ركبت كاميرا
ركّبت كاميرات في البيت من غير ما مراتي تعرف، عشان أراقبها بعد ما أختي أقسمتلي إنها بتعذّب أبويا المشلول وبتسرق فلوسه.
لكن الساعة 307 الفجر، شفتها وهي بتقفل أوضة أبويا بالمفتاح، وتخبي شوية أقراص في جيبها، وبعدها قربت منه وهمست
استحمل شوية كمان يا حاج بالله عليك استحمل.
ما واجهتهاش.
حفظت التسجيل عندي.
وبعد يومين بس، كاميرا تانية صوّرت حاجة خلتني أتمنى إني عمري ما شكيت في مراتي أصلًا.
اليوم اللي رجعت فيه من القاهرة، بعد ما كنت غايب عن البيت تسع أيام بسبب أكبر صفقة في تاريخ شركة المقاولات بتاعتي، كنت لسه داخل من باب الشقة وشايل الشنطة، لقيت أختي داليا مستنياني.
ما ادتنيش حتى فرصة أسألها إيه اللي حصل.
حطت قدامي ملف أسود على المكتب وقالت
قبل ما تجري على مراتك وتعمل نفسك مش شايف حاجة افتح الملف ده الأول.
بصيتلها باستغراب.
إيه ده؟
قالت وهي بتزق الملف ناحيتي
الحقيقة اللي إنت مش عايز تشوفها.
فتحت الملف.
أول حاجة لفتت نظري كانت كشوف حساب البطاقة اللي أنا سايبها لمصاريف أبويا.
سحوبات ب آلاف، و آلاف، و آلاف جنيه.
وكلها تقريبًا اتسحبت من مناطق حوالين شبرا الخيمة.
قلبت الورق بسرعة.
لقيت صورة لإيد أبويا.
الرسغ كان عليه كدمة زرقا غامقة.
رفعت عيني لداليا.
مين عمل فيه كده؟
بصتلي في عيني وقالت
مراتك.
حسيت بحاجة تقيلة نزلت على صدري.
إنتي بتقولي إيه؟
بقولك إن مراتك هي اللي ماسكة دوا أبوك، وهي اللي بتصرف من البطاقة بتاعته، وأمها عايشة في شبرا الخيمة. وكل الفلوس اللي اتسحبت تقريبًا هناك.
سكت.
داليا كملت
وإنت كنت مسافر ومطمن، وهي قاعدة هنا بتعمل اللي هي عايزاه في الراجل اللي مش قادر حتى يتكلم.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
أبويا، الحاج محمود، كان عنده 74 سنة.
من سنتين، جاله جلطة شديدة خلته قعيد على كرسي متحرك، فقد القدرة على تحريك رجليه، وحتى الكلام بقى بالنسبة له شبه مستحيل.
وكان محتاج حد يرعاه طول الوقت.
ومراتي سلمى كانت أكتر واحدة بتعمل ده.
سلمى عندها 29 سنة، ومن عيلة على قد حالها.
اتعرفت عليها من سنين، لما كانت بتعمل تدريب تمريض في المستشفى اللي كان أبويا بيتعالج فيها.
وأكتر حاجة خلتني أتعلق بيها إن في الوقت اللي كل الدكاترة كانوا بيقولوا إن أبويا غالبًا مش مدرك اللي حواليه، كانت هي بتقعد جنبه بالساعات وتحكيله وتتكلم معاه كأنه بيسمع كل كلمة.
يومها قلت لنفسي
الست دي قلبها طيب.
وعشان كده اتجوزتها.
لكن وأنا واقف قدام أختي، بدأت أسأل نفسي
يا ترى أنا كنت غبي؟
دخلت أوضة أبويا.
لقيت سلمى قاعدة على الأرض قدام كرسيه، وبتدهن إيده بالكريم بهدوء.
أول ما شافتني، ابتسمت.
إنت رجعت بدري!
عيني وقعت على إيد أبويا.
شفت الكدمة.
بعدتها عني وبصيتله.
إيه اللي حصل في إيده؟
سلمى بصت لإيد أبويا.
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت
خبط في طرف الكرسي وهو بيتحرك.
بصيتلها.
كان فيه حاجة في وشها مش مريحاني.
أنا عارف سلمى كويس.
وعارف شكلها وهي بتكدب.
بس ما قلتش حاجة.
دخلت أوضتي.
والليلة دي ما نمتش.
تاني يوم الصبح، كلمت واحد متخصص في أنظمة المراقبة والأمن، وطلبت منه يركبلي كاميرات صغيرة في البيت.
واحدة في أوضة أبويا.
واحدة في الطرقة.
واحدة في المطبخ.
وواحدة عند باب الخدمة.
وكلهم مربوطين بموبايلي.
كنت بقول لنفسي إني بعمل كده عشان أحمي أبويا.
لكن الحقيقة؟
كنت بتجسس على مراتي.
كنت عايز أعرف إذا كانت أختي بتقول الحقيقة ولا لأ.
أول ليلة، مفيش حاجة حصلت.
كل شيء كان طبيعي.
لحد الساعة
307 الفجر.
كنت ماسك الموبايل وبقلب في تسجيلات الكاميرات، وفجأة شفت سلمى بتطلع من أوضتنا.
كانت ماشية حافية.
بهدوء شديد.
دخلت أوضة أبويا.
بصت حواليها.
وبعدين
قفلت الباب بالمفتاح.
قلبي دق جامد.
الممرضة اللي بتبات مع أبويا بالليل، سناء، ما كانتش موجودة الليلة دي.
سلمى راحت ناحية دولاب الأدوية.
فتحت الدرج.
طلعت علبة دوا.
وقعدت تعد الأقراص واحدة واحدة.
واحد
اتنين
تلاتة
وبعدين حطت كذا قرص في منديل، ولفتهم، ودستهم في جيب هدومها.
أنا قربت الموبايل من وشي.
مش مصدق اللي شايفه.
بعدها سلمى راحت ناحية أبويا.
انحنت فوقه وقالت بصوت واطي
استحمل شوية كمان يا حاج محمود محدش ينفع يعرف دلوقتي.
أبويا رمش بعينه مرتين.
فضلت باصص للشاشة وأنا حاسس إن نفسي اتقطع.
إيه اللي محدش ينفع يعرفه؟
وإيه علاقة الأدوية بالموضوع؟
وليه بتخبيها؟
تاني يوم، سلمى صحّتني وحطت الفطار قدامي.
بيض وطعمية وجبنة قديمة، زي ما بحب.
وقالت بمنتهى الهدوء
أبوك نام طول الليل، ما تعبنيش خالص.
بصيتلها.
أنا عارف إنها بتكدب.
لكن بدل ما أواجهها، سكت.
رجعت من البيت من غير ما تعرف، وقعدت أراقبها من بعيد.
كنت مستني أشوفها وهي بتلعب في أدوية أبويا أو تعمل حاجة تانية تفضحها.
لكن اللي شفته لخبط كل حاجة.
سمعت موسيقى جاية من أوضة أبويا.
دخلت على مهلي.
كان شغال أغنية قديمة كانت أمي بتحب تسمعها.
أغنية ما سمعتهاش في البيت من يوم ما ماتت.
لقيت سلمى واقفة جنب أبويا، ماسكة إيديه وبتحرّك كرسيه بالراحة على إيقاع الأغنية.
كانت بتضحك وهي بتقول
واحد اتنين أهو كده يا حاج. إنت اللي تأمر.
وفجأة
حصلت حاجة عمري ما شوفتها تحصل في السنتين اللي فاتوا.
أبويا
ابتسم.
مش ابتسامة عشوائية.
ولا حركة لا إرادية.
ابتسامة حقيقية.
وبإيده الوحيدة اللي كان لسه قادر يحركها بنسبة بسيطة
ضغط على إيد سلمى.
وقفت مكاني ورا الباب.
ما قدرتش أدخل.
لأول مرة من ساعة ما بدأت أراقبها
شكيت في نفسي.
يمكن داليا كانت غلطانة.
يمكن سلمى فعلًا بتحاول تساعد أبويا.
يمكن أنا ظلمتها.
لكن وأنا لسه بحاول أفهم اللي حصل
الكاميرا صورت حاجة تانية.
حاجة رجعت الشك جوايا أقوى من الأول.
الساعة كانت حوالي 11 بالليل.
سلمى خرجت من باب الخدمة لوحدها.
كانت لابسة إسدال خفيف فوق هدومها.
مشيت لحد آخر الشارع.
كان فيه راجل غريب مستنيها جنب عربية قديمة.
قربت منه.
طلعت ظرف كبير من شنطتها.
وسلمتهوله.
الراجل فتح الظرف وبص جواه.
سلمى قالتله بصوت متوتر
محدش يعرف حاجة فاهم؟
الراجل رد
اطمني. طول ما الفلوس بتوصلني، الموضوع هيفضل مدفون.
سلمى بلعت ريقها وقالت
أنا دفعتلك اللي طلبته كله.
الراجل قفل الظرف.
وأنا هعمل اللي اتفقنا عليه.
سلمى قربت منه وقالت
لأ المرة دي لازم تنفّذ. أنا مش هقدر أستحمل أكتر من كده.
الراجل ركب عربيته ومشي.
وسلمى فضلت واقفة مكانها.
وبعدين
انهارت في العياط.
حطت إيدها على