حفيدتي عندها 7 سنين
حفيدتي عندها 7 سنين لقت خاتم ألماس في السوبر ماركت ورجّعته لصاحبته وتاني يوم الصبح، راجل غريب خبط على باب بيتنا وقال لي لازم تشوفي حاجة حالًا الموضوع مستحيل يستنى!
أنا عندي 70 سنة، وبربي حفيدتي الصغيرة ليلى لوحدي من يوم ما أبوها وأمها ماتوا في حادثة عربية من 3 سنين.
عايشين في البيت القديم اللي عشت فيه أنا وجوزي معظم سنين جوازنا، قبل ما ربنا يفتكره.
حياتنا على قدّنا أوي. في شهور كتير، بلاقي نفسي مضطرة أختار بين إني أجيب دوايا من الصيدلية، وبين إني أشتري لليلى جزمة جديدة بدل اللي اتقطعت من كتر المشي.
لكن البنت الصغيرة دي عمرها ما اشتكت، ولا مرة قالت لي إنها نفسها في حاجة ومش لاقياها.
ليلى هي النور اللي منوّر حياتي، والسبب اللي بيخليني أقوم من سريري كل يوم، حتى في أصعب الأيام.
الجمعة اللي فاتت، نزلنا نشتري شوية حاجات من السوبر ماركت الكبير اللي في منطقتنا. كنا محتاجين لبن وعيش، وكنت بحسب الأسعار وبشوف إيه الأرخص عشان الفلوس تكفّي لآخر الشهر.
فجأة، ليلى شدتني من كمّ الجلابية وقالت بحماس
تيتا، بصّي! ده أكيد كنز!
بصّيت في إيدها، واتسمرت مكاني.
كانت ماسكة خاتم دهب، وفيه فص ألماس كبير، عمر عيني ما شافت زيه قبل كده. واضح إنه غالي جدًا، وهي لاقياه مستخبي ورا علبة حلويات على الرف.
قلبي بدأ يدق بسرعة، وإيدي اترعشت من غير ما أحس.
الخاتم ده لو اتباع، ممكن يغطّي مصاريفنا سنة كاملة! ويمكن كمان نصلّح السقف اللي كل ما الدنيا تمطر، الميّه تنزل علينا من كذا حتة.
وللحظة واحدة لحظة صغيرة، بس عمري ما هنسى إني فكرت فيها تخيلت إننا نحتفظ بالخاتم.
ما حدش شافه غيرنا، ومحدش هيعرف إنه كان معانا أصلًا.
لكن قبل ما ألحق أقول أي كلمة، ليلى رفعت عينيها البراءة ناحيتي وسألتني
تفتكري يا تيتا، فيه حد دلوقتي بيعيط عشان الخاتم بتاعه ضاع؟
السؤال ده نزل على قلبي زي الحجر.
بصّيت في وشها، وحسّيت إني اتكسفت من نفسي. إزاي أفكر أعلّم حفيدتي إننا ناخد حاجة مش بتاعتنا، حتى لو إحنا محتاجينها أكتر من صاحبها؟
بلعت ريقي، ومسحت على شعرها وقلت لها
تعالي يا حبيبتي، نشوف الخاتم ده بتاع مين. يمكن نقدر نفرّح حد زعلان.
ابتسمت ليلى، ومسكت إيدي، واتجهنا ناحية خدمة العملاء عشان نسلّم الخاتم.
لكن قبل ما نوصل، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها أبدًا.
باب السوبر ماركت اتفتح بعنف، ودخلت منه ست شكلها في أوائل الأربعينات. كانت بتجري، وشعرها منكوش، والماسكارا سايحة على خدودها من كتر العياط، وحتى جزمة من رجليها كانت مش مربوطة كويس.
قربت من الكاشير وهي بتنهج، وصوتها بيترعش من الخوف
أرجوكم، والنبي! حد لقى خاتم ألماس هنا؟ أنا كنت واقفة هنا من حوالي عشرين دقيقة، والخاتم اختفى!
كانت بتتكلم وهي بتلف بعينيها في كل اتجاه، كأن حياتها كلها متعلقة بالخاتم ده.
ليلى ما استنتش حتى إني أقول لها حاجة.
جريت ناحيتها ورفعت إيدها الصغيرة قدامها وقالت
يا طنط! هو ده؟ لقيته وكنت رايحة أسلّمه!
الست بصّت للخاتم، وفجأة وشّها اتغيّر تمامًا.
مسكت طرف الكاونتر عشان ما تقعش، وفتحت بقها من الصدمة.
يا نهار أبيض! الحمد لله!
وبعدها، ومن غير أي مقدمات، وقعت على ركبتها وفضلت تعيط بحرقة، وهي ضامة الخاتم لصدرها كأنه أغلى حاجة في الدنيا.
كانت بتترعش لدرجة إني خفت عليها، فقربت منها وساعدتها تقوم.
فضلت تمسك إيد ليلى وتبوسها، وهي بتقول بصوت متقطع
شكرًا شكرًا من قلبي! إنتوا مش متخيلين إنتوا أنقذتوني من إيه! والله أنتم أنقذتوا حياتي!
الكلام ده خلاني أستغرب أكتر.
خاتم غالي، آه، لكن ليه بتتكلم كأنها كانت هتموت لو ما رجعش لها؟
بصّيت لها وقلت برفق
هو ده خاتم جوازك يا بنتي؟
هزّت راسها بسرعة، والدموع لسه بتنزل من عينيها.
لأ الموضوع أعقد من كده بكتير. أنا لو حكيت لكم اللي حصل، مش هتصدقوا.
كنت لسه هسألها تقصد إيه، لكن موبايلها رن فجأة.
أول ما بصّت على الشاشة، وشّها شحب، وكأن الدم انسحب من عروقها في لحظة.
إيديها بدأت تترعش تاني، وفضلت باصة للموبايل ثواني من غير ما ترد.
وبعدين ردّت بصوت واطي ما قدرتش أسمع منه غير كلمتين، قبل ما تقفل بسرعة وتبص حوالين نفسها بخوف.
لازم أمشي حالًا.
جريت ناحية الباب، وقبل ما تخرج، لفتت وشها وبصّت لليلى نظرة غريبة، نظرة فيها امتنان ووجع وخوف في نفس الوقت.
وبعدين اختفت وسط الزحمة.
فضلت واقفة مكاني وأنا مش فاهمة إيه اللي حصل، ولا ليه خاتم واحد ممكن يعمل في ست كل ده.
رجعنا البيت ومعانا اللبن والعيش، وحاولت أنسى الموضوع. قلت لنفسي إن الست أكيد عندها ظروف خاصة، وإننا عملنا اللي علينا وخلاص.
لكن يا ريتني كنت عرفت من ساعتها إن اللي حصل في السوبر ماركت ما كانش نهاية الحكاية
ده كان مجرد أول خيط في سرّ كبير، سرّ هيوصل لحد باب بيتنا ويقلب حياتنا رأسًا على عقب.
الساعة كانت 715 الصبح تاني يوم.
كنت لسه بحضّر الفطار لليلى، لما صوت خبط عنيف على الباب خلاني أنتفض من مكاني.
الخبط كان متواصل وقوي، كأن اللي برّه مستعجل، ومش هيقبل إنه يمشي من غير ما يكلّمنا.
مسحت إيدي في فوطة المطبخ، وروحت ناحية الباب بحذر.
بصّيت من فتحة الستارة، فاتجمّدت مكاني.
كانت فيه عربية SUV سودا فخمة واقفة قدام البيت، من النوع اللي عمري ما شفت زيه في شارعنا البسيط.
وقدام الباب كان واقف راجل طويل، لابس بدلة سودا شيك، وماسك ظرف كبير بإيده.
قلبي بدأ يدق أسرع.
مين الراجل ده؟ وإيه اللي جابه عندنا في الوقت ده؟
قربت من الباب من غير ما أفتحه، وقلت بصوت حاولت أخليه ثابت
أيوه؟ مين حضرتك؟ وعايز إيه؟
الراجل ردّ بصوت هادي، لكنه كان جاد بشكل خلاني أقلق أكتر
حضرتك والدة البنت الصغيرة اللي لقت خاتم ألماس في السوبر ماركت امبارح؟
حسّيت بقبضة باردة بتعصر قلبي.
إزاي عرف عنواننا؟ وليه بيدوّر علينا؟
شدّيت على مقبض الباب وقلت
أيوه، حفيدتي هي اللي لقيته. بس حضرتك مين؟ وإيه المطلوب؟
الراجل ما ردّش على طول.
لفّ وبصّ ناحية العربية السودا، كأنه بيتأكد إن محدش بيراقبه، وبعدها رجع بصّ لي وخفّض صوته.
وقال الجملة اللي خلت رجليّ ما بقتش شيلاني
يا مدام، لازم تشوفي حاجة فورًا إحنا بندوّر عليكي من سنين طويلة!
الخاتم اللي رجّع حفيدتي لينا سرّ مدفون من 30 سنة!
الجزء التاني الراجل اللي ظهر قدام باب بيتنا
فضلت واقفة ورا الباب، مش قادرة أستوعب كلام الراجل.
بتدوروا عليّا من سنين؟! إنتوا مين؟ وعايزين مني إيه؟
الراجل بصّ لي باحترام، وبعدها طلّع كارنيه من جيبه وقرّبه من فتحة الباب.
اسمي كريم المنشاوي، وأنا المحامي الشخصي لرجل الأعمال الراحل فؤاد الشناوي. حضرتك اسمك أمينة عبدالسلام، صح؟
أول ما سمعت اسم الشناوي، حسّيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
فؤاد الشناوي!
الاسم ده ما كانش غريب عليّا. ده كان واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، اسمه بيتكرر في الأخبار، وشركاته في كل حتة، لكن عمره ما كان ليه أي علاقة بيا على الأقل ده اللي كنت فاكراه.
قلت له وأنا بحاول أسيطر على ارتباكي
أيوه، أنا أمينة. بس إيه علاقة الراجل ده بيا؟
كريم بصّ ناحية العربية، وبعدين قال
الموضوع أكبر من إني أشرحهولك هنا. لو سمحتي، افتحي الباب. أنا مش جاي أهددك، أنا جاي أسلّمك حاجة، ولو ما شوفتيهاش النهارده، ممكن تضيع فرصة مستنيينها من أكتر من تلاتين سنة.
كنت ست كبيرة، عشت وشفت كتير، واتعلمت إن محدش بيدخل حياتك فجأة ومعاه عربية فخمة وظرف كبير من غير سبب.
قلت له بحزم
حط الظرف تحت الباب وامشي. أنا مش هفتح لحد غريب، ومش هسيب حفيدتي تقابل أي حد قبل ما أفهم الحكاية.
لأول مرة، الراجل ابتسم ابتسامة صغيرة، كأنه كان متوقع ردّي.
عندك حق. وعشان كده، هقولك اسم مستحيل تكوني نسيتيه.
قرب خطوة من الباب وقال
محمود عبدالسلام أخوكي اللي اختفى من تلاتين سنة.
إيدي سابت مقبض الباب.
محمود!
أخويا الوحيد اللي اختفى فجأة، وساب وراه أسئلة ما لقيتلهاش إجابة، واتهامات من العيلة، وسنين طويلة من الندم.
آخر مرة شوفته فيها، كنا واقفين في محطة القطر، وهو عنده سبعة وعشرين سنة. كان زعلان من أبويا، ورافض يوقّع على ورق متعلق بميراث العيلة. ساعتها قال لي
يا أمينة، لو حصل لي حاجة، أوعي تصدقي أول رواية تسمعيها. الحقيقة ساعات بتستخبى في أكتر مكان مستحيل تتخيليه.
وبعدها سافر، واختفى.
أبويا قال إنه هرب، وقطع علاقته بينا. وبعد شهور، وصلنا خبر إنه مات في حادثة سفر، لكن ما شوفناش جثمانه، ولا حتى استلمنا شهادة وفاة واضحة.
فضلت سنين ألوم نفسي إني ما دورتش عليه أكتر.
ودلوقتي، بعد تلاتين سنة، راجل غريب واقف قدام بيتي بيقول لي إننا بندوّر على بعض!
فتحت الباب أخيرًا، لكن ما سمحتلوش يدخل غير لما طلبت منه بطاقته، واتصلت بمحامي أعرفه من زمان، وبعتّ له بيانات الراجل والعربية.
وبعد ما اتأكدت من هويته، دخلته الصالة.
ليلى كانت قاعدة على الكنبة، لابسة بيجامتها وبتحضن دبدوبها، وباصّة له باستغراب.
أول ما كريم شافها، سكت لحظة، وبعدين