلبت منهم يتأكدوا إن فيه قوة فعلًا في العمارة.
بعد دقائق، سمعت حركة على السلم، وبعدها صوت باب العمارة بيتفتح ويتقفل بعنف.
بصيت من العين السحرية.
محدش كان موجود.
لما وصلت الشرطة الحقيقية، اكتشفوا إن كاميرات مدخل العمارة سجلت راجلين نازلين بسرعة، وواحد منهم كان لابس جاكيت شبه جاكيت أفراد الشرطة.
لكن مفيش حد قدر يحدد هويتهم.
وقتها فهمت إن التهديد ماكانش مجرد محاولة لتخويفي.
حد كان عارف إني فتحت الصندوق.
وحد كان مستعد يدخل بيتي عشان يمنعني من معرفة الحقيقة.
تاني يوم الصبح، اتصلت بكريم من الرقم الموجود على الكارت.
رد بنفسه.
حكيت له اللي حصل، وطلب مني ماواجهش أي حد لوحدي.
وبعد ساعتين، قابلته في مكتب محامٍ كبير في جاردن سيتي، بحضور محامية مصرية اسمها ليلى فؤاد، كانت مستقلة تمامًا عن شركاته، ومهمتها تتأكد إن أي خطوة هتتعمل تبقى قانونية وتحمي حقوقي.
كريم وصل من غير حراسة ظاهرة، لكنه كان باين عليه إنه ما نمش طول الليل.
أول ما شاف الصورة، مسكها بإيد مرتعشة.
— ده أخويا يوسف.
سألته:
— إنت كنت فاكر إنه مات إزاي؟
سكت فترة، وبعدها قال:
— سنة 1993، أخويا اختفى بعد ما اكتشف إن شركتنا العائلية بتستخدم في عمليات شحن مشبوهة. قالوا لي إنه خان العيلة وهرب بالفلوس، وبعدها وصلني خبر إنه مات في حريق بمخزن في نيويورك.
— وشفت جثته؟
رفع عينيه ليا.
— لأ.
— يبقى إزاي صدقت إنه مات؟
وشه اتشد.
— لأن الشخص اللي بلغني كان أقرب إنسان ليا بعد يوسف. كان شريكي، ومستشاري، والراجل اللي ساعدني أبني كل حاجة بعد اختفاء أخويا.
سألته:
— اسمه إيه؟
كريم اتردد لحظة.
وبعدين قال:
— فؤاد المنشاوي.
الاسم ماكانش غريب عليّا.
فؤاد المنشاوي كان رجل أعمال مصري معروف، بيظهر في التلفزيون كتير، وبيتبرع لمستشفيات ومؤسسات خيرية، وكان بيتقدم للناس باعتباره واحد من أنجح رجال الاستثمار في البلد.
لكن كريم قال حاجة خلتني أعيد التفكير في كل اللي كنت أعرفه عنه.
— فؤاد مش مجرد شريك قديم. ده الشخص اللي كان مسؤول عن ملف الشحنات وقت اختفاء يوسف. وبعدها بسنين، بقى عنده نفوذ في شركات كتير، وفتح مؤسسات خيرية، وبنى لنفسه صورة الرجل المحترم.
ليلى فتحت اللابتوب قدامنا.
— قبل ما نتهم أي حد، لازم نفصل بين الشكوك والأدلة. لو فيه دفتر أو مستندات، لازم نعرف مصدرها ونحافظ عليها بطريقة سليمة، وأي بلاغ لازم يتقدم للجهات المختصة.
أنا وافقتها.
كنت عايزة الحقيقة، مش إني أستبدل خطر بخطر أكبر.
طلعت خطاب جدتي، وحطيته قدامهم.
كريم قرأه من أوله لآخره.
ولما وصل للجملة اللي بتقول إن الشخص اللي سلّم يوسف هو أخطر سر في الحكاية، رفع عينه فجأة.
— مارجريت كانت عارفة إن فيه خيانة من جوه.
قلت له:
— بس مش عارفة مين الخاين.
ليلى سألتني:
— العنوان اللي في الورقة، روحتيه؟
هزيت راسي.
— لأ.
كريم بص للعنوان، وفجأة قام من مكانه.
— ده مش عنوان عادي. ده كان عنوان مكتب قديم تابع لشركتنا في القاهرة. المكتب اتقفل من أكتر من تلاتين سنة.
— وإيه علاقته بالدفتر؟ سألت.
رد:
— لو يوسف ساب فيه حاجة، ممكن تكون لسه موجودة.
لكن ليلى اعترضت فورًا.
— مش هنروح ندور على حاجة في مكان مهجور من غير ما نعرف ملكيته ووضعه القانوني. الأول هنتحقق من العنوان، ونطلب الإجراءات اللازمة لو احتجنا ندخل.
كريم هز راسه بالموافقة.
وبعدها بصلي وقال:
— يا نادين، أنا عارف إن حياتك اتقلبت في يوم واحد. لو عايزة تنسحبي من الموضوع، هحترم قرارك، ومش هسمح لأي حد يضغط عليكي.
افتكرت تهديد الراجل، وافتكرت جدتي وهي بتكتب إنها سكتت عشان تحميني.
قلت له:
— أنا مش عايزة فلوسك، ولا منصب، ولا حتى شغل عندك. أنا عايزة أعرف ليه جدتي عاشت طول عمرها خايفة من سر ماكانش ذنبها.
لأول مرة، ابتسم ابتسامة صغيرة وحزينة.
— يبقى هنكتشف الحقيقة سوا.
لكننا ماكنّاش نعرف إن فؤاد المنشاوي كان متابع كل خطوة من أول لحظة.
وإن الشخص اللي اتصل بيا بالليل ماكانش مجرد واحد بيهددني.
كان أول تحذير من شبكة كاملة بدأت تتحرك.
### الفصل الثالث: مديري ماكانش مجرد شخص بيكرهني
رجعت المطعم بعد يومين، وكنت متوقعة إن شريف يطردني.
لكن اللي حصل كان أغرب.
أول ما دخلت غرفة الموظفين، لقيت خطاب رسمي على الترابيزة.
إنهاء خدمة فوري بسبب مخالفة تعليمات الإدارة والإضرار بسمعة المؤسسة.
شريف كان واقف جنب مكتبه، ووشه مليان انتصار.
— قلتلك يا نادين، أنا ما بهددش حد وخلاص.
مسكت الخطاب، وقلت بهدوء:
— تمام. بس أتمنى تديني نسخة من تقارير الشغل بتاعتي، وسجلات المناوبة، وأي تسجيلات تخص اللي حصل يوم السبت، طبقًا للإجراءات المتبعة.
ضحك.
— هتعمليلي محضر يعني؟
— أنا طلبت أوراقي بس.
قرب مني وهمس:
— اسمعي النصيحة دي. انسي كريم الرهّال، وانسي المطعم، وانسي أي حاجة حصلت. إنتِ بنت بسيطة، ومش هتكسبي لما تدخلي نفسك في مشاكل أكبر منك.
بصيت له كويس.
— هو حضرتك عرفت منين إني لسه بتكلم مع كريم؟
ضحكته اختفت.
ثانية واحدة بس، لكنها كانت كفاية.
— إنتِ بتقولي إيه؟
— بسأل سؤال.
رد بعصبية:
— اتفضلي بره يا نادين.
خرجت، لكني ماكنتش هسيب الموضوع.
كلمت محامية، وقدمت شكوى بخصوص الفصل، وطلبت حفظ تسجيلات الكاميرات المتعلقة بالواقعة، من غير ما أتهم حد بحاجة ماعنديش عليها دليل.
ليلى راجعت معايا كل حاجة، واكتشفنا إن شريف كان بيحاول يغيّر رواية اللي حصل في المطعم، وإنه طلب من الموظفين يكتبوا تقارير بتقول إني تركت مكاني من غير إذن.
لكن فيه موظف واحد رفض.
شاب اسمه مروان، كان شغال في الاستقبال.
اتصل بيا وقال:
— يا نادين، أنا شفت كل اللي حصل، وعندي نسخة من رسالة المدير اللي بعتها للجروب قبل ما الضيف يوصل.
قابلته في مكان عام، ووراني الرسالة.
كانت مكتوبة قبل العشا بساعتين:
«الضيف ده حساس جدًا. أي حد يعطّل الصفقة أو يفتح كلام معاه من غير إذني، هيمشي فورًا. ممنوع أي موظف يتدخل مهما حصل.»
الرسالة أثبتت إن شريف كان بيمنع أي حد من التدخل، لكنها ما أثبتتش لوحدها إنه متورط في المؤامرة.
ومع ذلك، مروان قال جملة أخطر.
— فيه حاجة تانية. قبل ما كريم الرهّال يوصل، شريف دخل المكتب وقابل راجل ماشفناهوش قبل كده. الراجل سلّمه ظرف، وبعدها شريف غيّر ترتيب الترابيزات وخلى الضيف يقعد في مكان معين.
سألته:
— شفت الراجل ده كويس؟
— أيوه. كان عنده علامة صغيرة تحت ودنه الشمال.
لما وصفت العلامة لكريم، سكت.
وبعدين طلع صورة قديمة من ملف عنده.
الراجل اللي في الصورة كان اسمه عادل مرسي، موظف سابق في شركة الشحن القديمة، واتقال إنه اختفى من سنين بعد ما اتفتح تحقيق داخلي.
كريم قال: