اليوم اللي ربنا رزقه فيه بـ3

لمحة نيوز

كانت ست كبيرة في السن، حوالي 84 سنة.

اسمها الحاجة زينب.

أول ما عينيها وقعت على ساعة الجيب القديمة اللي محمود لابسها، إيديها وقفت مكانها.

بصت للساعة…

وبعدين بصت لمحمود.

وقالت بصوت واطي:

—الساعة دي… كانت بتاعة عبدالرحمن السيوفي.

محمود حس بقشعريرة في جسمه.

—أيوه… ده أبويا.

الحاجة زينب فضلت تبصله وقت طويل.

وبعدين بصت للتلات أطفال اللي نايمين جنب بعض.

تنهدت وقالت:

—يبقى خلاص… الوقت جه.

مدت إيدها تحت الترابيزة، وطلعت كيس صغير مليان بذور وحطته في إيد محمود.

وبصوت كله غموض قالت:

—أبوك طلب مني أفضّل ساكت… لحد ما ولاده يكبروا وييجي يوم يكونوا فيه مهددين يخسروا الأرض.

محمود اتجمد مكانه.

—أبويا قالك إيه؟

الحاجة زينب قربت منه وقالت:

—أبوك ما كانش راجل غلبان زي ما الناس فاكرة يا ابني…

وسكتت لحظة.

—أبوك كان مخبي سر في الأرض دي… سر ممكن يغيّر حياتك وحياة ولادك التلاتة بالكامل.

​التفت محمود يميناً ويساراً، وكأن الكلمات التي نطقت بها الحاجة زينب قد توقفت في الهواء. سأل بصوت مرتبك وخافت:

—سر إيه يا حاجة زينب؟ أبويا مات فقير، وسابلي أرض ناشفة وديون تخلص على اللي ورايا واللي قدامي!

​رفعت الحاجة زينب نظرها المليء بالخبرة والتجاعيد، وابتسمت ابتسامة غامضة، ثم قالت:

—الأرض الناشفة يا ابني هي اللي بتخبي أثمن الكنوز، بس اللي يفهم لغتها. عبدالرحمن أبوك ما كانش بيحرث الأرض عشان يطلع بصل وقمح وبس.. كان بيجهزها لحاجة أكبر بكتير. خد الكيس ده، وروح بيه على البئر القديم اللي في آخر الأرض، ولما الشمس تميل للغروب، اربط مسطرة النجار في المفتاح المصدي، واعرف إن "القاعدة التانية" مش كلام مكتوب، دي طريقة حسابية تركناها أنا وهو زمان.

​قبض محمود على كيس البذور والمفتاح وكأنها طوق نجاة أخير. عاد مسرعاً إلى البيت في أطراف كفر النخيل، وقد بدأ الشك والفضول يشتعلان في صدره.

​الفصل الثالث: لغز البئر القديم

​مع حلول العصر، ترك محمود الأطفال الثلاثة نائمين في أمان داخل البيت القديم، وتوجه بخطوات سريعة نحو بئر الماء الذي انخفض منسوبه.

​وصل إلى الحافة، أخرج الدفتر الأخضر، وفتح الخريطة المرسومة بخط أبيه. أخرج مسطرة النجار المصنوعة من الخشب القديم، وربطها بالمفتاح كما أُخبر. ثم نظر إلى الشجرة اليابسة الوحيدة الواقفة بجوار البئر.

​تذكر جملة أبيه الناقصة في الدفتر: "القاعدة التانية..".

​قلب الصفحات بسرعة حتى وجد رسماً هندسياً صغيراً يوضح زاوية ميل ظلال الأشجار وقت الغروب. قاس محمود بمسطرة أبيه خطوات محسوبة بدقة على الأرض المحيطة بالبئر: "سبع خطوات شمالاً، وثلاث خطوات نحو اتجاه الريح".

​وعند الخطوة العاشرة، اصطدمت قدمه بشيء صلب تحت التراب!

​ركع على أربع، وبدأ يحفر بيديه العاريتين وبقوة شغف مذهلة، حتى ظهرت أمامه بوابة حديدية صغيرة ومسطحة، مغطاة بطبقة سميكة من الصدأ والتجويف الأرضي، وفي منتصفها قفل دائري يحمل نفس شكل المفتاح المصدي.

​الفصل الرابع: الكنز الحقيقي

​أدخل محمود المفتاح ببطء. تردد صوت احتكاك الحديد القديم في سكون الصحراء المحيطة، ثم دار المفتاح بصوت "صكّة" مكتومة.

​رفع الغطاء الثقيل بحذر، ليرتفع معه غبار سنين طويلة. وبواسطة ضوء هاتفه المحمول، نظر إلى الداخل فانبهت عيناه.

​لم يكن الصندوق مليئاً بالذهب كما تخيل البعض في الحكايات الخرافية، بل كان يحتوي على ما هو أغلى بكثير بالنسبة لمحمود:

  1. ​عقود ملكية قديمة موثقة لأراضٍ مجاورة مسلوبة، كان أبوه يحارب القضاء لسنوات لاسترجاعها قبل أن يرحل، وهي التي ستعيد عائلة السيوفي لمجدها وتلغي الديون تماماً.
  2. ​صندوق صغير من الخشب الفاخر يحتوي على براءات اختراع هندسية لتقنيات حديثة في استصلاح الأراضي الصحراوية وحصاد مياه الأمطار—وهي التقنيات التي كانت "بذور الحاجة زينب" جزءاً منها، والتي يمكنها تحويل الأرض الناشفة إلى واحة خضراء دون الحاجة لمياه النيل الوفيرة.
  3. ​رسالة شخصية بخط يد أبيه موجّهة إليه وإلى سارة، يقول فيها: "يا بني، لم أترك لك فقراً، بل تركت لك صبراً وأرضاً لا تموت إلا إذا مات أصحابها. احفظ وعدك لزوجتك، واجعل من هذه البذور جنة لأولادنا."

​الفصل الخامس: وعد العهد الجديد

​مرت السنوات السريعة، وتحولت كفر النخيل تماماً.

​بفضل براءات الاختراع المخفية وبذور الحاجة زينب وتقنيات الري الذكية، تحولت الـ 16 فداناً الناشفة إلى جنة خضراء تنتج أجود أنواع المحاصيل العضوية التي أصبحت تورد لأكبر الأسواق في القاهرة وخارجها.

​سدد محمود الديون كاملة وزيادة، ورفض كل عروض أخيه حسام لبيع شبر واحد من الأرض. وفي أحد الأيام، وقف محمود على حافة الحقل الأخضر الواسع، يحيط به أطفاله الثلاثة وهم يضحكون ويركضون بين الزرع، بينما كانت شمس غروب دافئة تنعكس على وجهه المطمئن.

​أخرج ساعة أبيه القديمة، نظر إليها مبتسمًا، وهمس بصوت تحمله الرياح الهادئة:

— وفينا الوعد يا سارة.. الولاد عِشوا في حضن الأرض، وعمرهم ما هيبعدوا أبداً.

تم نسخ الرابط