السر اللي امي خبته
المحتويات
للأبد.
لكن رغم كل ده، كان عندي سؤال أخير
طب والجواب البني ده؟
أمي بصت للجواب اللي في إيدي، وقالت
ده اللي ليلى كتبتهولك إنتِ.
جواب من أختي اللي ما عرفتهاش طول عمري
فتحت الجواب بحذر.
كان مكتوب بخط ست كبيرة، لكن الحروف كانت واضحة ومنظمة.
بدأت أقرأ
إلى أختي اللي عشت عمري كله أتخيل شكلها...
أنا ليلى.
يمكن تكوني دلوقتي غاضبة، ويمكن تكوني مش مصدقة إن ليكي أخت عاشت بعيد عنك خمسين سنة كاملة.
أنا كمان مش قادرة أصدق إننا وصلنا لليوم ده.
طول عمري كنت بسأل نفسي هل عندي أخت؟ هل هي شبهّي؟ هل بتضحك زيي؟ هل بتحب نفس الحاجات اللي بحبها؟
كنت بتخيل إننا لو اتقابلنا يومًا، هنقعد نحكي عن كل السنين اللي راحت، وكأننا نقدر نرجع الزمن.
لكن لما كبرت، فهمت إن الزمن ما بيرجعش، وإن بعض الخسارات بتسيب جوا الإنسان فراغًا ما يعرفش يشرحه.
أنا مش بكتبلك عشان أطلب منك تسامحيني على حاجة ما عملتهاش، ولا عشان أحمّلك مسؤولية سنين ما كنتيش تعرفي عنها حاجة.
أنا بس عايزاكي تعرفي إنك طول عمرك ما كنتيش من غير أخت.
كان فيه إنسانة في مكان بعيد، كل ما تشوف بنتين ماشيين جنب بعض، تتخيل إن واحدة فيهم إنتِ.
وكل ما تشوف أم بتضحك مع بنتها، تسأل نفسها إذا كنتِ بتضحكي مع أمك بنفس الطريقة.
أنا مش عايزة أسرق منك حياتك، ولا أفرض نفسي على أيامك.
أنا عايزة فرصة واحدة بس، نتعرف فيها على بعض من جديد.
ولو الوقت ما سمحش لينا بسنين طويلة، يكفيني إننا ما نضيّعش الأيام اللي فاضلة.
أختك، ليلى.
وقفت عن القراءة.
كنت بعيط من غير ما أحس.
كل كلمة في الجواب كانت بتكشفلي قد إيه إحنا الاتنين اتسرق مننا شيء ما كانش المفروض يتسرق.
رفعت عيني لأمي وقلت
أنا عايزة أشوفها.
أمي مسحت دموعها وقالت
كنت خايفة تقولي لأ.
رديت عليها
أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك على إنك خبيتي عني كل ده، لكن ليلى مالهاش ذنب. ومش هسمح إننا نخسرها مرة تانية.
وفي نفس اللحظة، أخدت مفاتيح عربيتي.
لكن قبل ما أخرج، أمي قالتلي
استني يا بنتي... فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تروحي.
رجعت قعدت قدامها.
أمي قالتلي إن ليلى ما كانتش عايزة تقابلني في البداية، وإنها هي اللي أصرت على الفكرة.
لأن ليلى كانت فاكرة إن أمي اختارت تسيبها، وإنها فضلت طول عمرها مقتنعة إن أمها الحقيقية ما حاولتش ترجعها.
لكن في آخر يوم من الزيارة، حصلت حاجة غيّرت كل ده.
نادية، اللي ساعدت في ترتيب اللقاء، لقت في صندوق قديم عند واحد من أقارب العيلة أوراقًا كانت تخص جدتي.
الأوراق دي كانت عبارة عن خطابات قديمة كتبتها أمي لليلى على مدار سنين، لكنها ما وصلتش لها أبدًا.
كل خطاب كان بيرجع لأمي وعليه ملاحظة مختلفة.
مرة مكتوب إن العنوان غير معروف، ومرة إن المستلم انتقل، ومرة إن الأسرة رفضت استلامه.
وفي وسط الأوراق، كان فيه خطاب من أخو أبويا، مكتوب من أكتر من أربعين سنة.
أمي قالتلي إنها أول ما شافت الخطاب، عرفت خطه فورًا.
كان بيقول فيه إن ليلى مش هترجع، وإنه لو أمي حاولت توصل لها مرة تانية، هيمنعها من رؤيتها للأبد.
لكن اللي كان أهم من الخطاب، هو الورقة اللي كانت مرفقة معاه.
ورقة مكتوبة بخط جدتي، بتقول فيها إنها عارفة إن أمي بتحاول ترجع بنتها، وإنها ندمت على اللي حصل، لكنها كانت خايفة تواجه ابنها وتعترف إنها شاركت في فصل التوأم عن بعض.
أمي فضلت محتفظة بالورقة دي طول السنين، لكنها ما كانتش تعرف إن فيه نسخة تانية عند العيلة.
ولما ليلى قرأت الخطابات، اكتشفت لأول مرة إن أمي ما نسيتهاش.
قالتلها إنها لسه مش قادرة تستوعب كل اللي حصل، لكنها عايزة تديها فرصة تسمع منها الحقيقة كاملة.
ومن هنا بدأت أمي تحكي لها كل شيء.
لكن وهي بتحكي، ليلى تعبت فجأة.
نقلها ابنها للمستشفى، وأمي فضلت جنبها لحد ما الأطباء طمنوها إن حالتها استقرت مؤقتًا.
وبعدها، رجعت أمي البيت قبل موعدها بثلاثة أيام، لأنها كانت مصممة تشوفني وتحكيلي الحقيقة بنفسها، لكنها ما قدرتش تبدأ الكلام.
سألت أمي
طب ليه ما اتصلتيش بيا وقلتيلي كل ده؟
ردت بحزن
كنت خايفة. كل ما أمسك التليفون، أفتكر إني ضيعت خمسين سنة من عمرك من غير ما تعرفي إن ليكي أخت. كنت عايزة أرجع وأقولك الحقيقة وأنا واقفة قدامك، مش من ورا التليفون.
قمت من مكاني.
ما كنتش قادرة أستوعب كل الأسرار اللي ظهرت في يوم واحد.
لكن كان فيه شيء واحد واضح مفيش وقت نضيعه.
اتصلت بابن ليلى، كريم، من الرقم اللي أمي كتبتهولي على ورقة.
رد عليا شاب صوته متعب.
قلتله
أنا بنت خالة والدتك... أو بالأصح، أنا أختها التوأم اللي ما كانتش تعرفها.
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
هي كانت مستنياكي.
الجملة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أقرر إني هسافر في نفس اليوم.
اللقاء اللي اتأخر خمسين سنة
بعد ساعات، كنت واقفة قدام باب أوضة في مستشفى حكومي كبير في المدينة اللي عاشت فيها ليلى عمرها كله.
أمي كانت ماشية جنبي ببطء، وملامحها متوترة.
ولما دخلنا، شفتها.
ست عجوزة، شعرها أبيض، ووشها مرهق، لكنها كانت بتبصلي بعينين شبه عينيّ بشكل يخوّف.
كانت قاعدة على السرير، وفي إيدها صورة قديمة لطفلتين صغيرتين.
أول ما شافت أمي، دموعها نزلت.
وبعدين بصتلي.
فضلت ساكتة لثواني، كأنها بتحاول تطابق ملامحي بالصورة اللي عاشت معاها طول عمرها.
قالت بصوت ضعيف
إنتِ... أختي؟
ما عرفتش أرد.
قربت منها وقعدت جنب السرير، وبصيت في عينيها.
كان فيه شيء غريب في اللحظة دي.
رغم إننا ما اتقابلناش قبل كده، حسيت إن ملامحها مألوفة. طريقة رفع حاجبها، حركة إيديها وهي بتتكلم، وحتى ابتسامتها الخفيفة.
كلها حاجات كنت بشوفها في نفسي من غير ما أفهم مصدرها.
قلت لها وأنا بحاول أتماسك
أيوه... أنا أختك.
ليلى بدأت تعيط، وقالت
كنت عارفة إنك هتيجي.
ما قدرتش أمنع دموعي.
قعدنا نتكلم ساعات طويلة.
حكتلي عن طفولتها، وعن الست اللي ربتها، وعن الوحدة اللي كانت بتحس بيها كل ما كانت تشوف توأم في الشارع.
وحكيتلها أنا كمان عن حياتي، وعن أمي، وعن أبويا، وعن عزومات يوم الأحد اللي كانت بتجمع العيلة كل أسبوع.
كانت بتسمعني باهتمام، وكل شوية تبتسم وتقول
يعني إحنا كنا ممكن نعيش كل ده مع بعض.
الجملة دي كانت بتوجعني، لكني كنت عارفة إننا مش هنقدر نغير اللي فات.
نقدر بس نقرر نعمل إيه في اللي باقي.
بعد شوية، دخل الدكتور وطلب مننا نخرج عشان ليلى ترتاح.
وقبل ما أخرج، مسكت إيدي وقالت
أنا عندي طلب واحد.
بصيتلها.
قالت
ما تخليش اللي حصل بيني وبين أمنا يخلّيكي تبعدي عنها. هي غلطت، وأنا كمان عندي غضب منها، لكن دلوقتي مش عايزة أضيّع الأيام اللي فاضلة في الخصام.
خرجت من الأوضة وأنا بفكر في كلامها.
لأول مرة، حسيت إن الغضب اللي جوايا مش لازم يختفي عشان أقدر أتصرف بحكمة.
ممكن أكون مجروحة من أمي، وممكن أحتاج وقت عشان أسامحها، لكن ده ما يمنعنيش إني أكون جنب أختي.
المفاجأة اللي محدش كان متوقعها
بعد يومين، الدكتور قال إن ليلى محتاجة عملية في القلب، وإن حالتها تسمح بالتحضير لها، لكن لازم تلتزم بتعليماته وتفضل تحت المتابعة.
كريم كان بيحاول يوفر كل حاجة، لكنه كان قلقان جدًا، خصوصًا إنه كان شغال شغل بسيط ومش قادر يتحمل كل المصاريف بسهولة.
أمي قررت تبيع
متابعة القراءة