قال لمراته
وأدوية وإجراءات وانتظار.
ومريم بدأت تكره يوم 14 من كل شهر.
لأنه غالبًا كان اليوم اللي بتعرف فيه إنها...
لسه مش حامل.
آدم كان بيروح معاها على قد ما يقدر.
لكن المشكلة إنه ما كانش بيتكلم.
كل دكتور كان بيقول نفس الكلام
التحاليل كويسة.
مفيش سبب واضح يمنع الحمل.
اصبروا شوية.
كملوا محاولاتكم.
وفي كل مرة آدم كان يسمع الكلام ده كأنه خبر كويس.
كان يمسك إيد مريم ويقول
شايفة؟ الدكتور قال مفيش حاجة تقلق.
لكن مريم كانت بتسمع حاجة تانية خالص.
كانت بتسمع جملة ملهاش نهاية.
وكانت حاسة إن كل شهر بيعدي بياخد منها حتة.
وهي لسه مش عارفة إن بعد شهور قليلة...
آدم نفسه هيكون السبب اللي يخليها تخبي عنه أخطر سر في حياتها.
والأسوأ من كده؟
إن السر ده كان متعلق بحاجة...
ممكن تقتلها
الشجار القديم عاد ليتجسد أمامه في المستشفى كشبح مرعب. قبل ستة أشهر، وفي خضم توترها المستمر بسبب تأخر الإنجاب، كانت مريم تفتح قلبها لآدم كل ليلة، تارة تبكي وتارة تسأل عن حلول وأطباء جدد. في تلك الليلة، كان آدم غارقًا في ميزانية الشركة وتأخر تسليم أحد الأبراج، فقطع حديثها بجملة قاسية إنتِ ست زنّانة!.
تلك الكلمة اخترقت قلب مريم كالسهم. لم تكن تشكو لمجرد الشكوى، بل كانت روحها تستغيث من الألم الدفين والخوف من الفشل. ومنذ تلك اللحظة، قررت مريم أن تلجم لسانها إلى الأبد، وأن تحمل وجعها وحدها.
الفصل الأخير الحقيقة خلف الباب المغلق
في تمام الساعة السابعة صباحًا، خرج الدكتور من غرفة العناية الفائقة، وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه. وقف آدم أمامه، وكان شعره مبعثرًا وملابسه تحمل آثار ليلة أمس.
طمني يا دكتور.. مريم مالها؟
الدكتور تنهد بعمق وقال بصوت هادئ ومؤلم مدام مريم مصابة بنوع نادر وخبيث من أورام الكبد.. ووصل للأسف لمرحلة متقدمة جدًا. الجسم كان بينهار تدريجيًا. الفحوصات اللي عملتها لوحدها من ست شهور كانت واضحة، بس هي رفضت تاخد العلاج.. أو بالأصح، كانت مهملة في نفسها تمامًا.
آدم شعر وكأن أرضية المستشفى تيد تحت قدميه. همس بصوت بالكاد يُسمع ست شهور؟.. تقصد إيه؟ من وقت...
من وقت ما بدات تظهر الأعراض الحقيقية، والتعب اللي كانت بتخبيه عنك. السرطان كان بيأكل فيها بصمت، وهي فضلت ساكتة عشان خافت تفتح بقها بحاجة وتسمع نفس الكلمة تاني.
سقط آدم على الكرسي خلفه، ويداه ترتجفان بقوة. تذكر وصيتها الأخيرة قبل أن تفقد وعيها ما تقولوش لجوزي. لم تكن تخفي مرضها كرهاً فيه، بل خوفًا من نظرة العبء، ومن أن يتذكر شكواها القديمة فيراها مجددًا مجرد إزعاج.
المواجهة المؤجلة
مرت ثلاثة أيام ومريم ما زالت نائمة تحت تأثير المسكنات وأجهزة التنفس الاصطناعي. آدم لم يغادر الغرفة ولو لدقيقة واحدة. كان يجلس بجانب السرير، يمسك بيديها الباردتين، ويقبلها باكيًا بلا شروط، مكررًا كلمة واحدة بدموع الندم سامحيني.. أنا الغبي.. أنا اللي زنّيت على نفسي بالجهل والغرور.
في اليوم الرابع، فتحت مريم عينيها ببطء شديد. شعرت بضوء الغرفة الهادئ، وبوجه آدم الجالس قربها، عيناه حمراوان من البكاء ولمحيط وجهه ذقن طالت في أيام قليلة.
حاولت أن تسحب يدها بضعف، وهمست بصوت خافت متشقق آدم.. إنت.. إنت عرفت؟
أسرع آدم واحتضن رأسها برفق شديد، ودموعه تسقط على وجهها عرفت كل حاجة يا مريم.. وعرفت إني أجهل الناس باللي بحبها. أنا أسف.. والله العظيم أسف. هعمل المستحيل عشان نزرع كبد جديد، هن سافر لأبرز أطباء العالم، بس أرجعيلي.. عيشي معايا.
مريم نظرت إليه طويلاً، وظهرت على شفتيها ابتسامة خفيفة، باهتة لكنها حقيقية، وقالت بصوت بطيء أنا ما كنتش باختبئ منك عشان بكرك.. كنت بخاف أكون تقيلة عليك..
قطع كلامها بلهفة وهو يضع إصبع على شفتيها إنتِ مش تقيلة.. إنتِ الحياة كلها. ومن اللحظة دي.. أنا اللي هبقى الزنّان وراكي عشان تاخذي علاجك وتخدي حقك في الحياة.
النهاية المغلقة
بعد عام كامل، في الفيلا الخاصة بهما على طريق الإسكندرية الصحراوي، كانت أشعة الشمس تداعب الأرضية الخشبية الدافئة.
آدم يقف في المطبخ يعد القهوة بنفسه، بينما تجلس مريم على أريكة صممتها خصيصًا لتكون مريحة لظهرها، ومرتدية وشاحًا أنيقًا يخفي آثار العلاج الكيماوي الذي أنهت مرحلته الأخيرة بنجاح ملحوظ.
دخل آدم حاملاً كوبين من القهوة، وابتسم لها قائلاً المهندسة العبقرية.. السقف اللي في الصالة محتاج تعديل تاني ولا عاجبك؟
مريم رفعت حاجبها بملامحها المشاكسة القديمة وقالت طبعًا محتاج تعديل.. وإنت بخلت في الخامات تاني على فكرة!
ضحك آدم بصوت عالي، وجلس بجانبها، وضمها لصدره بحنان يعوض كل خوف السنين الفائتة.
لكن في أعماق قلبه، كان يعلم شيئًا واحدًا جيدًا المرض قد ينتهي، والجسد قد يشفى، لكن الدرس الأبدي ظل محفورًا في روحه.. أن أقوى الرجال قد يسقطون ليس بسبب ضربة عدو، بل بسبب كلمة قاسية قالوها لمن كانوا يحبونهم بصمت.