دخلت خطيبتي
دخلت خطيبتي ناحية الكوشة وهي لابسة بدلة رجالي قديمة، واسعة عليها بشكل غريب، لدرجة إن كل اللي قاعدين في الفرح بقوا يبصوا لبعض ويتهامسوا.
أمي كانت قاعدة في الصف الأول، ولما شافتها قربت مني واحدة من قرايبي وهمست
هو ده فرح ولا مقلب؟
أنا ما رديتش.
فضلت واقف مكاني مستنيها لحد ما قربت مني، وبعدها شمرت كم البدلة قدامي وكشفت عن حاجة متخيطة جواه.
وفجأة...
وقع من جيب البدلة جواب صغير، مكتوب عليه
للراجل اللي في يوم من الأيام هيتجوز بنتي.
خطيبتي دخلت فرحنا وهي لابسة بدلة رجالي سودا، قديمة وتقيلة.
مش فستان فرح شيك.
ولا حتى بدلة حريمي عصرية.
دي كانت بدلة راجل فعلًا، باين عليها إنها متفصلة من سنين.
الكتافات عريضة، والجاكت واسع عليها بطريقة تخليها غرقانة جواه، والأكمام كانت مغطيّة صوابعها تقريبًا، والبنطلون متكوم فوق جزمة سودا بسيطة.
في أول كام ثانية، أنا شخصيًا ما صدقتش اللي شايفه.
أنا اسمي محمود، عندي 34 سنة، وهي نور، عندها 31 سنة.
كنا مع بعض بقالنا خمس سنين، وبعد خطوبة وتجهيزات استمرت تقريبًا سنة، كنت فاكر إني عارف كل تفصيلة في اليوم ده.
فرحنا كان في قاعة كبيرة متجهزة في أطراف المنصورة، مكان مفتوح وفيه جنينة واسعة، وكنا عازمين 86 شخص من أهلنا وصحابنا المقربين.
ورد أبيض.
أنوار متعلقة فوق الترابيزات.
أكل متجهز من بدري.
وتورتة لوز اتخانقنا بسببها أسبوعين، عشان أنا كنت عايزها شوكولاتة وهي أصرت على اللوز.
وطبعًا...
كنت مستني أشوفها بفستان فرح.
هي كانت عارفة إني بحلم باللحظة دي.
كنت حتى قلت قدام أمي
أنا أول ما أشوف نور بفستان الفرح، غالبًا هعيط.
ضحكت وقتها وقالت
يبقى خدلك منديلين في جيبك.
لكنها عمرها ما ورّتني الفستان.
أمها هي اللي كانت معاها وهي بتشتريه.
وصاحبتها المقربة راحت معاها مرتين للبروفة.
وكان فيه كيس كبير متخبي عند بيت أمها بقاله شهور.
عشان كده، لما الموسيقى بدأت والناس وقفت، وأنا واقف مستنيها تدخل...
كنت متخيل إني هشوف فستان أبيض.
لكن بدل ده...
نور ظهرت من آخر الجنينة لابسة البدلة السودا.
وكانت ماشية لوحدها.
أول ما الناس شافوها، الهمس بدأ.
هي لابسة إيه ده؟
هو الفستان اتغير ولا إيه؟
واحدة من قرايب أمي قالت بصوت مسموع
دي شكلها جاية على عزومة مش فرح!
ضحك كذا حد.
حسيت الدم طلع في وشي.
بصيت لأمي.
كانت قاعدة في أول صف، لابسة فستان كحلي كانت شاريته مخصوص للفرح.
لكنها ما ضحكتش.
وده كان أسوأ.
كانت باصة لنور بنظرة ضيق شديدة، كأنها شايفة إنها عملت حاجة عيب في حق العيلة كلها.
بصيت ناحية حماتي.
لقيتها بتعيط.
بس الغريب إنها ما كانتش مستغربة.
كانت عارفة.
نور قربت مني وهي ماسكة بوكيه ورد أبيض صغير.
ولما وصلت قدامي، قربت منها وقلت لها بصوت واطي
إنتِ بتعملي إيه؟
ما ردتش.
قلت
كل الناس بتبص علينا.
بلعت ريقها وقالت
عارفة.
الفستان فين؟
عيونها لمعت بالدموع.
وقبل ما تكمل، سمعت أمي بتقول حاجة ورايا، بس ما فهمتش كانت بتقول إيه.
نور سلمت البوكيه لصاحبتها.
وبعدين...
مسكت كم الجاكت اليمين وبدأت تشمره.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
لحد ما ظهر القماش اللي من جوه.
قالت لي
قرب.
قربت.
كان فيه تيكيت قماش صغيرة لونها أوف وايت متخيطة بإيد.
وعليها كلام متطرز بخيط أسود.
قريته بصعوبة
ليوم ما أمشي فيه ببنتي لحد الكوشة.
وتحتها جملة تانية
ولو ما لحقتش اليوم ده، البسها إنتِ، ونمشي سوا.
وفي الآخر...
توقيع واحد
بابا.
حسيت إن نفسي اتقطع.
والد نور كان متوفي من أكتر من عشر سنين.
أنا كنت عارف إنه كان شغال ترزي.
وعارف إنه تعب فترة طويلة قبل ما يموت.
لكن عمري ما عرفت تفاصيل أكتر من كده.
وكل مرة كنت أسأل نور عن أبوها، كانت بتغير الموضوع بطريقة واضحة.
وأنا كنت فاكر إني لما ما أضغطش عليها، ببقى بحترم مشاعرها.
لكن وأنا واقف قدامها في اللحظة دي...
فهمت إن البدلة اللي الناس كلها كانت بتضحك عليها، ما كانتش بدلة عادية.
دي كانت بدلة أبوها.
البدلة اللي أبوها كان مجهزها لنفسه، عشان اليوم اللي يحلم فيه يمشي ببنته لحد الكوشة.
بس الموت سبقه.
كملت المراسم.
قرأنا الفاتحة.
لبسنا الدبل.
وقلنا كلامنا قدام الناس.
وبعدين باسيتها.
لكن رغم كل ده...
كان فيه سؤال واحد مش راضي يخرج من دماغي
ليه عملت كده من غير ما تقول لي؟
بعد الصور مع الأهل، استنيت لحد ما الناس انشغلت، وخدتها على الأوضة اللي كانت بتجهز فيها.
وأول ما دخلت...
شفت حاجة خلتني أسكت.
على السرير كان فيه فستان فرح أبيض.
جديد.
متكوي.
ومتعلق بعناية.
بصيت له وبعدين بصيت لها.
وقلت
يعني الفستان كان موجود فعلًا؟
قفلت الباب وراها.
أيوه.
وكنتِ ناوية تلبسيه؟
سكتت ثواني.
لحد من ساعتين.
طب إيه اللي حصل؟
فضلت باصة في الأرض.
وبعدين قالت بصوت مكسور
بصيت لنفسي في المراية... وما قدرتش ألبسه.
وبدل ما تقولي لي، قررتي تظهرِي قدام 86 واحد بالبدلة دي؟
ما كنتش عارفة أقولك إزاي.
أنا جوزك يا نور.
رفعت عينيها وقالت
دلوقتي بس.
الكلمة دي وجعتني.
قلت لها
يعني إيه؟
بدأت تعيط.
إنت طول الشهور اللي فاتت كنت بتتكلم عن الفستان، وعن إنك نفسك تشوفني بيه... وأنا كنت عايزة أعمل لك اليوم اللي بتحلم بيه.
قلت لها
أنا ما كنتش محتاج فرح مثالي. كنت محتاج أعرف إيه اللي بيحصل.
سكتت.
وبعدين قالت
لو حكيت لك عن البدلة، لازم كنت أحكيلك عن بابا.
وإيه المشكلة؟ ده أبوكي.
هزت راسها والدموع بتنزل على خدها.
بالنسبة لي... الموضوع مش سهل.
كنت متضايق، ومحرج من اللي حصل قدام الناس، ولسه سامع ضحك وهمس المعازيم في دماغي.
وفي لحظة غضب...
قلت جملة عمري ما تمنيت إني قلتها
يعني أنا ما اتجوزتش واحدة بس؟ أنا اتجوزت كمان شبح أبوكي؟
نور بطلت عياط.
وشها اتغير تمامًا.
مش غضبان.
مش منهار.
اتقفل.
كأن باب اتقفل جواها في اللحظة دي.
بصت لي وقالت بهدوء مخيف
اطلع.
نور، أنا ما قصدتش...
اطلع.
أنا آسف.
لو سمحت.
فتحت الباب وخرجت.
لكن قبل ما أقفله، شوفتها بتفك الجاكت من عليها ببطء.
وفجأة...
سمعت حاجة وقعت على الأرض.
بصيت.
كان ظرف قديم أصفر وقع من الجيب الداخلي للبدلة.
نور انحنت بسرعة ورفعته.
لكن قبل ما تخبيه، عيني وقعت على المكتوب عليه.
كانت جملة واحدة
للراجل اللي هيتجوز بنتي في يوم من الأيام.
بصيت لها.
وحاولت أرجع للغرفة.
لكنها قفلت الباب في وشي.
فضلت واقف قدام الباب ثواني.
ومش عارف ليه، لكن لأول مرة من يوم ما عرفتها...
حسيت إن أبوها، رغم إنه مات من سنين...
كان سايب لي رسالة هو بنفسه.
ورسالة بالشكل ده...
ما كانتش ممكن تكون حاجة عادية.
فضلت واقف قدام باب الأوضة كام ثانية، مش عارف أعمل إيه.
جواها نور.
وفي إيدي تقريبًا ما فيش حاجة.
لكن الجملة اللي شفتها على الظرف كانت بتلف في دماغي
للراجل اللي هيتجوز بنتي في يوم من الأيام.
رجعت للقاعة.
الموسيقى كانت شغالة، والناس بتحاول تتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن أنا كنت حاسس إن كل العيون بتبص لي.
أمي أول ما شافتني، قامت وجت ناحيتي.
هي عملت إيه تاني؟
بصيت لها باستغراب.
إنتِ عارفة حاجة؟
اتوترت للحظة.
عارفة إيه؟
البدلة.
وشها اتغير.
وبسرعة قالت
دي حاجات تخصهم هما. سيبك منها.
وقتها فهمت إن الموضوع مش واقف عند نور.
أمي كانت عارفة حاجة.
بعد حوالي نص ساعة، خرجت نور من الأوضة.
كانت غيرت الجاكت، لكن فضلت لابسة البنطلون الأسود.
وشها كان هادي بشكل غريب.
مش شكل واحدة فرحانة.
ولا حتى واحدة زعلانة.
كان شكل واحدة أخدت قرار.
وقفت قدامي وقالت
محمود، أنا مش هقدر أكمل الليلة دي.
قلت
تقصدي الفرح؟
أقصد الكلام اللي كان المفروض يحصل بعد الفرح.
سكت.
وبعدين مدت إيدها بالظرف.
خد.
ما مدتش إيدي.
ده إيه؟
جواب من