بعد جنازه
بعد جنازة أمي، جارتي مسكتني من دراعي وقالتلي بصوت واطي
قبل ما تبيعي البيت، بصّي جوّه البير.
كنت مقررة أمضي عقد البيع تاني يوم، لكني نزلت لمبة جوّه البير، وشوفت صندوق مستخبي هناك من أكتر من تلاتين سنة.
ما قلتش لحد حاجة.
لغيت البيع.
ولما فتحت الصندوق، اكتشفت إن موت أبويا يمكن ما كانش حادثة زي ما طول عمري فاكرة...
الجزء الأول
أمك ماتت خلاص؟! يعني عايزاني أضيّع يومين من شغلي وأقعد في جنازة؟!
قالها محمود وهو ممدد على الكنبة قدام التلفزيون، من غير حتى ما يبص ناحيتي.
فضلت واقفة مكاني والموبايل في إيدي.
لسه من شوية كانوا متصلين بيا وقالولي إن أمي، سعاد، ماتت وهي نايمة في بيتها القديم في بلدنا في أطراف دسوق بكفر الشيخ.
عندها تمانية وخمسين سنة.
وأنا متجوزة محمود بقالنا ستة وعشرين سنة.
بس الجملة دي وجعتني أكتر من أي خناقة حصلت بينا طول السنين دي.
ما رديتش عليه.
لبست أسود، وخدت شنطتي، وروحت الجنازة لوحدي.
البيت كان مليان ناس من البلد.
ستات داخلة طالعة، وصوت قرآن، وناس بتعزي، وريحة القهوة السادة مالية المكان.
قعدت جنب نعش أمي وأنا بحاول أستوعب إنها مش هتناديني تاني
يا نهى...
أمي كانت هي كل حاجة في حياتي تقريبًا.
خصوصًا بعد موت أبويا.
أبويا، حسن، مات من أكتر من تلاتين سنة.
كنت وقتها طفلة صغيرة.
قالولي إنه كان شغال في قطع الأشجار في منطقة قريبة من البلد، وإن شجرة كبيرة وقعت عليه فجأة، ومات في الحادث.
حادث قضاء وقدر.
ده اللي اتقال لنا.
وده اللي أمي فضلت ساكتة عليه سنين طويلة.
بعد دفنه، أمي ما اتجوزتش تاني.
عاشت طول عمرها في البيت القديم لوحدها، وربتني، وكافحت عشان تعلمني، وكانت كل ما أجيب سيرة بيع البيت وتقول إن الأرض بقت غالية، ترد عليا بنفس الجملة
البيت ده يا نهى... شاف حاجات إنتِ ما تعرفيهاش.
كنت أضحك وأقول لها
يا ماما، ده بيت طوب وحجر، هيشوف إيه يعني؟
فتبصلي بنظرة غريبة وتسكت.
وقتها ما كنتش بفهم.
دلوقتي بس بدأت أفتكر كل كلمة قالتها.
بعد الدفنة بيوم، فضلت ليلة كاملة في أوضتي القديمة.
بصيت للسقف، وللحيطة اللي كنت معلقة عليها صور وأنا طفلة، وافتكرت سنين عمري كلها.
وفي نفس الليلة، أخدت قرارين.
الأول أبيع البيت وأخلص منه.
والتاني أطلب الطلاق من محمود أول ما أرجع القاهرة.
كنت تعبت.
تعبت من جواز عايشة فيه لوحدي، ومن راجل بقى كل اللي يهمه نفسه وفلوسه، ومبقاش فارق معاه أنا تعبانة ولا زعلانة ولا حتى أمي ماتت.
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة في حياتي هي جوازي.
ماكنتش أعرف إن الحقيقة اللي مستخبية في البيت ده هتخليني أعيد حساباتي في كل حاجة.
تاني يوم الصبح، جه سامح، سمسار عقارات من البلد، وكان واحد من الناس اللي رشحهولي حد أعرفه.
لف في البيت، قاس الأرض، صور الواجهة، وبص على الحوش والبيت القديم.
وبعد أقل من ساعة قال
بصراحة يا مدام نهى، الأرض دي دلوقتي تمنها كويس جدًا. عندي مشتري جاهز، وممكن يدفع مليون ونص جنيه.
بصيت له باستغراب.
مليون ونص؟
آه. ولو عايزين نخلص بسرعة، ممكن نمضي خلال يومين بالكتير.
ليه السرعة دي؟
هز كتفه وقال
المشتري مستعجل. وبعدين حضرتك كده كده عايزة تبيعي، فبدل ما نطوّل الموضوع.
كلامه كان منطقي...
لكن مش مريح.
خصوصًا إن الراجل كان مستعجل بطريقة زيادة عن اللزوم.
ومع ذلك، وافقت مبدئيًا.
قلت لنفسي
أبيع البيت، آخد الفلوس، وأرجع القاهرة وأبدأ حياة جديدة.
ما كنتش أعرف إن حد تاني كان مستعجل جدًا إني أبيع البيت...
ولسبب أخطر بكتير مما كنت أتخيل.
بعد ما السمسار مشي، وأنا واقفة في الحوش، سمعت صوت عصاية بتخبط على الأرض.
لفيت.
كانت الحاجة وداد، جارتنا القديمة، ست عندها حوالي تمانين سنة، وكانت صاحبة أمي المقربة من زمان.
قربت مني وقالت
يا نهى...
أيوه يا حاجة؟
مسكت إيدي وبصت حوالين نفسها كأنها خايفة حد يسمعنا.
وبعدين قالت
ما تمضيش على البيع.
اتوترت.
ليه؟
فضلت ساكتة ثواني، وبعدين قالت
أمك كانت موصياني بحاجة.
حاجة إيه؟
قربت مني أكتر وقالت بصوت واطي
قالتلي لو أنا مت، ونهى قررت تبيع البيت... قولي لها قبل ما تسلّم البيت تبص جوّه البير.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
البير؟!
هزت راسها.
أيوه.
فيه إيه؟
الحاجة وداد بلعت ريقها وقالت
والله ما أعرف كل حاجة. أمك عمرها ما رضيت تحكيلي.
طب ليه قالتلك كده؟
بصت ناحية البير الموجود في آخر الحوش.
كانت دايمًا تقول إن فيه حاجة تخص أبوكي مستخبية هناك.
قلبي دق بسرعة.
تخص أبويا؟!
هزت راسها.
وكانت بتقول إن اليوم اللي هتفتحي فيه اللي مستخبي... هتعرفي أبوكي مات إزاي بجد.
فضلت باصة لها وأنا مش عارفة أقول إيه.
حاولت أضحك.
يا حاجة وداد، أبويا مات في حادثة من تلاتين سنة.
ردت عليا بمنتهى الجدية
أنا كمان كنت فاكرة كده.
وسابتني ومشيت.
فضلت طول اليوم بفكر في كلامها.
البير ده كان موجود في البيت من وأنا طفلة.
بس بقاله أكتر من خمستاشر سنة محدش بيستخدمه بعد ما وصلوا لنا الميه الحكومية.
كان متقفل بغطا حديد تقيل.
عمري ما فكرت حتى أبص جواه.
لحد ما جه الليل.
البيت كله سكت.
قفلت الباب ورايا، وأخدت كشاف ولمبة صغيرة، وروحت ناحية البير.
وقفت قدامه فترة طويلة.
وبعدين شلت الغطا.
ريحة رطوبة وتراب طلعت في وشي.
نورت بالكشاف.
في الأول ما شوفتش غير حجر وطين.
نزلت اللمبة بحبل.
نزلت شوية...
شوية كمان...
وفجأة قلبي وقف.
على عمق حوالي مترين، بين الحجارة، كان فيه تجويف صغير معمول بإيد بني آدم.
والتجويف متغطي بقطعة قماش قديمة سودا من التراب والرطوبة.
قربت النور أكتر.
كان فيه صندوق.
صندوق