يا دكتوره

لمحة نيوز

يا دكتورة، والنبي ما تقوليش لخطيبة بابا إني برمي النقط بتاعتها في الزرعة أصل لما مبخدهاش، بطني مبقتش توجعني.
قلم الدكتورة مريم الشامي وقف مكانه فوق ورقة الخروج.
بصّت قدامها للبنت الصغيرة اللي عندها سبع سنين، بضفيرتين مفكوكين شوية، وسنّة لبنية واقعة من قدام، وكانت ماسكة في طرف بالطو الدكتورة بإيديها الصغيرين.
نقط إيه يا حبيبتي؟
البنت بصّت حواليها، وبعدين قرّبت من الدكتورة وهمست
النقط اللي داليا بتجيبهالي بتقول إنها فيتامينات عشان جسمي يقوى وأخف من التعب. بس طعمها وحش أوي. ولما بتكون باصة عليّا، لازم أبلعها إنما لما مبتكونش شايفاني
وسكتت لحظة، وبصّت ناحية شباك الأوضة.
برميها في الزرعة.
مريم سابت القلم وحطته على المكتب.
البنت رجعت سريرها وهي حضنة زرافة قماش قديمة، ودانها مقطوعة من كتر الاستعمال.
الدكتورة قامت وراحت ناحية الشباك.
هي شافت الزرعة دي كل يوم تقريبًا من ساعة ما ملك دخلت المستشفى في دمنهور بسبب مغص شديد، وترجيع، وإرهاق غريب محدش قدر يعرف سببه.
لكن لأول مرة مريم ركزت فيها.
كان فيه خمس زراعات شبه بعض محطوطين على الشباك.
أربع منهم خُضر ومنتعشين.
أما الزرعة اللي ملك كانت بتشير عليها
فكانت سودا.
مش مصفرة.
مش ناشفة.
سودا كأنها اتحرقت.
الأوراق كانت متفحمة، والتربة ناشفة ومتكتلة، وعلى طرف الأصيص كان فيه حبيبات بيضا صغيرة.
مريم حسّت بقشعريرة في جسمها.
لفّت للبنت وقالت
ملك، إنتِ بترمي النقط دي في الزرعة بقالك قد إيه؟
البنت بدأت تعد على صوابعها.
أربع أيام أو خمسة.
ومن إمتى؟
من يوم ما بطني بطلت توجعني.
مريم سكتت ثانية.
يعني قبل كده كنتِ بتشربيها؟
البنت هزت راسها.
أيوه. داليا كانت بتقولي افتحي بُقك يا حبيبتي، إنتِ فاكرة نفسك هتضحكي عليّا؟
وبعدين كملت بصوت واطي
مرة موبايلها رن وهي بتديني النقط، فبصّت في التليفون وأنا رميتها. اليوم ده بالليل بطني مكنتّش بتوجعني خالص.
مريم قربت منها.
وإنتِ ليه مخبية الكلام ده؟
البنت بصّت لها ببراءة وقالت
أصل أنا حاسة إن دي فيتامينات بالعكس.
الجملة خلت مريم تسكت.
راحت ناحية الكومودينو، وفتحت الدرج.
وسط شراب صغير، وعلبة عصير، وأقلام تلوين، لقت زجاجة بنية صغيرة عليها قطّارة.
الاسم المكتوب عليها كان باين إنه مكمل غذائي للأطفال، لكن الاستيكر كان متلزق بشكل غريب.
وتحته كان فيه جزء من استيكر أقدم ظاهر من الجنب.
لبست مريم جوانتي، ومسكت الزجاجة بحرص.
هآخدها معايا عشان تتفحص في المعمل.
ملك بلعت ريقها.
داليا هتزعل؟
أنا اللي هتكلم معاها.
البنت سكتت شوية، وبعدين قالت
بس بابا كان بيقول إني هخرج بكرة داليا حتى فرشت أوضتي ورق حيطان عليه أميرات عشان لما أرجع أبقى مبسوطة.
مريم بصّت لوش البنت.
دراعين رفيعين، هالات تحت عينيها، وجسم خسر حوالي كيلو ونص في الفترة اللي فاتت.
قالت بهدوء
شكلك هتفضلي معانا كام يوم كمان.
كام يوم؟
لحد ما أتأكد إنك بقيتي كويسة تمامًا.
بعد حوالي ساعتين، وصل محمود، والد ملك.
راجل عنده حوالي 40 سنة، شغال مهندس، ومن بعد وفاة مراته في حادث من تلات سنين وهو اللي شايل بنته لوحده.
أول ما مريم قالت له إن الخروج اتلغى، وشه اتغير.
بس حضرتك امبارح قولتي إنها أحسن!
هي فعلًا أحسن وده اللي خلاني عايزة أفهم السبب.
محمود زفر وهو بيحك في إيده بتوتر.
داليا هتتضايق. هي مجهزة لها الأوضة من بدري، وعاملة حسابها إنها ترجع البيت. بقالها فترة بتحاول تقرب من ملك وتخليها تعتبرها زي أمها.
سكت لحظة، وبعدين قال
وأنا كنت فاكر إن أخيرًا ممكن نبدأ حياة جديدة ونبقى أسرة تاني.
مريم بصّت له بجدية.
أستاذ محمود، من النهارده محدش يدي ملك أي دوا أو مكمل غذائي من نفسه. حتى لو مجرد فيتامينات. أي حاجة تدخل جسمها لازم تعدّي عليّا الأول.
هز راسه بسرعة.
حاضر طبعًا.
وقبل ما يدخل لبنته، قال
بس داليا كانت شغالة في صيدلية كام سنة، وعندها خبرة في الأدوية والحاجات دي عشان كده كنت واثق فيها.
مريم ما علقتش.
بس أخدت الزجاجة بنفسها ونزلت بيها معمل السموم.
وفي تاني يوم الصبح، تليفونها رن.
دكتورة مريم؟
أيوه.
تعالي المعمل حالًا.
نبرة صوت الدكتور اللي في المعمل خلت قلبها ينقبض.
بعد عشرين دقيقة، كانت واقفة قدام شاشة الكمبيوتر.
الدكتور لف الشاشة ناحيتها وقال
إحنا حللنا السائل أكتر من مرة.
مريم بصّت له.
وطلع إيه؟
رد وهو بيحاول يختار كلامه
السائل فعلًا فيه مادة مكمل غذائي للأطفال بس المكمل متلوث بمادة سامة جدًا.
مريم حسّت إن إيديها تلجت.
مادة إيه؟
رفع عينه وبصلها مباشرة.
أملاح الثاليوم.
مريم حسّت إن نفسها اتقطع.
افتكرت ملك.
افتكرت الزرعة اللي اسودّت.
افتكرت داليا وهي بتجبر البنت تبلع النقط.
وفجأة كل حاجة بدأت تركب في دماغها.
ملك ما كانتش بتتعالج من مرض غامض.
ملك كانت بتتسمم.
وحد كان بيسممها بقاله أسابيع
والأخطر من كده؟
إن الشخص ده لسه بيدخل المستشفى كل يوم، ويقف جنب سريرها، ويضحك في وش أبوها
وكأنه أكتر شخص في الدنيا خايف عليها.
لكن مريم ما كانتش تعرف إن اللي هتكتشفه بعد كده هيقلب القضية كلها رأسًا على عقب
لأن الحقيقة كانت أخطر بكتير من مجرد عروسة بتحاول تتخلص من بنت جوزها.
في اللحظة دي، مريم حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
بصّت للدكتور اللي قدامها وقالت
يعني إيه؟! إنت متأكد إن النتيجة دي مش غلط؟
حللنا العينة مرتين، والنتيجة واحدة. نسبة السم مش بسيطة يا دكتورة دي كمية ممكن تعمل تسمم تدريجي لو الطفل بياخدها بشكل مستمر.
مريم بلعت ريقها.
وملك؟
لو فعلاً كانت بتاخدها

تم نسخ الرابط