خلي بنتي
خلّي بنتي تتكلم تاني وأنا هديك كل اللي تطلبه.
كان ده كلام الحاج مراد الشناوي، واحد من أكبر رجال الأعمال في القاهرة، واللي اسمه لوحده كان كفاية يخلي ناس كتير تسكت.
كان واقف قدام ستة دكاترة ومتخصصين، وحاطط شنطة سودا كبيرة على الترابيزة، فتحها قدامهم.
الفلوس كانت مرصوصة جوه الشنطة.
قال بصوت مبحوح من كتر اليأس
عايز بنتي تتكلم تاني. اعملوا أي حاجة وأنا هدفع. عايزين مركز؟ أعملهولكم. عايزين فلوس للأبحاث؟ تحت أمركم. عايزين أي حاجة هديهالكم. بس رجّعولي صوت بنتي.
محدش رد.
كلهم بصوا للفلوس وبعدين بصوا لبعض.
إلا بنتي الصغيرة.
بنتي لينا، اللي كان عندها أربع سنين، كانت واقفة جنبي بجزمة حمرا قديمة، وحاضنة أرنب قماش رمادي ودانه مقطوعة من ناحية.
وعينيها كانت متعلقة ببنت مراد.
نور.
بنت عندها سبع سنين، ومن حوالي سنة تقريبًا وهي مش بتتكلم.
أنا كنت عارفة إن فيه حاجة غلط في نور من زمان.
مش بس بسبب سكوتها.
أنا كنت شغالة في بيت الحاج مراد في المعادي بقالّي خمس سنين، وشوفت حاجات الدكاترة نفسهم ما شافوهاش.
شوفت نور وهي نايمة وشفايفها بتتحرك كأنها بتتكلم مع حد.
وشوفتها كذا مرة واقفة قدام صورة أمها، سلمى، وبتهمس بكلام من غير صوت.
لكن أكتر حاجة كانت بتخوفني
إن نور كانت بتتجمد تمامًا كل ما ماهر السيوفي يدخل عليها.
ماهر كان محامي مراد، وأقرب واحد ليه.
راجل موجود في كل حاجة.
في شغله.
في بيته.
وفي كل قرار بياخده.
وكان هو بنفسه اللي اهتم بعد وفاة سلمى إن صندوق موسيقى صغير على شكل بجعة يتحط في أوضة نور.
كان بيقول إن الحاجات اللي كانت بتحبها أمها ممكن تساعدها تخرج من صدمتها.
الدكاترة قالوا إن نور عندها خرس انتقائي بسبب الصدمة.
يمكن كانوا عندهم حق.
أمها ماتت في حادثة عربية من حوالي سنة، في طريق مصر إسكندرية الصحراوي، في ليلة مطر تقيلة.
ومن ساعتها نور قفلت على نفسها تمامًا.
بس أنا كان عندي إحساس إن الموضوع أكبر من مجرد صدمة.
المشكلة إني كنت بخاف أتكلم.
لأني ملاحظة حاجة مش معناها إني فاهمة الحقيقة.
لحد اليوم ده.
دخلت أوضة العلاج وأنا شايلة كوباية مية، ولينا دخلت ورايا.
نور كانت قاعدة على كرسي صغير، لابسة فستان أبيض، وحاطة صندوق الموسيقى بتاع أمها فوق رجليها.
ستة متخصصين كانوا قاعدين حواليها.
مراد كان واقف عند الشباك.
وشكله كان منهار.
واحد من الدكاترة قرب منها وقال بهدوء
نور تحبي نسمع الأغنية اللي في الصندوق؟
نور ما ردتش.
الدكتور لف المفتاح النحاسي.
وبدأت الموسيقى.
لحن هادي جدًا.
لكن أول ما النغمة الأولى طلعت
نور اتشنج جسمها كله.
إيديها بدأت تترعش.
وشها شحب.
ولينا شدت إيدي بقوة.
بصيت لها.
مالك يا حبيبتي؟
بصتلي وهي بتبص للصندوق.
وقالت بصوت واطي
ماما الصندوق مكسور.
استغربت.
مكسور إزاي؟
لينا ما ردتش عليا.
كانت بتبص لنور.
وفي اللحظة دي، ماهر قرب من نور وقال
يمكن أحسن نقفل الصندوق ده يا نور.
نور انتفضت.
رجعت لورا كأنها شافت حاجة بتخوفها.
مراد لاحظ.
أنا لاحظت.
وماهر نفسه لاحظ.
لكنه حاول يخبي توتره.
وقال بهدوء مصطنع
دي مجرد ذكرى بتفكرها بحادثة أمها.
لكن لينا بصت له فجأة.
وبعدين بصت للصندوق.
وقالت
هي لازم تفتحه.
ماهر رد بسرعة
لأ.
الكلمة طلعت منه أسرع مما ينبغي.
وبنبرة أقوى مما ينبغي.
كل اللي في الأوضة سكت.
لأن ماهر كان لونه اتغير.
لينا قربت مني أكتر، وبصت له بخوف.
وبعدين أشارت للصندوق وقالت
هو مش عايزها تفتحه.
مراد لف وشه ببطء ناحية ماهر.
هو مين؟
لينا أشارت لماهر.
ماهر ابتلع ريقه.
طفلة صغيرة وبتقول كلام مش مفهوم يا حاج.
لكن مراد ما بصش له.
كان مركز مع بنته.
قرب منها على مهله، وقعد على ركبته قدامها.
وقال
نور حبيبتي.
نور كانت بتترعش.
في حاجة جوه الصندوق؟
نور بصت لأبوها.
وبعدين بصت لماهر.
ماهر خد خطوة ناحيتها.
وفي اللحظة دي، رجالة مراد وقفوا قدامه ومنعوه يقرب.
مراد رفع إيده.
محدش يقرب منه.
الصمت بقى تقيل.
مراد رجع يبص لبنته.
نور لو فيه حاجة جوا الصندوق، ورهالي.
إيد نور كانت بتترعش وهي ماسكة الصندوق.
وبعدين حصلت حاجة محدش في الأوضة كلها كان مستنيها.
نور فتحت بوقها.
وصوت ضعيف جدًا خرج منها
بابا
مراد اتجمد مكانه.
الدكاترة بصوا لبعض.
أنا حطيت إيدي على بوقي من الصدمة.
بعد سنة كاملة من السكوت
بنت مراد اتكلمت.
مراد قرب منها وعينه دمعت.
إنتِ إنتِ نطقتي يا نور.
نور ما بصتش له.
رفعت إيدها الصغيرة
وأشارت لماهر.
وبعدين أشارت لصندوق الموسيقى.
وقالت بصوت متقطع
هو هو قالّي ما أفتحوش.
مراد بص لماهر.
وشه اتغير تمامًا.
قالك إيه؟
نور بدأت تعيط.
قالّي لو فتحته بابا هيزعل وماما هتزعل مني.
ماهر صرخ
نور! إنتِ مش فاكرة حاجة! إنتِ كنتِ مصدومة بعد موت أمك!
لكن نور هزت راسها بعنف.
ولأول مرة، صوتها علي.
لأ!
وبعدين بصت لأبوها وقالت
أنا فاكرة.
مراد وقف.
فاكرة إيه؟
نور حضنت صندوق الموسيقى لصدرها.
وشهقت.
ماما ما ماتتش لوحدها.
الأوضة كلها سكتت.
حتى ماهر ما اتكلمش.
مراد قرب خطوة.
يعني إيه؟
نور بصت للصندوق.
ماما كانت بتستخبى وسمعتهم بيتخانقوا.
مراد همس
مين؟
نور رفعت عينها ناحية ماهر.
هو كان مع راجل تاني.
ماهر رجع خطوة.
مراد وشه بقى جامد.
افتحوا الصندوق.
ماهر اندفع
يا حاج، استنى! ممكن البنت تكون بتفتكر غلط
قلت افتحوه.
واحد من رجالة مراد أخد الصندوق.
حاول يفتحه.
لكن كان مقفول.
مراد بص لماهر.
المفتاح فين؟
ماهر ما ردش.
مراد كرر
المفتاح فين يا ماهر؟
ماهر فضل ساكت.
لحد ما لينا سحبت إيدي وقالت
المفتاح مش معاه.
بصينا لها.
أشارت لتحت الكرسي اللي كانت نور قاعدة عليه.
هو هنا.
واحد من الحراس نزل وبص.
ولقى مفتاح صغير ملفوف في قطعة قماش.
مراد أخده بنفسه.
دخل المفتاح في الصندوق.
ولما فتحه
ما كانش جواه لعبة.
ولا صورة.
ولا أي حاجة من الحاجات اللي ممكن نتوقعها.
كان جواه فلاشة صغيرة، ومفتاح شقة، وورقة مطوية عليها اسم مكتوب بخط سلمى.
مراد فتح الورقة.
أول ما قرأ أول سطر
وشه اتقلب.
ماهر حاول يجري ناحية الباب.
رجالة مراد مسكوه.
مراد رفع عينه من الورقة.
وقال بصوت هادي بشكل يخوف
إنت قتلت مراتي؟
ماهر بدأ يهز راسه.
والله يا حاج