بعد سبع شهور
المحتويات
كانت جملة جعلتني أشعر بالصدمة
لأن الشيء الذي أخفيناه داخل ذلك المنزل طوال أربعين عامًا لم يكن المال.
في تلك اللحظة، رن هاتف آرثر.
نظر إلى الشاشة.
وتغير وجهه تمامًا.
قلت
مين؟
لم يجب.
ثم رفع عينيه إليّ وقال
ابنك.
شعرت بقلبي يتوقف.
ابني؟
بعد أن حظرني اثنان منهم؟
كيف عرف أنني هنا؟
فتح آرثر المكالمة على مكبر الصوت.
جاء صوت ابني من الطرف الآخر، متوترًا
أمي لازم ترجعي مصر فورًا.
قلت
ليه؟
صمت لثوانٍ.
ثم قال
لأن البيت اللي بعتيه
توقف.
اتفتح النهارده.
قبضت على الهاتف.
وبعدين؟
قال بصوت منخفض
ولقوا حاجة جوه.
سألته
إيه؟
وكانت إجابته آخر شيء توقعت أن أسمعه
لقوا صندوق عليه اسمك وجواه رسالة من أبويا.
رفعت عيني نحو آرثر.
وكان وجهه قد شحب تمامًا.
لأن آرثر كان يعرف بالضبط ماذا تعني تلك الرسالة.
همس
كان لازم الصندوق يفضل مقفول.
ثم نظر إليّ وقال
واضح إنهم سبقونا إليه لم أفهم كلام آرثر.
مين اللي سبقنا للصندوق؟
لكنه لم يجب.
كنت أسمع أنفاسي فقط، وصوت ابني عبر الهاتف.
قلت له بسرعة
إنت لقيت الصندوق؟
لا يا أمي أنا مش في البيت.
أمال مين اللي لاقاه؟
سكت قليلًا، ثم قال
المشتري الجديد.
شعرت بشيء من الارتياح.
لكن ابني أكمل
بس
المشكلة إنه اتصل بيا، وقال إن الصندوق كان مخبّى في تجويف ورا الحيطة القديمة في أوضة نومك.
نظرت إلى آرثر.
كان يحدق في الأرض.
قلت
وقال إيه عن الرسالة؟
قال إنها كانت باسمك لكن قبل ما يقدر يقرأها، حد دخل البيت.
حد دخل البيت؟!
أيوه.
تجمد صوت ابني.
والراجل اللي اشترا البيت قال إن الشخص ده كان بيدور على الصندوق تحديدًا.
شعرت بقشعريرة في جسدي.
كل هذه السنوات
كل ما حدث
لم يكن صدفة.
حتى بيعي للمنزل ربما لم يكن مجرد بداية جديدة.
ربما كان هو اللحظة التي جعلت سرًا قديمًا يخرج إلى النور.
وضعت الهاتف على الطاولة.
آرثر أنا عايزة الحقيقة كلها.
رفع عيني إليّ.
قلت
مش هخاف. أنا عندي تسعة وستين
سنة، وخسړت ناس كتير، وبدأت حياتي من جديد. مفيش حاجة أخاف منها أكتر من إني أفضل عايشة طول عمري من غير ما أعرف الحقيقة.
ظل صامتًا.
ثم فتح درجًا آخر وأخرج مفتاحًا صغيرًا.
وضعه أمامي.
هذا المفتاح كان مع إليانور.
نظرت إليه.
مفتاح إيه؟
مكان تركت فيه باقي الحقيقة.
قلت
فين؟
قال
في نفس المكان الموجود في اللوحة.
نظرت إلى اللوحة.
الكوخ.
البحيرة.
الرصيف الخشبي.
ثم فهمت.
المكان ده حقيقي؟
أومأ.
نعم.
وموجود فين؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
على بعد ساعتين من هنا.
لم أصدق نفسي.
كل تلك السنوات كنت أظن أن اللوحة مجرد ذكرى قديمة.
لكنها كانت خريطة.
أو ربما مفتاحًا.
قلت
إليانور كانت عايزة إني أروح هناك؟
قال
كانت تريدك أن تذهبي عندما تصبحين مستعدة.
ومين هيحدد إني
بقيت مستعدة؟
نظر إليّ مباشرة.
أنتِ.
في صباح اليوم التالي، كنا في السيارة.
جلست بجوار آرثر وأنا أنظر من النافذة.
لأول مرة منذ سنوات، لم أكن أذهب إلى مكان لأن أحد أبنائي طلب مني ذلك.
كنت ذاهبة لأنني أنا أردت أن أعرف.
بعد ساعتين، وصلنا إلى بحيرة هادئة.
وحين رأيت الكوخ، شعرت بأنني دخلت إلى اللوحة نفسها.
نزلت من السيارة.
اقتربت من الرصيف الخشبي.
قال آرثر
إليانور أخبرتني أن المفتاح لن يفتح بابًا.
نظرت إليه.
أمال هيفتح إيه؟
أشار إلى أحد ألواح الرصيف.
انحنيت.
كان هناك قفل صغير مخفي أسفل الخشب.
أدخلت المفتاح.
صدر صوت نقرة.
وانفتح تجويف صغير.
في داخله كان صندوق معدني أسود.
أخرجته بيدين مرتجفتين.
كان عليه اسم واحد
ماريان.
فتحت الصندوق.
وجدت صورًا قديمة.
أوراقًا.
إيصالات بنكية.
وعقدًا.
لكن شيئًا واحدًا جعلني أتوقف
عن التنفس.
كان هناك تسجيل صوتي صغير.
وعليه ورقة مكتوب عليها
اسمعيه وحدك.
نظرت إلى آرثر.
فقال
أنا لن أسمعه.
ضغطت زر التشغيل.
خرج صوت إليانور، أكبر سنًا مما أتذكرها، لكنه واضح.
قالت
ماريان لو وصلتي للتسجيل ده، يبقى أنا فشلت في حمايتك.
ابتلعت دموعي.
تابعت
لكن في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تحكمي على أي حد.
توقفت لحظة.
ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء
زوجك لم يترك لكِ ديونًا ولم يخسر أموال العائلة كما أخبرك أبناؤك.
شهقت.
أبنائي؟
ثم جاء صوت إليانور
هو ترك لكِ شيئًا أكبر بكثير.
نظرت إلى آرثر.
ثم عاد صوتها
ترك لكِ ملكية سرية باسمك أنتِ وحدك.
وضعت يدي على فمي.
لكن إليانور لم تنتهِ.
والشخص الذي كان يحاول الوصول إليها طوال هذه
السنوات كان واحدًا من أبنائك الأربعة توقفت عن التنفس للحظات.
واحد من أبنائي؟
نظرت إلى آرثر، لكنه لم يبدُ متفاجئًا.
قلت بصوت مرتجف
إنت كنت عارف؟
هز رأسه.
كنت أعرف أن واحدًا منهم متورط لكن إليانور لم تكن قد أخبرتني باسمه.
أعدت تشغيل التسجيل.
جاء صوت إليانور
ماريان، لا تثقي في أي شخص يطلب منك العودة إلى مصر الآن. ولا توقعي على أي ورقة. والأهم لا تخبري أبناءك بما وجدته.
ثم سكتت قليلًا.
لأن الشخص الذي أبحث عنه يعرف أنكِ بعتي المنزل.
شعرت بقلبي ينقبض.
كيف عرفت إليانور أنني سأبيع المنزل؟
ثم سمعتها تقول
وإذا كان الصندوق قد خرج من مخبئه، فهذا يعني أن خطتي نجحت أخيرًا.
توقفت الرسالة.
رفعت رأسي.
خطتها؟
قال
آرثر
إليانور كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
أي لحظة؟
اللحظة التي تختارين فيها نفسك.
لم أفهم.
لكنه أكمل
كانت تعرف أنك لن تبحثي عن الحقيقة وأنتِ مشغولة بإرضاء الجميع.
نظرت إلى الأرض.
وفجأة تذكرت كل شيء.
سنوات وأنا أدفع.
أساعد.
أعتني.
أؤجل سفري.
أؤجل أحلامي.
أؤجل نفسي.
ربما لم تكن إليانور تنتظر أن أصبح أقوى
كانت تنتظر أن أصبح حرة.
رن هاتفي فجأة.
كان ابني الأكبر.
نظرت إلى الشاشة طويلًا.
ثم أجبت.
ألو؟
جاء صوته سريعًا
ماما، لازم ترجعي فورًا.
قلت
ليه؟
الموضوع كبر.
أي موضوع؟
صمت.
ثم قال
الصندوق.
ابتسمت للمرة الأولى.
إنت عرفت بالصندوق؟
تلعثم.
أيوه الراجل اللي اشترى البيت قال لنا.
قلت
غريبة.
إيه الغريب؟
إنه اتصل بيك أنت تحديدًا.
ساد الصمت.
ثم قلت
مين اللي قال لك إن الصندوق فيه
أوراق تخص أبويا؟
لم يجب.
فأغلقت الهاتف.
نظرت إلى آرثر.
هو كان عارف.
قال
نعم.
يبقى هو واحد منهم.
أومأ آرثر.
لكن قبل أن نتحرك، لاحظت شيئًا داخل الصندوق.
كان هناك ظرف صغير لم أره من قبل.
فتحته.
وفي داخله صورة واحدة.
صورة لأبنائي الأربعة وهم أطفال.
وخلف الصورة كتبت إليانور
واحد منهم لم يكن ابنك البيولوجي.
توقفت الدنيا من حولي.
حدقت في الصورة.
ثم قلبتها مرة أخرى.
وكان تحت الجملة اسم واحد.
اسم ابني الثاني.
ابني الذي كان أكثرهم دفاعًا عن البيت.
الأكثر غضبًا عندما قررت بيعه.
والذي قال لي يومها
البيت ده مش من حقك تبيعيه لوحدك.
رفعت رأسي نحو آرثر.
هو ابني إزاي مش ابني؟
قال آرثر بصوت منخفض
لأن الحقيقة التي أخفاها زوجك عنك طوال حياتك أن هذا الشاب
لم يكن ابنك البيولوجي.
ثم أضاف
والأسوأ من ذلك أن والدته الحقيقية كانت إليانور.
شهقت.
لم أستطع الكلام.
فإذا كانت إليانور هي أمه
فهذا يعني أن أعز صديقاتي لم تختفِ من حياتي بلا سبب.
لقد اختفت لأنها تركت وراءها طفلًا
ربّيته أنا دون أن أعرف الحقيقة.
لكن السؤال الذي دمرني لم يكن من أمه.
بل
لماذا أعطتني إليانور ابنها؟
ولماذا أخفوا عني الحقيقة كل هذه السنوات؟
وفي تلك اللحظة، وصلني إشعار على هاتفي.
رسالة من رقم مجهول
لو عايزة تعرفي ليه ربيتي ابني طول عمرك ارجعي مصر.
ثم وصلت رسالة ثانية
بس المرة دي متجيبيش آرثر معاكي حدقت في الرسالة طويلًا.
ثم نظرت إلى آرثر.
لم أقل له شيئًا.
لكنه فهم من نظرة عيني أن شيئًا حدث.
قال بهدوء
مين
بعتلك؟
ناولته الهاتف.
قرأ الرسالتين، ثم تغيّر وجهه.
لازم نمشي من هنا.
ليه؟
لأن اللي كتب الرسالة دي عارف إننا هنا.
نظرت حولي.
البحيرة كانت هادئة.
والكوخ ساكن.
ولا يوجد أي شخص في المكان.
لكن فجأة شعرت أننا لم نكن وحدنا.
قال آرثر
خدي الصندوق.
وإنت؟
أنا هقود.
عدنا إلى السيارة.
طوال الطريق لم يتحدث أي منا.
كنت أحاول أن أستوعب الحقيقة.
ابني الثاني ليس ابني البيولوجي.
إليانور هي أمه.
وزوجي كان يعرف.
لكن لماذا؟
وعندما وصلنا إلى الفندق، وجدت شيئًا تحت باب غرفتي.
ظرفًا أبيض.
لم يكن عليه اسم.
فتحته.
وفي داخله صورة قديمة جدًا.
أنا وإليانور وزوجي.
كنا نقف أمام نفس الكوخ.
لكنني لم أتذكر أنني ذهبت إليه من قبل.
قلبت الصورة.
كان خلفها تاريخ.
قبل ولادة ابني الثاني بثلاثة أشهر.
شعرت بدوار.
جلست على السرير.
ثم
لاحظت شيئًا آخر.
كان هناك شخص رابع في الصورة.
رجل يقف بعيدًا خلفنا.
غطى وجهه نصفه الظل.
اقتربت من الصورة.
عرفته.
لقد كان أخي الأكبر.
نفس الأخ الذي ظهر في الصورة القديمة مع إليانور وآرثر.
لكن هذه المرة كان يحمل شيئًا في يده.
شيئًا يشبه ملفًا.
قلت
آرثر
اقترب.
نظر للصورة.
ثم جلس بصمت.
كنت عارف الصورة دي؟
قال
لا.
إذن ليه أخويا كان موجود؟
لم يجب.
قلت بعصبية
أنا تعبت من الأسرار! كل واحد فيكم عارف جزء وأنا آخر واحدة أعرف!
خفض آرثر رأسه.
ثم قال
لأننا كنا نحاول نحميك.
ضحكت بمرارة.
تحموني؟! أربعين سنة وأنا عايشة وسط كڈبة!
قال
لأن الحقيقة وقتها كانت ممكن تدمر حياتك.
وأنا دلوقتي؟
نظر إليّ.
دلوقتي أنتِ أقوى.
في تلك اللحظة، رن هاتفي.
رقم مجهول.
أجبت.
لم يتكلم
أحد.
فقط سمعت صوت أنفاس.
ثم جاء صوت امرأة عجوز
ماريان؟
تجمدت.
كنت أعرف هذا الصوت.
رغم مرور أكثر من أربعين عامًا.
قلت
إليانور؟
صمت طويل.
ثم قالت
أيوه.
سقط الهاتف من يدي.
آرثر التقطه بسرعة.
إليانور!
جاء صوتها
آرثر خليك بعيد عن الموضوع.
قال پغضب
أنتِ فين؟
المهم
متابعة القراءة