اخو طليقي
مفيهوش ارتباك قد ما فيه إحساس بالذنب.
قال
مريم، أنا سلّمت الشرطة نسخة التسجيلات، بس فيه حاجة لازم أحكيلك عنها قبل ما تسمعيها بنفسك.
سألته
إيه هي؟
أخذ نفسًا طويلًا، وبعدها قال
قبل الواقعة بحوالي أسبوعين، سمعت أحمد وشريف بيتكلموا عن إن ليلى لازم تتعود تقضي وقت أطول عند أبوها، وإنك لازم تبطلي تدخلي في تفاصيل تربيتها.
قلت له
وده إيه علاقته باللي حصل؟
رد بسرعة
استني، أنا لسه مخلصتش. شريف كان بيقول إن بكاء ليلى كل ما تيجي سيرة مامتُها معناه إنها متعلقة بيكي زيادة، وإنه لازم يكسر العادة دي بالقوة. أحمد ما وافقش صراحة على ضربها، لكنه قال إنك بتكبري الموضوع كل مرة، وإنه مش عايز خلافات جديدة بينكم.
سكتُّ للحظات.
ما كانش مجرد موقف لحظي فقد فيه شريف أعصابه، زي ما حاولوا يصوروا.
كان فيه تفكير مسبق في معاقبة طفلة لمجرد إنها بتشتاق لأمها.
سألته
والكلام ده موجود في التسجيلات؟
قال
مش كله. جزء منه اتقال في المطبخ، والكاميرا هناك ما فيهاش صوت. لكن فيه تسجيل من الصالة لشريف وهو بيقول لليلى إنها لازم تتعلم ما تطلبش ماما كل شوية. وبعدها حصل اللي حصل.
أغمضت عيني للحظة.
كنت أتمنى أكون فهمت غلط، وإن اللي حصل لبنتي كان حادثًا عابرًا، لكن كل معلومة جديدة كانت بتأكد إن مخاوفي السابقة ما كانتش من فراغ.
قلت لكريم
احكي للشرطة كل اللي تعرفه، حتى لو الكلام هيضر أخوك. ما تحاولش تحمي حد على حساب الحقيقة تاني.
رد بصوت منخفض
هعمل كده.
بعد يومين، طلبت الشرطة مراجعة تسجيلات إضافية من كاميرات الفيلا، بعد ما ظهر اختلاف واضح بين رواية أحمد ورواية شريف.
شريف كان بيقول إنه ما لمسش ليلى، وإنها وقعت لوحدها.
أما أحمد، فكان بيقول إنه ما شافش لحظة إصابتها، وإنه ما عرفش خطورة حالتها إلا لما وصلتِ للمكان.
لكن التسجيلات كشفت إن أحمد كان موجودًا في الصالة وقت الاعتداء، وإنه اقترب من ليلى بعد سقوطها، ثم ابتعد من غير ما يطلب مساعدة طبية.
والأخطر، إن كاميرا المدخل سجلت لحظة وصولي، وبعدها سجلت تجمع أفراد العيلة حول عربيتي، ووقوفهم في الطريق ومنعي من التحرك.
لما واجه المحقق أحمد بالتسجيلات، بدأ يغير كلامه.
قال إنه كان مصدومًا، وإنه تصرف بطريقة خاطئة لأنه ما عرفش يتعامل مع الموقف.
لكن التسجيلات ما كانتش بتثبت إنه كان مصدومًا وبس؛ كانت بتوثق أقوالًا وتصرفات لازم تتفحص في سياق التحقيق كله.
أما شريف، ففضل متمسكًا بإنه ما كانش يقصد يكسر فك الطفلة، وإنه كان بيحاول يخليها تبطل عياط.
لكن المحقق سأله سؤالًا واحدًا
حتى لو ما كنتش تقصد الكسر، هل كان من حقك تضرب طفلة بالشكل ده؟
ما لاقاش إجابة.
بعد أسبوع، طلب أحمد يشوف ليلى.
رفضت إن المقابلة تحصل بشكل مفاجئ، وقلت إن أي تواصل لازم يتنظم بطريقة تحافظ على سلامتها، وتراعي حالتها النفسية، وتكون متوافقة مع القرارات الرسمية الخاصة بالرعاية والتواصل.
لكنه بعت لي رسالة طويلة
أنا عارف إني غلطت، بس ليلى بنتي زي ما هي بنتك. ما تحرمينيش منها.
قريت الرسالة أكتر من مرة.
وبعدين كتبت له
أنا مش بحرمك من بنتك. أنا بحميها من تكرار اللي حصل. لو عايز تصلح علاقتك بيها، ابدأ بتحمل مسؤوليتك عن اللي عملته، وما تضغطش عليها عشان تسامحك، ولا تطلب منها تنسى اللي حصل لمجرد إنك أبوها.
ما ردش.
لكن بعد يومين، وصلني خبر إنه طلب من محاميه يعرف الإجراءات المتاحة لتنظيم التواصل مع ليلى، وإنه بدأ يتعاون مع التحقيق بدل ما ينكر كل شيء.
ما اعتبرتش ده انتصارًا، ولا دليلًا كافيًا على إنه اتغير.
كان مجرد أول خطوة، ولسه قدامه طريق طويل عشان يثبت إنه يقدر يكون مصدر أمان لبنته.
أما المفاجأة اللي قلبت القضية، فجت من شخص محدش كان متوقع إنه يتكلم.
نادية، أم أحمد وشريف، طلبت الإدلاء بأقوال إضافية.
في البداية، افتكرت إنها هتحاول تبرر تصرفات أولادها، أو تقول إن ليلى كانت بتعيط وإن شريف فقد أعصابه.
لكنها قالت كلامًا مختلفًا.
اعترفت إنها سمعت شريف قبل الواقعة وهو بيهدد ليلى إنه هيعاقبها لو فضلت تطلب تشوفني، وإنها بدل ما توقفه، قالت له إن البنت محتاجة تتعلم تسمع الكلام.
وبعد الاعتداء، شاركت في الضغط على الموجودين عشان يتفقوا على رواية واحدة.
لكن لما شافت التسجيلات، فهمت إن محاولات إخفاء الحقيقة هتزيد موقفهم سوءًا.
لم يكن اعترافها كافيًا وحده لتحديد مسؤولية أي شخص، لكنه أضاف تفاصيل مهمة للتحقيق، واتقارن بأقوال الشهود وباقي الأدلة.
ولما عرفت إنها اعترفت، حسيت بمشاعر متضاربة.
جزء مني كان غاضبًا منها؛ لأنها كانت تقدر تحمي حفيدتها قبل ما تتصاب.
وجزء تاني كان بيتساءل ليه ما قالتش الحقيقة من أول يوم؟
لكن السؤال الأهم بالنسبة لي ما كانش ليه اعترفت دلوقتي.
كان إزاي أضمن إن بنتي ما تتعرضش للأذى مرة تانية.
مرت أسابيع، وليلى بدأت تتحسن تدريجيًا.
في البداية، كانت بتصحى من النوم مفزوعة، وكل ما تسمع صوتًا عاليًا، تتمسك بإيدي.
بدأت أساعدها ترجع لروتينها الطبيعي بالتدريج، وطلبت مساعدة مختص نفسي للأطفال عشان تتعامل مع الخوف اللي مرت بيه، من غير ما أحسسها إنها ضعيفة أو مختلفة عن باقي الأطفال.
وفي يوم، وهي قاعدة بترسم، رسمت نفسها واقفة بين بيتين.
بيت صغير باللون الوردي، وبيت كبير باللون الرمادي.
سألتها
إيه البيتين دول يا ليلى؟
قالت
ده بيتك يا ماما، وده بيت بابا.
وبعدين سكتت شوية، وأضافت
أنا كنت بحب أروح بيت بابا، بس بقيت بخاف لما أفتكر اللي حصل.
حضنتها وقلت
مش لازم تاخدي أي قرار دلوقتي يا حبيبتي. أهم حاجة إنك تبقي آمنة، وإن الكبار يحترموا مشاعرك.
بصتلي وسألت
طب لو بابا بقى كويس، ممكن أحبه تاني؟
ما حاولتش أوجه مشاعرها، ولا أقول لها تحب أو تكره.
قلت لها
مشاعرك ملكك يا ليلى. ممكن تحبي بابا وتكوني زعلانة منه في نفس الوقت، وممكن تحتاجي وقت عشان تحسي بالأمان معاه. مفيش حد له الحق يجبرك تحسي بحاجة معينة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ورجعت تكمل رسمتها.
في اللحظة دي، عرفت إن جزءًا من تعافيها بدأ فعلًا.
بعد شهور من التحقيقات، انتهت الإجراءات إلى إحالة الوقائع التي توافرت بشأنها أدلة إلى المسار القانوني المختص، وصدر قرار قضائي في قضية الاعتداء، بعد فحص الأدلة وسماع الشهود.
شريف تحمّل المسؤولية القانونية عن الاعتداء الذي أثبتته التحقيقات، وأحمد واجه المساءلة عن دوره في الواقعة ومحاولة إخفاء حقيقتها، وفقًا لما انتهت إليه الإجراءات.
أما باقي أفراد العيلة، فتم تقييم أفعال كل واحد منهم على حدة، ولم يُعاملوا جميعًا باعتبارهم مسؤولين عن الفعل نفسه لمجرد وجودهم في المكان.
لم أحتفل بما حدث لهم.
كنت عايزة العدالة تتحقق، لكن ما كانش عندي أي رغبة في تحويل القضية إلى وسيلة للانتقام.
اللي يهمني كان إن ليلى ترجع تنام من غير خوف، وتضحك من غير ما تعتذر، وتعيش طفولتها من غير ما تحس إن مشاعرها جريمة.
أما علاقتها بأحمد، فبقت مرتبطة بمدى أمان التواصل معها، وبما تقرره الجهات المختصة، وبالخطوات الحقيقية اللي ممكن يعملها عشان يتحمل مسؤولية أخطائه.
بعد ستة شهور، كنت قاعدة مع ليلى في البلكونة، وهي بتلوّن رسمة جديدة.
كانت بترسم شمسًا كبيرة، وبيتًا له باب مفتوح، وطفلة واقفة جنب أمها.
سألتها
مين الطفلة دي؟
قالت وهي
بتضحك
أنا طبعًا، ودي ماما. والباب مفتوح عشان أي حد يخاف يقدر يدخل يستخبى عندنا.
ضحكت، وحضنتها.
وبعدها رفعت عينيها ليا وقالت
ماما، أنا لو عيطت تاني، هتزعلي مني؟
مسكت وشها برفق، وقلت
يا حبيبتي، إنتِ ممكن تعيطي وتزعلي وتخافي، وأنا هفضل أحبك. مش مطلوب منك تكوني قوية طول الوقت، ولا تخبي وجعك عشان ترضي حد.
حضنتني بقوة، وبعدها رجعت تكمل تلوين الشمس.
وقتها افتكرت اليوم اللي حاصرني فيه أحد عشر شخصًا، وهم فاكرين إنهم يقدروا يمنعوني من إنقاذ بنتي.
افتكرت شريف وهو بيضحك، وأحمد وهو بيطلب مني أستنى، ونادية وهي بتحاول تقنعني إن الموضوع مجرد خبطة وعدّت.
وافتكرت الكارنيه اللي رفعته قدامهم، واللحظة اللي اختفت فيها ابتسامة شريف.
لكنني أدركت إن الكارنيه ما كانش هو اللي غيّر كل شيء.
اللي غيّر كل شيء كان إن التسجيلات وثقت الحقيقة، وإن كريم قرر يتكلم بدل ما يسكت، وإنني رفضت أسمح للخوف من العيلة أو كلام الناس إنه يمنعني من حماية بنتي.
وفي النهاية، أكبر عقاب لشريف ما كانش إنه شاف كارنيه شغلي، ولا إن أحمد اضطر يواجه الحقيقة قدام الناس. أكبر خسارة ليهم كانت إنهم اكتشفوا إن الطفلة اللي حاولوا يعلموها تسكت، بقت عندها أم مش هتسمح لحد يسرق منها صوتها تاني.
أما ليلى، فكبرت وهي عارفة إن دموعها مش ضعف، وإن حبها لأمها مش ذنب، وإن العيلة الحقيقية مش هي اللي تجبرك تتحمل الأذى عشان تحافظ على اسمها؛ العيلة الحقيقية هي اللي تحميك لما تكون أضعف شخص في المكان.
وانتهت الحكاية يوم رجعت ليلى تضحك من قلبها، مش يوم صدر الحكم. لأن الحكم أنهى القضية، لكن ضحكة بنتي كانت العلامة اللي استنيتها عشان أعرف إننا بدأنا نرجع للحياة من جديد.
النهاية.