السر اللي امي خبته

لمحة نيوز

بنتي، بالله عليكي، سيبي اللي في إيدك.
رفعت الصورة قدامها وقلت
مين البنت دي يا ماما؟ وليه كاتبة إن دول بنتيكي؟ أنا عندي أخت؟
أمي غطت وشها بإيديها، وقعدت على أقرب كرسي.
فضلت ساكتة لدرجة إني افتكرت إنها مش هترد.
وبعدين رفعت عينيها ليا وقالت جملة عمري ما كنت أتخيل إني أسمعها منها
أيوه يا بنتي... كان ليكي أخت توأم.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
كانت؟ يعني إيه كانت؟ هي ماتت؟
أمي هزت راسها بسرعة.
لأ... لأ، هي عايشة. أو على الأقل كانت عايشة لما شوفتها من أسبوع.
صرخت فيها
يعني إنتِ عارفة إن ليا أخت طول السنين دي، ومخبية عني؟!
أمي بدأت تعيط، وقالت
أنا عارفة إنك من حقك تكرهيني، بس لازم تسمعيني للآخر. أنا مخبيتش عنك الحقيقة عشان كنت بكره أختك، ولا عشان كنت عايزة أحرمك منها. أنا خفت... وخوفي خلاني أعمل أكبر غلطة في حياتي.
قعدت قدامها وأنا حاسة إني مش عارفة الست اللي قدامي دي.
وبدأت أمي تحكي.
السر اللي اتدفن خمسين سنة
قالتلي إن يوم ولادتي، ولدت بنتين توأم.
أنا وأختي كنا شبه بعض لدرجة إن الممرضة نفسها كانت بتتلخبط بينا.
لكن بعد الولادة بأيام، حصلت مشكلة كبيرة بين أمي وأبويا من ناحية، وبين عيلة أبويا من ناحية تانية.
أبويا كان وقتها شاب فقير، وأهله كانوا رافضين جوازه من أمي من البداية. ولما خلفوا توأم، اعتبروا إن وجود بنتين هيزود الأعباء عليهم، خصوصًا إن أبويا كان بيشتغل بأجر يومي ومش قادر يوفر مصاريف البيت.
لكن المشكلة الحقيقية، حسب كلام أمي، كانت إن جدتي من ناحية أبويا كانت مصممة إن واحدة من البنتين تتربى عند أخو أبويا، اللي مراته كانت محرومة من الخلفة.
في البداية، أمي رفضت رفض قاطع.
لكن بعد شهور من الضغط والتهديد، وبعد ما أبويا فقد شغله لفترة، اتدخلت العيلة وخلت الموضوع كأنه أمر واقع.
أمي قالتلي وهي بتبص للأرض
قالولي إنها هتروح تعيش معاهم كام شهر بس، لحد ما أبوكي يقف على رجله، وبعدها ترجع. وأنا صدقتهم... أو يمكن كنت محتاجة أصدقهم عشان أعرف أعيش.
وبالفعل، أختي راحت تعيش في البيت القديم المبني بالطوب الأحمر.
لكن الشهور عدت، وبقت سنين.
كل ما أمي تطلب تشوف بنتها، كانوا يرفضوا، بحجة إنها اتعودت على البيت الجديد، وإن رجوعها هيعمل مشاكل.
وبعد فترة، اتنقلت العيلة من المنطقة، وانقطعت الأخبار.
أبويا كان عارف إن فيه ظلم حصل، لكنه كان ضعيف قدام أهله، وكل ما أمي تفتح الموضوع، كان يطلب منها تستنى شوية.
لحد ما ماتت جدتي، وبعدها أبويا نفسه توفى، وأمي فضلت لوحدها شايلة السر.
سألتها وأنا مش قادرة أصدق
طب ليه ما دورتيش عليها؟ ليه ما قولتيليش وأنا كبيرة؟
ردت بصوت مكسور
دورت يا بنتي. سنين طويلة دورت. لكن أخو أبوكي سافر، والبيت اتباع، وكل اللي كانوا يعرفوا حاجة ماتوا أو اختفوا. وبعد فترة، بدأت أخاف إن أختك تكون عاشت عمرها كله وهي فاكرة إن أهلها الأصليين رفضوها. كنت خايفة أروح لها وأهدم حياتها.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
ولما كبرتي، كل ما كنت أقول هحكيلك، كنت أتراجع. كنت بخاف تكرهيني عشان سكت. وكل سنة كانت بتعدي، كان الاعتراف بيبقى أصعب.
قلت لها بغضب
يعني اخترتي تسيبيني أعيش خمسين سنة من غير ما أعرف إن ليا أخت؟!
ما حاولتش تدافع عن نفسها.
قالت بس
أيوه. وأنا غلطت.
كان اعترافها مؤلم أكتر من أي تبرير.
لكن لسه فيه سؤال واحد.
طب عرفتي مكانها إزاي دلوقتي؟
أمي بصت للشنطة السودا وقالت
من حوالي شهرين، وصلني جواب على عنوان البيت. كان من واحدة اسمها نادية، صاحبة طفولتي القديمة. قالتلي إنها عرفت بالصدفة مكان أختك، وإن أختك نفسها كانت بتدور عليا.
وقتها فهمت إن حكاية السفر كلها كانت أكبر بكتير من مجرد زيارة صاحبة قديمة.
لكن أمي لسه ما قالتليش ليه رجعت بالشكل ده.
الأسبوع اللي غيّر كل حاجة
أمي حكتلي إنها سافرت فعلًا للمدينة اللي قالتلي عليها، لكن نادية ما كانتش صاحبة الطفولة اللي راحت تقابلها.
نادية كانت ست تعرف أختي من سنين، وكانت هي اللي ساعدت في الوصول لأمي.
أما صاحبة الطفولة القديمة، فكانت ماتت من ثماني سنين، وأمي كانت عارفة ده.
يعني إيه؟
يعني أمي ادتني رقم قديم عمدًا، عشان ما أقدرش أوصل لحد يعرف الحقيقة قبل ما تقابل أختي بنفسها.
قالتلي إنها وصلت للبيت القديم، لكن لقت أختي مش هناك.
كانت أختي، اللي اسمها الحقيقي ليلى، عايشة في بيت صغير على أطراف المدينة، مع ابنها الوحيد كريم.
ولما أمي وصلت، ليلى ما عرفتهاش في البداية.
خمسين سنة كاملة كانت كفيلة إنها تغيّر ملامح الكل.
لكن لما أمي قالتلها اسمها، وطلعت صورة قديمة ليهم وهما صغيرين، ليلى قعدت على الكرسي وفضلت باصة للصورة فترة طويلة.
وبعدين سألتها
إنتِ جيتي دلوقتي ليه؟ بعد كل السنين دي؟
أمي ما لقتش رد.
قالتلي إنها كانت مستعدة تسمع أي كلام، حتى لو ليلى رفضتها أو طلبت منها تمشي.
لكن اللي حصل كان أصعب من أي حاجة تخيلتها.
ليلى ما رفضتهاش، لكنها ما سامحتهاش بسهولة برضه.
قالتلها إنها عاشت طفولتها وهي حاسة إنها غريبة وسط الناس اللي ربوها، وإنها فضلت طول عمرها تسأل نفسها ليه أمها الحقيقية ما حاولتش ترجعها.
ولما كبرت، عرفت إن الست اللي ربتها ما كانتش أمها البيولوجية، لكنها ما عرفتش مين أمها الأصلية ولا مكانها.
ولما الست دي ماتت، سابت لها صندوق صغير فيه أوراق قديمة وصورة لطفلتين توأم.
ومن وقتها، ليلى بدأت رحلة البحث.
لكنها ما وصلت لأمي إلا من شهور قليلة، بمساعدة نادية.
سألت أمي ليلى عني.
طب وأختي؟ هي عارفة إني موجودة؟
أمي هزت راسها.
أيوه. كانت عارفة إنك موجودة، وكانت نفسها تشوفك. لكن لما اتكلمنا، قالتلي إنها مش عايزة تدخل حياتك فجأة، وإنها عايزة تتأكد الأول إنك هتكوني مستعدة تعرفي الحقيقة.
سألتها
طب ليه الشنطة فيها هدوم مش بتاعتك؟
هنا وش أمي اتغير تاني.
قالتلي إن الهدوم دي كانت بتاعة ليلى، وإنها أصرت تديها لأمي بعد ما هدوم أمي اتبلت في ليلة مطر شديد.
لكن الشنطة السودا ما كانتش مجرد شنطة سفر.
كانت فيها حاجات ليلى احتفظت بيها من طفولتها صور، جواب قديم، ودبدوب بني صغير.
الدبدوب اللي كنت فاكرة إني ضيعته وأنا عندي خمس سنين!
أمي قالتلي إن ليلى احتفظت بالدبدوب كل السنين دي، لأنه كان الهدية الوحيدة اللي جابها أبويا لينا إحنا الاتنين قبل ما نفترق.
لكن كان فيه سر تاني لسه ما اتكشفش.
أمي قالت إنها رجعت من عند ليلى قبل موعدها بثلاثة أيام، لأنها اكتشفت إن أختي مريضة، وإنها كانت بتخبي عليها حقيقة خطيرة.
ليلى عندها مشكلة في القلب يا بنتي، والدكتور قال لها إنها محتاجة تدخل طبي قريب. وهي كانت رافضة تقول لحد، حتى لابنها، لأنها مش عايزة تقلقه.
حسيت بصدمة جديدة.
يعني إنتِ كنتِ هناك بتساعديها؟
هزت راسها.
كنت بحاول أساعدها، لكن هي اللي كانت بتطمني عليا رغم إنها هي اللي تعبانة. في آخر يوم، تعبت جدًا، ونزلت معاها المستشفى. ولما خرجنا، أصرت إني أرجع البيت قبل ما تتعبي صحتي أنا كمان.
بصيت لأمي كويس.
فهمت وقتها ليه كانت خست، وليه وشها كان مرهق بالشكل ده.
هي ما كانتش بترجع من رحلة عادية.
كانت بترجع من مواجهة مع خمسين سنة من الندم، ومع أختها اللي لقتها أخيرًا بعد ما افتكرت إنها ضاعت منها
تم نسخ الرابط