بعد جنازه
متأخر. لقيته في المستشفى، وكان لسه عايش. لكن قبل ما يموت قال لي حاجة واحدة...
سكتت.
ثم قالت
ما تبيعيش البيت. البيت هو الدليل الوحيد.
وبعدين...
صوت أمي انخفض جدًا.
وقال لي إن واحد من اللي شاركوا في الموضوع كان من أقرب الناس ليا.
الشريط انتهى.
كنت في ذهول.
مين؟
مين كان أقرب شخص لأمي؟
افتكرت كلامها.
سنين طويلة كانت بتقول
جوزك محمود راجل طيب.
لكن محمود كان بيضغط عليا دلوقتي أبيع.
هل كان يعرف؟
اتصلت بيه.
محمود، إنت تعرف جابر؟
سكت.
ثانيتين.
بس الثانيتين دول كانوا كفاية.
أعرفه.
من إمتى؟
من الشغل.
شغلك إيه؟
نهى، إنتِ بتسألي ليه؟
قلت
لأن أبويا ذكر اسمه قبل ما يموت.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
وبعدين قال
متدخليش نفسك في حاجة أكبر منك.
قفلت.
في نفس الليلة، حصلت أول محاولة لسرقة البيت.
صحيت على صوت زجاج بيتكسر.
نزلت الحوش.
لقيت شخص بيحاول يفتح أوضة أمي.
صرخت.
هرب من الباب الخلفي.
لكن وقع منه موبايل.
مسكته.
وكان عليه رسالة واحدة من رقم محفوظ باسم
سامح.
الرسالة
خلصوا الورق قبل ما تفتح الصندوق.
الموضوع بقى واضح.
سامح كان عارف.
لكن مين خلصوا؟
مين معاه؟
رجعت للمحامية.
قالتلي
لازم نتحرك قانونيًا فورًا.
نعمل إيه؟
نثبت إنك وريثة الأرض، ونرفع دعوى تزوير ونطلب منع التصرف.
وفي نفس الوقت، منى نصحتني أبلغ الشرطة.
وفعلنا.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما الشرطة فحصت تسجيلات كاميرا محل قريب.
الراجل اللي حاول يدخل البيت...
كان محمود.
جوزي.
واجهته.
كان قاعد في البيت لما رجعت.
حطيت الموبايل قدامه.
إنت كنت هنا امبارح؟
وشه اصفر.
نهى...
إنت حاولت تسرق بيت أمي؟
اسمعيني.
لأ.
وقفت قدامه.
عايزة الحقيقة.
بدأ يعيط.
ولأول مرة من ستة وعشرين سنة شفته منهار.
قال
أنا مديون لسامح.
قد إيه؟
كتير.
وهو طلب منك إيه؟
سكت.
وبعدين قال
قال لي أضغط عليكي تبيعي البيت.
ليه؟
لأنه عارف إن الأرض غالية جدًا.
قلت
وإنت كنت هتاخد كام؟
قال
خمسين ألف.
ضحكت.
ضحكة وجعتني.
بعت مراتك وذكريات أمها بخمسين ألف؟
نزل راسه.
لكن فجأة رفع عينه.
وقال
أنا ما كنتش أعرف إنهم قتلوا أبوكي.
اتجمدت.
هم مين؟
قال
سامح وأبوه.
بعدها بساعات، الشرطة قبضت على سامح.
لكن سامح رفض الكلام.
إلا إن منى كانت سبقتنا بخطوة.
كانت قدمت الشرائط الأصلية للنيابة، ومعاها أوراق التزوير.
وبعد فحص التسجيلات والتوقيعات، ظهر إن عملية الاستيلاء على الأرض كانت مستمرة من سنين.
لكن لسه مفيش دليل مباشر على قتل أبويا.
إلى أن جاءت المفاجأة.
الحاجة وداد طلبت تشوفني.
دخلت البيت وهي بتعيط.
وقالت
لازم أقولك حاجة كنت خايفة أقولها من تلاتين سنة.
قعدت قدامها.
إيه؟
قالت
يوم موت أبوكي، أنا شفت عربية واقفة قدام البيت.
عربية مين؟
عربية جابر.
وبعدين مدت إيدها في شنطتها.
طلعت صورة قديمة.
الصورة كانت مهزوزة، لكنها واضحة بما يكفي.
أبويا واقف جنب عربية.
وجنبه جابر.
وخلفهم...
محمود.
صورة عمرها أكتر من تلاتين سنة.
صرخت
محمود؟!
الحاجة وداد قالت
أيوه.
لكن محمود وقتها كان لسه شاب.
فهمت.
أبويا كان يعرفه.
لكن ليه؟
رجعت لمحمود.
واجهته بالصورة.
انهار.
وقال الحقيقة.
قبل جوازنا بسنين، محمود كان شغال عند أبويا.
وكان موجود يوم الخناقة.
قال
أنا ما ضربتش أبوكي.
بس سبتهم؟
كنت خايف.
وإيه اللي حصل بعد كده؟
قال
جابر ضربه. أبوكي وقع. كان لسه عايش. أنا كنت عايز آخده المستشفى، لكن جابر هددني.
وبعدين؟
خدوه بعربية، وقالوا إنهم هيودوه المستشفى.
وإنت؟
بدأ يبكي.
هربت.
قلت
وسكت تلاتين سنة؟
هز راسه.
أيوه.
لكن في اعترافه كان فيه شيء ناقص.
سألته
إنت ليه رجعت تشتغل مع سامح دلوقتي؟
قال
لأن سامح اكتشف إني كنت الشاهد الوحيد.
سكت.
وكان بيهددني.
وبعدين قال
بس أنا سجلت كلامه.
رفعت راسي.
فين التسجيل؟
ابتسم لأول مرة.
في مكان عمره ما هيفكر يدور فيه.
طلع فلاشة صغيرة من جيبه.
كان عليها تسجيل لمكالمة بينه وبين سامح.
صوت سامح واضح
أبوك أخطأ لما ما دفنش الموضوع من البداية. وأم نهى لو فتحت الصندوق هتضيعنا كلنا.
صوت محمود
وأبوها؟
سامح
مات من زمان. محدش هيقدر يثبت حاجة.
ثم قال جملة قلبت القضية كلها
أهم حاجة الأرض. الأرض كانت هتبقى بتاعتنا من زمان لو أمها ما كانتش عنيدة.
بعد أيام من التحقيقات، ظهرت كل الحقيقة.
جابر كان زوّر أوراق الأرض.
ولما اكتشف أبويا التزوير، واجهه.
حصلت مشادة بينهم.
جابر ضربه، وسابوه مصابًا.
ولما مات في المستشفى، تم تسجيل وفاته في ظروف مختلفة، وتم استغلال الفوضى لإخفاء الحقيقة.
أمي عرفت جزءًا من الحقيقة.
لكنها خافت عليا.
وعشان كده خبّت الدليل.
وكتبت كل شيء في الشرائط.
أما سامح، فكان بيحاول يكمل اللي بدأه أبوه.
وكان مستعجل يشتري الأرض بأي طريقة قبل ما أكتشف المستندات.
بعد شهور من التحقيق والمحكمة، صدر الحكم.
ثبت تزوير عقود الأرض.
وثبتت مسؤولية جابر وسامح عن التزوير والاعتداء والتستر على حقيقة وفاة أبويا، واتخذت المحكمة الإجراءات الجنائية اللازمة بشأن وفاة أبي وإخفاء ملابساتها.
أما محمود...
فأنا ما رجعتش له.
مش عشان الانتقام.
لكن عشان في حاجات لما بتتكسر...
ما ينفعش تتصلح.
طلقت محمود.
وبعت نصيبي من ممتلكاتنا، وسددت جزءًا من ديونه اللي ثبت قانونيًا إنها تخصه، والباقي تحمل مسؤوليته.
ما خدتش منه جنيه واحد زيادة.
ما كنتش عايزة أنتقم.
كنت عايزة أخرج من حياته نهائيًا.
أما البيت...
ما بعتهوش.
رممته.
خليت أوضة أمي زي ما هي.
وحطيت صورة أبويا جنب صورتها.
وفي الحوش، البير فضل موجود.
بس قفلته بشكل آمن.
وحطيت فوقه لوحة صغيرة.
مش مكتوب عليها اسم.
ولا قصة.
بس جملة واحدة
بعض الحقائق ممكن تدفنها السنين... لكن ما تقدرش تقتلها.
بعد سنة، كنت واقفة في نفس الحوش وقت الغروب.
الحاجة وداد كانت قاعدة جنبي.
بصتلي وقالت
أمك كانت عارفة إنك هتلاقي الحقيقة.
ابتسمت.
كانت عارفة إني مش هسيبها؟
هزت راسها.
كانت عارفة إنك بنت أبوكي.
بصيت لصورة أبويا.
ولأول مرة من وأنا طفلة، ما افتكرتش يوم وفاته.
افتكرت صوته في الشريط.
وهو بيقول
لو حصل لي حاجة، متصدقيش إن اللي حصل حادث.
دلوقتي عرفت الحقيقة.
أبويا ما كانش ضعيف.
وأمي ما كانتش ساكتة.
كانت بتحميني
بالطريقة الوحيدة اللي قدرت عليها.
دفنت السر تلاتين سنة...
عشان في يوم من الأيام أقدر أنا أطلعه للنور.
وأغرب حاجة حصلت بعد كل ده؟
إن البيت اللي كنت داخلة أبيعُه عشان أهرب من ذكرياتي...
بقى هو المكان اللي رجّعلي اسمي، وحق أبويا، وحقيقة أمي.
وقبل ما أقفل باب البيت في آخر اليوم، وقفت لحظة وبصيت للحوش.
ابتسمت وقلت
ارتاح يا بابا... المرة دي الحقيقة وصلت.