السر اللي امي خبته

لمحة نيوز

أمي رجعت من رحلة أسبوع وهي مخبية سر عمره ٥٠ سنة ولما فتحت الشنطة السودا، اكتشفت إن حياتي كلها كانت مبنية على كذبة!
أمي عندها ٨٠ سنة، سافرت أسبوع عشان تقابل صاحبة طفولتها وترجع الذكريات القديمة بينهم. لكن لما روحت أستقبلها بعد ٧ أيام، اتصدمت من شكلها! كانت خست بشكل يخوّف، ووشها باين عليه الإرهاق، وكانت شايلة شنطة سفر سودا كبيرة عمري ما شفتها قبل كده.
سألتها إيه اللي حصل، أكدتلي إن كل حاجة تمام... لكن أول ما اكتشفت إيه اللي مستخبي جوه الشنطة دي، فهمت إن أمي مخبية عني سر من عشرات السنين!
أمي طول عمرها ست بشوشة ونشيطة، بتحب تعمل الحلويات وتجمع العيلة حواليها. حتى وهي عندها ٨٠ سنة، عمرها ما كانت بتفوّت عزومة يوم الأحد اللي اتعودنا نتجمع فيها كل أسبوع.
وعشان كده، لما قالتلي إنها ناوية تقضي أسبوع عند صاحبة طفولتها، فرحتلها جدًا. الاتنين كانوا يعرفوا بعض من وهما بنات صغيرين، لكن بقالهم عشرين سنة ما اتقابلوش.
صاحبتها كانت عايشة في مدينة تبعد عننا حوالي ٣ ساعات، وأمي كانت متحمسة جدًا للزيارة دي، لدرجة إني حسيت إنها مستنية اليوم ده من زمان.
لكن بعد أسبوع، لما روحت محطة القطر عشان أستقبلها، حصلتلي صدمة عمري.
في الأول، ما عرفتهاش من شكلها!
دي ما كانتش نفس الست اللي ودعتها من أسبوع. الكارديجان اللي كانت لابساه بقى واسع عليها بشكل ملحوظ، ووشها كان هزيل، وباين عليها إنها تعبانة لدرجة إنها بالعافية قادرة تقف على رجليها.
وكان جنبها شنطة سفر سودا ضخمة.
جريت ناحيتها وأنا بقول بقلق
ماما! مالك؟ إيه اللي حصل لك؟ إنتِ كويسة؟
بصتلي وابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت
أنا كويسة يا حبيبتي، متقلقيش. بس بطني كانت تعبانة شوية طول الرحلة.
لكن شكلها ما كانش يطمن أبدًا.
قلتلها وأنا ببص عليها من فوق لتحت
إنتِ شكلك مرهق جدًا يا ماما. لازم نروح لدكتور يطمن عليكي.
هزت راسها برفض وقالت
أرجوكي يا بنتي، أنا كل اللي عايزاه دلوقتي إني أروح البيت وأنام شوية.
كنت لسه هساعدها تشيل حاجتها، لكن فجأة أخدت بالي من حاجة غريبة.
أمي وهي مسافرة، كانت معاها شنطة سفر صغيرة لونها أزرق، إنما دلوقتي معاها شنطة سودا أكبر منها بكتير، تقريبًا ضعف حجمها!
سألتها باستغراب
طب فين الشنطة الزرقا اللي سافرتي بيها؟
أصابعها شدت على يد الشنطة، وردت بسرعة
اتقطعت في السفر، وصاحبتي ادتني الشنطة دي بدلها.
وبعدين غيرت الموضوع على طول، وقالت
يلا بينا يا حبيبتي، عايزة أروح.
ما حبتش أضغط عليها وقتها، وقلت يمكن فعلًا تكون تعبانة ومحتاجة ترتاح.
لكن أول ما وصلنا البيت، تصرفاتها الغريبة زادت أكتر.
أصرت إنها تاخد الشنطة السودا بنفسها وتحطها في أوضتها، ورفضت إني أساعدها أو حتى أقرب منها.
والأغرب من كده، إنها أول ما دخلت الأوضة، قفلت الباب بالمفتاح!
أمي عمرها ما عملت كده قبل كده.
طول عمرها كانت بتسيب باب أوضتها مفتوح، وعمري ما حسيت إنها محتاجة تخبي عني أي حاجة.
طول المساء، وأنا مش قادرة أبطل تفكير. شكلها المتغير، والشنطة الغريبة، وإصرارها إنها تقفل باب أوضتها... كل ده كان بيخليني أحس إن فيه حاجة مش طبيعية حصلت في السفر.
ولما عرفت إنها نامت وارتاحت شوية، قررت أتصل بصاحبتها. قلت يمكن أقدر أفهم منها إيه اللي حصل لأمي خلال الأسبوع ده.
جبت رقم التليفون اللي أمي كانت مدياني إياه قبل ما تسافر، واتصلت بيه.
رد عليا راجل وقال
ألو، مين معايا؟
قلت بأدب
مساء الخير، لو سمحت ممكن أكلم صاحبة الرقم؟
سكت الراجل لحظات، وبعدها رد باستغراب
أنا آسف، بس هي مش عايشة هنا بقالها ٨ سنين!
حسيت إن قلبي وقف مكانه.
قلتله وأنا مش مصدقة اللي سمعته
إنت متأكد؟ بقالها ٨ سنين؟
رد بثقة
أيوه طبعًا، أنا معايا الرقم ده من زمان.
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب الكلام.
رجعت راجعت الرقم اللي أمي كانت مدياني إياه، مرة واتنين، لكن ما كانش فيه أي غلطة. ده نفس الرقم بالظبط!
ساعتها بدأت أشك في كل حاجة.
هي أمي راحت فين فعلًا خلال الأيام السبعة اللي فاتوا؟ ومين الست اللي سافرت عشان تقابلها؟ وليه ادتني رقم تليفون ملوش علاقة بصاحبتها؟
تاني يوم الصبح، دخلت الصالة فلقيت أمي نايمة على كرسيها المفضل، ولسه لابسة نفس الكارديجان اللي رجعت بيه من السفر.
كان فيه تذكرة قطر على الترابيزة اللي جنبها.
مسكت التذكرة وبصيت على التاريخ، وفجأة لاحظت حاجة غريبة جدًا.
التذكرة كانت بتاريخ أقدم من يوم رجوع أمي بثلاثة أيام كاملة!
يعني إيه؟ هي رجعت قبل الموعد اللي قالتهولي؟ ولو رجعت من تلات أيام، كانت فين طول الفترة دي؟
وتحت التذكرة، لقيت بطاقة صغيرة خاصة بالشنطة السودا.
مسكتها وقرأت الاسم المكتوب عليها.
الاسم ما كانش اسم أمي، ولا حتى اسم صاحبتها اللي قالت إنها راحت تزورها.
كان اسم ست تانية خالص!
بدأ القلق يسيطر عليا، وبصيت ناحية أمي عشان أتأكد إنها لسه نايمة.
ولما اتأكدت إنها مش واخدة بالها، قربت من الشنطة السودا وفتحتها بحذر.
اللي شفته جواها خلاني أقف مكاني من الدهشة.
كان فيها هدوم مترتبة بعناية، وجواب بني لسه متفتحش، وكاميرا ديجيتال قديمة.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت الهدوم نفسها. كانت كبيرة على أمي بوضوح، وكأنها مش بتاعتها أصلًا!
مسكت الكاميرا وضغطت على زر التشغيل، لكن لقيت البطارية قربت تخلص.
كان عليها أربع صور بس.
فتحت الصورة الأولى، فلقيت أمي واقفة قدام بيت مبني بالطوب الأحمر، عمري ما شفته قبل كده.
في الصورة التانية، كانت قاعدة جنب ست عجوزة، شكلها ضعيف وتعبان جدًا.
أما الصورة التالتة، فكان فيها شيء خلاني أحس إن فيه مصيبة مستخبية ورا الرحلة دي كلها.
لكن لما فتحت الصورة الرابعة...
اتجمدت مكاني!
الصورة كانت ليا أنا، وأنا طفلة عندي حوالي خمس سنين، واقفة قدام نفس البيت المبني بالطوب الأحمر، وماسكة في إيدي دبدوب بني قديم.
دبدوب كنت فاكرة إني ضيعته وأنا صغيرة، وفضلت أعيط عليه أيام طويلة، لحد ما أمي قالتلي إنه أكيد وقع مني في الشارع ومش هيرجع تاني.
لكن اللي صدمني مش وجود صورتي بس.
اللي صدمني إن كان واقف جنبي في الصورة بنت صغيرة شبهّي بشكل غريب، بنفس لون عيني، ونفس شكل مناخيري، وحتى نفس العلامة الصغيرة اللي كانت فوق حاجبي الشمال.
وعلى ظهر الصورة، مكتوب بخط إيد أمي
بنتيّ... آخر يوم كانوا فيه مع بعض.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
بنتيّ؟!
أنا طول عمري فاكرة إني بنت أمي الوحيدة.
أبويا مات وأنا عندي عشر سنين، وأمي عمرها ما قالتلي إن كان ليا أخت، ولا حتى لمّحت لوجود طفلة تانية في حياتها.
وفجأة افتكرت حاجة غريبة حصلتلي وأنا صغيرة.
كنت تقريبًا عندي خمس سنين، وصحيت في نص الليل على صوت أمي وهي بتعيط في المطبخ. سمعتها بتقول لجدتي
أنا مش هقدر أرجعها تاني... لو رجعتها، هخسر الاتنين.
ساعتها جدتي سكتتها أول ما حسوا إني صحيت، ولما سألت أمي كانت بتعيط ليه، قالتلي إنها تعبانة.
ومن يومها، الذكرى دي اختفت وسط سنين طويلة من حياتي.
لكن دلوقتي رجعت بكل تفاصيلها.
قفلت الشنطة بسرعة لما سمعت صوت حركة جاي من أوضة أمي، وخبيت الكاميرا والصورة في إيدي.
خرجت أمي من الأوضة، وأول ما شافتني، بصت للكاميرا اللي في إيدي.
وشها اتغير تمامًا.
قالت بصوت مرتعش
إنتِ فتحتي الشنطة؟
ما رديتش.
قربت مني خطوة، وعينيها اتمَلَت بالدموع.
يا

تم نسخ الرابط