خلي بنتي
قدام دولاب قديم.
فتحت درج صغير تحت الرخامة.
ما كانش فيه حاجة.
لكنها قالت
مش هنا.
نزلت على الأرض.
وبصت تحت الدولاب.
هنا.
واحد من الحراس حرّك الدولاب.
وظهر تجويف صغير في الحائط.
جواه ظرف بني.
مراد فتحه.
كان جواه صور.
وحسابات بنكية.
ونسخ عقود.
وتسجيل صوتي.
وفي آخر الورقة جملة واحدة بخط سلمى
لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
مراد قعد.
بدأ يقرأ.
وسلمى كانت كاتبة إنها اكتشفت إن ماهر مش بس بيسرق من شركات مراد.
كان بيحوّل جزء من فلوس الشركة لحسابات بأسماء أشخاص وهميين، وبعدها الفلوس بتروح لشركة استيراد صغيرة.
لكن الشركة دي
كان مالكها شخص مراد عمره ما شافه.
ولما مراد راجع الاسم
اتصدم.
لأن الاسم كان باسم والده المتوفى.
يعني حد كان بيستخدم اسم عيلته من سنين.
والأغرب
إن التحويلات كانت بتتم بموافقة إلكترونية من جهاز موجود داخل مكتب مراد نفسه.
مراد رفع عينه.
مين كان عنده مفتاح المكتب؟
ماهر سكت.
مراد قال
إنت.
بعد ساعتين، وصل المحامي الجديد اللي كان مراد واثق فيه.
راجع الملفات.
وبعدين قال
يا حاج في حاجة أخطر.
إيه؟
التسجيلات دي مش كاملة.
يعني؟
في جزء متشال.
مين شاله؟
المحامي بص للكمبيوتر.
اللي شاله كان عارف بالضبط إيه اللي بيدور عليه.
وفجأة
نور قالت
أنا أعرف.
مراد بص لها.
تعرفي إيه؟
ماما كانت بتقول إن عندها نسخة تانية.
فين؟
نور قامت من مكانها.
ومسكت إيد لينا.
وقالت
بس ماما قالتلي ما أروحش هناك غير لو بابا عرف الحقيقة.
مراد اتنفس ببطء.
فين يا نور؟
قالت
المكان اللي كنت بروح فيه أنا وماما كل يوم جمعة.
كان بيت صغير قديم على أطراف مصر الجديدة.
مراد ما كانش يعرف عنه حاجة.
دخلناه.
الغريب إن البيت كان متساب كأنه متقفل من شهور.
نور مشيت في ممر طويل.
وقفت قدام أوضة صغيرة.
فتحت الدولاب.
طلعت صندوق أحذية.
فتحته.
جواه جهاز تسجيل قديم.
ومفتاح تاني.
وشريط فيديو.
المحامي شغّل التسجيل.
وصوت سلمى خرج.
مراد أول ما سمع صوتها، عينيه دمعت.
مراد لو التسجيل ده وصلك، يبقى أنا غالبًا متأكدة إن ماهر هو اللي ورا كل حاجة.
صوتها كان متقطع.
بس ماهر مش لوحده.
مراد قرب من الجهاز.
صوت سلمى كمل
الشخص اللي بيساعده أقرب ليك مما تتخيل.
وبعدين قالت اسمًا.
مراد وقع منه الجهاز.
لأن الاسم كان اسم شقيقه الأصغر، سامح.
سامح وصل بعد نص ساعة.
كان هادي.
زيادة عن اللزوم.
أول ما دخل، قال
إيه اللي حصل؟
مراد بص له.
سلمى كانت عارفة كل حاجة.
سامح سكت.
وكانت عارفة إنك شريك ماهر.
سامح ضحك.
إنت مصدق تسجيلات مجهولة؟
مراد حط الجهاز قدامه.
اسمع.
التسجيل اشتغل.
وصوت سلمى قال
سامح هو اللي كان بيدخل ماهر للشركة بعد مواعيد العمل.
سامح وشه اتغير.
لكن قبل ما حد يتكلم
اتسمع صوت باب العربية من بره.
الحراس جريوا للشباك.
واحد منهم صرخ
يا حاج! في عربيات واقفة بره!
مراد فهم فورًا.
حد بلغهم إننا هنا.
سامح حاول يجري.
الحراس مسكوه.
وفي اللحظة دي، ماهر ضحك.
ضحكة باردة.
وقال
حتى لو مسكتونا مش هتقدروا تثبتوا حاجة.
مراد قرب منه.
ليه؟
ماهر بص له بثقة.
لأن كل الأدلة اللي عندك هتختفي قبل ما توصل للنيابة.
مراد ابتسم.
متأخر.
ماهر سكت.
مراد طلع موبايله.
التسجيل كله اتبعت من ساعة لمحامي النيابة.
وش ماهر انهار.
إنت كداب.
وأنت غلطت غلطة عمرك.
مراد قرب منه وقال
إنت فاكر إنك كنت بتحارب راجل واحد.
وبص ناحية نور.
لكن أنت أذيت بنتي.
بعدها بأيام، القضية انفجرت.
التحقيقات كشفت شبكة كبيرة من التلاعب بالحسابات والعقود وتحويل الأموال.
سامح اعترف.
وماهر حاول يهرب، لكن التسجيلات وشهادة نور وبيانات التحويلات قفلت كل الأبواب في وشه.
أما حادثة سلمى
فتم فتح التحقيق فيها من جديد.
واتضح إن العربية اتعرضت لتلاعب متعمد قبل الحادثة.
وفي النهاية، صدرت أحكام بالسجن على المتورطين، واتقفلت القضية رسميًا بعد ما ظهرت كل الأدلة.
لكن مراد ما اعتبرش إن العدالة خلصت عند كده.
كان عارف إن مفيش حكم هيقدر يرجع سلمى.
ولا يمسح الخوف اللي عاشته نور.
ولا يرجع الشهور اللي ضاعت من طفولتها.
فقرر يعمل حاجة مختلفة.
باع جزء من ممتلكاته.
وأسس مؤسسة لعلاج الأطفال اللي بيمروا بصدمات نفسية، وسمّاها باسم سلمى.
لكن أهم حاجة عملها
إنه أخيرًا بطل يعامل نور كطفلة لازم يحميها من الحقيقة.
وبقى يسمعها.
كل يوم.
من غير ما يستعجلها.
بعد ست شهور
كنت واقفة في الجنينة وأنا بشوف نور ولينا بيلعبوا.
نور كانت بتضحك.
ضحكة حقيقية.
مش الضحكة الخجولة اللي كانت بتطلع منها زمان.
مراد خرج وقعد جنبي.
قال
تصدقي؟
في إيه؟
لو بنتك ما دخلتش الأوضة اليوم ده يمكن عمري ما كنت هعرف الحقيقة.
ابتسمت.
هي بس قالت اللي شافته.
مراد هز راسه.
لأ. هي عملت أكتر من كده.
وبص لنور.
هي أنقذتني.
في اللحظة دي، نور جريت علينا.
وفي إيدها صندوق الموسيقى.
حطته قدام أبوها.
وقالت
بابا.
نعم يا حبيبتي؟
عايزة أفتحه.
مراد ابتسم.
افتحيه.
فتحت الصندوق.
الموسيقى اشتغلت.
لكن المرة دي
نور ما خافتش.
فضلت تسمع اللحن لحد آخره.
وبعدين قالت
ماما كانت بتحب الأغنية دي.
مراد عينه دمعت.
عارف.
نور سألته
هي كانت هتفرح لو شافتنا دلوقتي؟
مراد حضنها.
كانت هتبقى أسعد واحدة في الدنيا.
نور سكتت شوية.
وبعدين قالت
أنا كنت خايفة أتكلم عشان كنت فاكرة إن الكلام هيخليني أخسر بابا.
مراد شد عليها.
ولا كلام في الدنيا كان ممكن يخليني أسيبك.
وبص لها وقال
حتى لو كنتِ سكتّي عمرك كله كنت هفضل أدور على الحقيقة عشانك.
نور ابتسمت.
ولأول مرة، هي اللي قفلت صندوق الموسيقى بإيديها.
مش عشان تخبي السر.
لكن لأن السر انتهى.
أما ماهر وسامح
فما بقوش غير أسماء في ملف قضية قديمة.
وأما سلمى
فصورتها فضلت معلقة في البيت.
مش كذكرى لست ماتت في حادثة.
لكن كذكرى لست أنقذت بنتها وهي مش موجودة.
وأنا
فضلت فاكرة اليوم اللي دخلت فيه أوضة العلاج وأنا شايلة كوباية مية.
اليوم اللي بنتي الصغيرة أشارت لصندوق موسيقى وقالت جملة بسيطة غيّرت حياة عيلة كاملة
هو مش عايزها تفتحه.
وقتها ما كناش نعرف إن جوه الصندوق سر هيكشف قاتل
وشبكة كاملة
وإن طفلة عندها أربع سنين هتكون السبب في إن بنت عندها سبع سنين تلاقي أخيرًا شجاعتها وتتكلم.
لأن ساعات
الحقيقة ما بتحتاجش حد قوي يقولها.
هي بس بتحتاج طفل
ما يعرفش يخاف من الكبار.