حفيدتي عندها 7 سنين
المحتويات
مشروعات بملايين الجنيهات.
حسّيت إن الدنيا بتلف بيا.
أنا طول عمري بشتري الدوا بالحساب، وبأجل تصليح السقف، وبحاول أوفّر مصاريف المدرسة لليلى.
وفي نفس الوقت، كان فيه ناس بتتنازع على أملاك ممكن تغيّر حياتنا بالكامل.
لكن ما كانش ده أكتر شيء وجعني.
اللي وجعني إن أخويا عاش ومات وهو شايل الخوف لوحده، وأنا ما عرفتش.
سألت داليا
طب ليه الخاتم كان معاكِ في السوبر ماركت؟
ردّت
كنت رايحة أقابل شخص كان المفروض يسلّمني مستندات إضافية. لكني اكتشفت إنه خدعني، ولما حسّيت إن فيه حد بيراقبني، خرجت بسرعة. الخاتم وقع مني من غير ما آخد بالي. ولما اكتشفت إنه ضاع، عرفت إن كل حاجة ممكن تضيع معاه.
كريم هزّ راسه.
مش بالضبط. لأن الخاتم مش مفتاح خزنة، زي ما الناس فاكرة. هو علامة بتأكد إن الشخص اللي وصل له رجّعه بأمانة، من غير ما يحاول يبيعه أو يخفيه.
بصّيت له باستغراب.
يعني إيه؟
فتح الملف، وورّانا ورقة فيها شروط مكتوبة بخط أخويا.
محمود كان عامل ترتيب قانوني واضح المستندات الأصلية تتحفظ عند جهة قانونية مستقلة، وما يتكشفش عنها إلا لما يتم التحقق من هوية المستحقين، وتُستكمل الإجراءات الرسمية.
والشرط الإنساني اللي أصر عليه كان أبسط من كل ده الشخص اللي هيوصل له الخاتم بأمانة، لازم يكون شاهدًا على تسليم الرسالة الأخيرة لأخته.
ليلى ما كانتش مفتاح سحري، ولا رجوع الخاتم كان هيخلق حق قانوني من العدم. لكنه كان السبب اللي جمعنا، وخلّى داليا والمحامي يلاقونا أخيرًا.
لكن فيه مشكلة.
داليا فتحت شنطتها، وطلعت صورة صغيرة لورقة ممزقة.
دي آخر ورقة لقيتها في مكتب بابا. عليها عنوان مكان، وتحت العنوان مكتوب بخط أخو حضرتك الحقيقة في المكان اللي بدأت منه الحكاية.
أول ما شفت الخط، عرفته.
ده خط محمود.
وفجأة افتكرت حاجة.
محطة القطر القديمة.
المكان اللي شوفته فيه آخر مرة.
والمخزن الصغير اللي كان بيستخدمه أبونا زمان لحفظ دفاتر تجارته، قبل ما يتنقل لمكان تاني.
قلت بسرعة
أنا عارفة المكان ده.
كريم قام من مكانه.
إحنا مش هنروح أي مكان قبل ما ننسّق مع الشرطة. لو فيه حد بيتعقبنا، ممكن يكون مستني إننا نتحرك.
كان كلامه منطقي، لكن الوقت ما كانش في صالحنا.
داليا وصلها اتصال، ووشها اتغيّر.
عمي شريف عرف إنكم مع بعض. بعت رسالة بيقول فيها إنه عايز يقابلني، وإنه معاه حاجة تخص بابا.
كريم بصّ لها بحدة.
ممنوع تقابليه لوحدك.
لكن داليا كانت باصة لي أنا.
هو مش عايز يقابلني بس. هو عايز أمينة كمان.
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع خرج من حدود الميراث، وبقى مواجهة مباشرة.
واللي ما كنتش أعرفه إن شريف كان مخطط لكل خطوة من قبل ما ليلى تلاقي الخاتم.
الجزء الخامس فخ في الفيلا واعتراف قلب الموازين
بعد تنسيق طويل مع الشرطة، اتفقنا على خطة.
داليا هتوافق على مقابلة عمها في فيلته في التجمع الخامس، لكن مش هتروح لوحدها. الشرطة هتراقب المكان، والمحامي هيكون معانا، وأي محاولة ضغط أو تهديد هتتسجل.
أنا ما كنتش عايزة أروح.
كنت ست عندي سبعين سنة، ومش ناقصاني مغامرات ولا مواجهات مع رجال أعمال.
لكن لما بصّيت لليلى، وهي قاعدة ترسم في كشكولها كأن الدنيا عادية، افتكرت إنها خسرت أبوها وأمها وهي عندها أربع سنين، وإن أقل حاجة أقدر أعملها إني أضمن إنها تعيش بأمان، من غير ما حد يطمع في حقها أو يخوفها.
قلت لكريم
أنا جاية. بس مش عشان الفلوس. أنا جاية عشان أعرف أخويا عاش إزاي، وليه اضطر يستخبى طول عمره.
في المساء، وصلنا الفيلا.
كانت واسعة بشكل مبالغ فيه، وبوابتها حديد ضخمة، وحراس واقفين على الجانبين.
استقبلنا شريف الشناوي بنفسه.
راجل في أواخر الستينات، لابس بدلة غالية، وبيتكلم بهدوء شديد، لكن عينيه كانت بتتحرك طول الوقت، كأنه بيحسب كل كلمة وكل حركة.
أول ما شافني، ابتسم.
أهلًا يا مدام أمينة. سمعت عنك كتير.
قلت له من غير ما أمد إيدي
غريبة. وأنا ما سمعتش عنك غير من كام ساعة.
ابتسامته اختفت للحظة، وبعدها رجعت.
الحياة ساعات بتجمع ناس بعد فوات الأوان.
ردّيت
وساعات بتكشف ناس بعد فوات الأوان برضه.
وشه اتشد، لكنه أشار لنا ندخل.
في الصالون، حط قدامنا ملف كبير، وقال
أنا عايز أنهي الموضوع بهدوء. فؤاد كان أخويا، ومش عايز بعد موته تحصل فضايح. فيه مستندات قديمة ممكن تتفهم غلط، وأنا مستعد أقدّم تعويض محترم لأمينة، مقابل إن الملف يتقفل.
بصّيت للملف، ثم له.
تعويض عن إيه؟
عن سنين التعب، وعن اللي فات.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
إنت فاكر إن تلاتين سنة من الوجع يتعوضوا بشيك؟
ردّ ببرود
كل شيء له ثمن.
قلت له
يمكن حاجات كتير. لكن مش كل الناس.
هنا داليا فتحت شنطتها وطلعت صورة الوصية.
شريف مدّ إيده ياخدها، لكنها سحبتها بسرعة.
قبل ما أمضي أي حاجة، عايزة أعرف إنت عملت إيه مع بابا في آخر أيامه.
لأول مرة، شريف فقد هدوءه.
أبوكي كان مريض، ومش فاهم هو بيعمل إيه! أنا اللي حافظت على الشركات دي، وأنا اللي منعتها تقع.
كريم قال
حفظ الشركات مش معناه الاستيلاء على حقوق الناس.
شريف خبط بإيده على الترابيزة.
إنت محامي، وبتاخد أتعابك عشان تدافع عن أي حد يدفع لك! ما تدخلش نفسك في حاجة أكبر منك.
وبعدين بصّ لي وقال
أما إنتِ يا أمينة، فأنا أنصحك تفكري في حفيدتك. البنت دي مستقبلها محتاج فلوس، وتعليم، وبيت محترم. وأنا ممكن أضمن لها كل ده.
الكلمات كانت محسوبة بعناية.
كان عارف إن الفقر هو أكتر نقطة ممكن يضغط بيها عليّا.
لكن اللي ما كانش يعرفه إن ليلى، رغم صغر سنها، كانت علمتني إن الأمانة مش رفاهية الأغنياء، وإن الكرامة مش حاجة نبيعها وقت الضيق.
قلت له
ليلى محتاجة حد يربيها على إنها ما تاخدش حق غيرها، مش حد يعلّمها تبيع حقها عشان تعيش.
شريف قام من مكانه، ولفّ حوالين الترابيزة.
واضح إنك مش فاهمة حجم الموضوع. أنا أقدر أخلي حياتكم صعبة جدًا.
قبل ما يكمل، الباب اتفتح، ودخل راجل كان واقف معانا في الممر.
بصّ لشريف وقال
الشرطة وصلت يا فندم.
شريف اتجمّد.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
لكن المفاجأة الأكبر ما كانتش وصول الشرطة.
كانت إن الراجل اللي دخل كان هو نفس الشخص اللي اتهمه شريف قبل كده إنه سرق المستندات.
الراجل اسمه سامح، وكان مدير الحسابات السابق في شركات العيلة.
قال بصوت واضح
أنا مستعد أشهد بكل حاجة. ومعايا النسخ اللي تثبت إن شريف استخدم شركات وهمية لتحويل أموال، وإنه حاول يغيّر سجلات الملكية قبل وفاة فؤاد.
شريف صرخ فيه
إنت كداب!
سامح ما اتراجعش.
أنا سكت سنين خوفًا على عيالي. لكن لما عرفت إنك بتراقب بيت ست كبيرة وحفيدة صغيرة عشان خاتم، فهمت إنك مش هتقف عند حد.
في اللحظة دي، دخلت الشرطة وقدّمت لشريف أمرًا قانونيًا بالتوجه للتحقيق، بعد جمع أدلة مستقلة عن التهديدات ومحاولات العبث بالمستندات.
وهو خارج، وقف قدامي وبصّ لي نظرة مليانة غضب.
إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟
قلت له بهدوء
أنا ما دخلتش سباق معاك. أنا بس رفضت أبيع ضميري.
خرج وهو بيصرخ في محاميه، لكني ما حسّيتش بالانتصار اللي كنت متخيلاه.
حسّيت بالحزن.
لأن كل اللي حصل ده كان ممكن ما يحصلش لو الناس اختارت الصراحة من البداية.
لكن القضية لسه ما انتهتش.
الملفات اللي مع سامح كانت مهمة، لكنها ما كانتش كفاية لوحدها لاستعادة كل الحقوق.
وكان لسه فيه سر أخير عند أخويا، سرّ هيحدد مصيرنا كلنا.
الجزء السادس الصندوق اللي استنى تلاتين سنة
بعد التحقيقات الأولية، رجعنا مع كريم لداره القديمة، في منطقة قريبة من وسط البلد، حيث كان محمود بيحتفظ ببعض أوراقه قبل ما يسافر.
المكان كان مقفول من سنين، والشرطة كانت مأمّنة الدخول.
دخلت وأنا حاسة إني راجعة لجزء من حياتي كنت فاكرة إنه اتدفن.
التراب كان مغطي الأثاث، والحيطان محتفظة بصور قديمة، وفي آخر الممر كانت فيه أوضة صغيرة كان أبويا بيحفظ فيها دفاتر التجارة.
وقفت قدام الباب.
افتكرت آخر مرة دخلت الأوضة دي مع محمود، قبل اختفائه بأيام.
كان بيقول لي وقتها
يا أمينة، لو الدنيا ضاقت بيكي، افتكري إن الحقيقة عمرها ما بتضيع، حتى لو اتأخرت.
دخلت الأوضة، وبصّيت حواليا.
كريم بدأ يفحص الأدراج، وداليا كانت بتراجع الأوراق القديمة.
أما أنا، ففضلت واقفة قدام مكتب خشب قديم، عليه خدش صغير على شكل هلال.
وفجأة افتكرت.
محمود كان بيخبّي رسائلنا القديمة جوه درج سري في المكتب ده، وكان دايمًا يقول لي إن مفيش حاجة بتستخبى أحسن من الحاجة اللي الناس متعودة تبص عليها كل يوم.
لمست الخدش، وضغطت على طرف الدرج.
سمعت صوت طقة صغيرة.
الدرج اتحرك.
جواه كان فيه صندوق خشب صغير، مربوط بشريط قماش قديم.
إيدي اترعشت وأنا بفتحه.
لقيت صور ليا ولأخويا وإحنا أطفال، وخطابات بخطه، وميدالية قديمة كانت لأمي.
لكن تحت كل ده، كان فيه ظرف مكتوب عليه
إلى أمينة لو وصلتِ لهنا، يبقى لسه فيه أمل.
فتحته ببطء.
الخطاب كان طويل، وفيه اعتذار وحكايات عن السنين اللي فاتت، لكن في آخره كانت فيه جملة مختلفة
أهم حاجة هتلاقيها هنا مش فلوس، ولا أملاك. هتلاقي اسم الشخص اللي ساعدني أختفي، واسم الشخص اللي خانني.
رفعت عيني لكريم.
يعني إيه؟
قال
لازم نقرأ باقي الخطاب.
كملت القراءة.
محمود كتب إنه يوم ما اكتشف التلاعب في الحسابات،
متابعة القراءة