مراته
مرات المليونير زقّت ابنه ناحية السلم بس الخدامة شافت اللي كل الناس كانوا عاملين نفسهم مش شايفينه
عربية الكرسي المتحرك كانت بتتزحلق في هدوء ناحية السلم الرخام، والولد آدم الشاذلي، اللي عنده تمن سنين، ماصرخش.
وده بالذات كان أكتر حاجة مريم حسن هتفضل فاكرها طول عمرها.
مش منظر الرخام الأبيض اللي كانت الشمس الصباحية بتنعكس عليه.
ولا النجفة الكريستال الضخمة اللي كانت بتلمع فوق راسهم.
ولا حتى ريحة المنظفات الغالية ومزيج الورد الأبيض اللي مالي فيلا عيلة الشاذلي، واللي كان مخليها شبه متحف فخم محدش فيه بيتنفس على راحته.
هي هتفتكر السكوت.
إيدين آدم الصغيرين كانوا ماسكين في دراعات الكرسي بكل قوته، لدرجة إن صوابع إيده ابيضّت من شدة الضغط.
عينيه الزرقا كانت مفتوحة على آخرها، ومثبتة على السلم اللي قدامه.
وفجأة
العجلة الأمامية عدّت حافة أول درجة.
مريم وقعت منها سلة الغسيل.
الملايات وقعت على الأرض واتفرشت حوالين رجليها زي راية بيضا بتعلن الاستسلام.
آدم!
جريت بكل سرعتها.
ماكانش فيه وقت تفكر.
ولا وقت تسأل نفسها الفرامل ليه سايبة.
ولا حتى وقت تحسب هتلحقه ولا لأ.
مريم رمت نفسها لقدام، ركبتها خبطت في الرخام، وكفوف إيديها اتحرقت من الاحتكاك، لكنها مدت إيديها بكل قوتها ومسكت ضهر الكرسي.
الكرسي وقف
على بُعد سنتي واحد من أول درجة.
ثانية كاملة عدّت.
محدش اتحرك.
آدم فضل باصص للسلم.
ومريم كانت حاسة بجسمه كله بيرتعش تحت إيديها.
وبعدين
ببطء شديد، لف وشه وبصلها.
ماقالش شكرًا.
ماقالش إلحقيني.
حتى ماقالش ساعديني.
بس عينيه قالت كل حاجة.
وفجأة، صوت ست هادي جدًا خرج من وراهم، لكنه كان أبرد من الرخام اللي تحت رجليهم
إيه اللي حصل هنا؟
مريم لفت.
كانت داليا الشاذلي واقفة عند مدخل الصالة.
لابسة فستان حرير بيج غالي، وشعرها الأشقر مصفف بعناية، وفي إيديها إسورة ألماس كانت بتلمع مع نور النجفة.
كانت جميلة
الجمال اللي يخليك تبص وتقول دي أكيد ست راقية.
بس مريم كانت عارفة إن فيه نوع من الجمال بيكون وراه برود يخوّف.
داليا كانت مرات ياسين الشاذلي، رجل الأعمال المشهور ومؤسس واحدة من أكبر شركات الأجهزة الطبية في مصر.
قدام الناس كانت الزوجة المثالية.
ست مجتمع.
بتحضر حفلات خيرية.
بتتصور مع الأطفال في المستشفيات.
والأهم
كانت دايمًا بتتكلم عن آدم باعتباره
ابني اللي ربيته بإيدي.
لكن مريم كانت شايفة حاجة الكاميرات عمرها ما شافتها.
شافِت اللمعة السريعة اللي عدّت في عين داليا أول ما اتأكدت إن آدم لسه عايش.
وبعدها مباشرة، ملامحها اتبدلت.
بقت ست مرعوبة على ابنها.
داليا قربت منهم وقالت
يا نهار أبيض! هو إيه اللي حصل؟
مريم وقفت وهي لسه ماسكة الكرسي.
الكرسي كان بيتحرك ناحية السلم يا هانم الفرامل كانت سايبة.
وش داليا اتقلب في لحظة.
فرامل سايبة؟
أيوه.
وإنتِ كنتِ فين؟
مريم اتوترت.
كنت في آخر الطرقة بلم الغسيل، وسمعت صوت العجلة، فجريت على طول
داليا قاطعتها بنبرة هادية بشكل يخض
يعني كنتِ سايبة الولد لوحده؟
لا يا هانم، أنا
إنتِ مسؤولة عن الدور ده كله.
وبصت لها من فوق لتحت.
غلطة واحدة كمان تحصل للولد، ومش هتكملي شغلك هنا للضهر. فاهمة؟
مريم بلعت ريقها.
لكن في اللحظة دي
لاحظت حاجة صغيرة.
آدم انتفض.
جسمه اتشد كله بمجرد ما سمع صوت داليا.
حركة بسيطة جدًا.
أي حد تاني كان ممكن ماياخدش باله منها.
لكن مريم شافتها.
ومن يومها
بدأت تبص لكل حاجة بطريقة مختلفة.
مريم كانت بتشتغل في بيوت ناس أغنيا من وهي عندها سبعتاشر سنة.
وعارفة كويس يعني إيه تكون الخدامة في بيت كبير.
عارفة إن ناس كتير من الأغنيا بيفتكروا إن العاملين عندهم مش موجودين أصلًا.
وإن الخدامة ممكن تشوف وتسمع حاجات محدش من أهل البيت يتخيل إنها لاحظتها.
مريم كانت بتلاحظ كل حاجة.
فتافيت الأكل تحت الترابيزات.
بصمات الصوابع على الكوبايات.
بقع الروج على الهدوم.
الخناقات اللي بتحصل ورا الأبواب المقفولة.
وكانت تعرف كمان تفرق بين واحدة خايفة
وواحدة بتحب تخوّف اللي حواليها.
ومن فترة
بدأت تلاحظ آدم.
الولد كان عايش في جناح لوحده في آخر الفيلا.
كل حاجة حواليه كانت غالية بشكل مبالغ فيه.
سرير مخصوص.
أجهزة علاج طبيعي.
مكتب مدرس خصوصي.
تلفزيون أكبر من أوضة مريم كلها.
وشباك واسع بيبص على جنينة ضخمة، فيها حمام سباحة وأشجار ومكان لعب.
بس آدم
ماكانش بينزل الجنينة.
ولا بيلعب.
ولا حتى بيخرج كتير من أوضته.
كان عنده كل حاجة
إلا الحاجة الوحيدة اللي الفلوس مش بتقدر تشتريها.
الأمان.
ياسين كان بيتصل مرتين كل يوم لما يكون مسافر.
وفي كل مرة تقريبًا يسأل نفس السؤال
آدم عامل إيه؟
وداليا كانت دايمًا هي اللي ترد.
كويس.
أكل؟
آه، بس شوية.
العلاج؟
الدكتور قال إن حالته محتاجة وقت.
طب هو بيتكلم؟
كانت تسكت ثواني.
وبعدين تقول
لسه بس دي مرحلة من مراحل التعافي.
وياسين كان بيصدق.
يمكن لأنه كان عايز يصدق.
ويمكن لأن تصديق كلام مراته كان أسهل بكتير من إنه يرجع البيت ويواجه الحقيقة.
لكن مريم كانت شايفة الحقيقة كل يوم.
طبق الأكل كان بيرجع زي ما هو.
وداليا تقول
معدته تعبانة النهارده.
جلسة العلاج الطبيعي تتلغي.
آدم مرهق ومش قادر.
مرة مريم لقت كدمة زرقا على دراعه.
داليا قالت بكل بساطة
خبط نفسه في طرف الترابيزة.
مريم بصت للترابيزة.
كانت مدورة من كل ناحية.
مفيهاش حتى حتة مدببة.
وفي مرة تانية
لقيت خدش أحمر حوالين رسغه.
ولما سألت، داليا قالت
هو عصبي شوية الفترة دي، يمكن خربش نفسه.
لكن أكتر حاجة كانت بتخلي قلب مريم ينقبض
إن جسم آدم كان بيتشد كل ما داليا تدخل الأوضة.
والولد اللي كان زمان بيتكلم
بقاله تقريبًا سنة كاملة مش بينطق.
الدكاترة قالوا إنه ممكن يكون عنده حالة صمت مرتبطة بالصدمة اللي حصلتله بعد حادثة العربية.
ياسين قال
ده طبيعي بعد اللي حصله.
لكن داليا كانت بتقول
هو كده أريح له.
ومريم
ماصدقتش الكلام ده يوم واحد.
بالنسبة لها، آدم ماكانش ساكت.
آدم كان خايف.
في الليلة دي، لما مريم رجعت شقتها الصغيرة في شبرا، قعدت على طرف السرير وبصت لإيديها.
ركبتها كانت وارمة.
وكفوف إيديها فيها خدوش.
وكان عندها اختيار واضح جدًا.
تمشي.
تسيب الشغل.
وتدور على بيت تاني.
كان ده التصرف المنطقي.
هي مش ناقصة مشاكل مع ناس من النوع ده.
بس المشكلة إن الشغلانة دي كانت بتدفع إيجار شقتها، وكمان بتساعد أخوها الصغير في مصاريف دراسته.
ولو داليا الشاذلي قررت تأذي سمعتها
كان ممكن تكلم أي حد وتقول إنها مهملة.
وساعتها ممكن تخسر شغلها في كل البيوت اللي بتشتغل فيها.
لكن مريم لما قفلت عينيها
ماشفِتش فلوس.
ولا إيجار.
ولا حتى مستقبلها.
شافِت كرسي آدم وهو على حافة السلم.
وبعدين شافت وشه.
الخوف اللي كان في عينيه.
والأسوأ من الخوف
إنه كان متعود عليه.
وفي اللحظة دي، مريم أخدت قرارها.
تاني يوم
وصلت الفيلا قبل الفجر.
البيت كله كان لسه نايم.
دخلت من باب الخدم، لبست مريولها الرمادي، وربطت شعرها.
وعملت نفسها زي كل يوم.
خدامة مش بتشوف.
خدامة مش بتسمع.
خدامة مالهاش دعوة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
من اليوم ده
مريم كانت بتراقب.
كل مرة تعدي جنب كرسي آدم، كانت تجرب الفرامل بإيديها.
كانت تبص على المنحدرات.
تراجع أبواب الأوضة.
تتأكد إن كرسي الحمام ثابت.
وتلاحظ مواعيد الأدوية.
وتحفظ أسماء العلب اللي موجودة في أوضته.
وبدأت تلاحظ حاجات أغرب.
فطار آدم كان عبارة عن شوفان خفيف ومية تقريبًا.
في حين إن فطار داليا كان مليان بيض وتوست وفاكهة.
وكانت داليا دايمًا تقف في مكان معين في طرقة الجناح
بالظبط قدام كاميرات المراقبة.
كأنها عارفة كويس الكاميرات شايفة إيه
وإيه اللي مش شايفاه.
لكن وسط كل ده
كان فيه حاجة واحدة مريحة مريم.
آدم كان بيثق فيها.
مش بالكلام.
هو أصلًا ماكانش بيتكلم.
لكن لما مريم كانت بتغير له الملايات، إيده كانت أحيانًا تطلع من تحت البطانية وتقرب