اليوم اللي ربنا رزقه فيه بـ3
في نفس اليوم اللي ربنا رزقه فيه بـ3 أطفال، الحياة خدّت منه أغلى واحدة في حياته.
عند سن 27 سنة، خرج محمود السيوفي من مستشفى المنصورة العام، شايل 3 كراسي أطفال، وكيس صغير فيه حاجات مراته.
سارة كانت لسه والدة التلات توأم، بس ما لحقتش تعيش أكتر من كام دقيقة بعد الولادة. سمعت عياط ولادها، لكن ما لحقتش حتى تضمهم لحضنها.
رجع محمود على بلدهم في كفر النخيل، في أطراف محافظة الدقهلية، وهناك كانت مستنياه حياة تقيلة أوي.
بيت قديم من الطوب اللبن، و16 فدان أرض ناشفة مليانة حجارة، وشوية معيز، وفوق كل ده ديون أبوه اللي مات وسابها وراه.
وكانت مستنياه كمان أمه، الحاجة فاطمة، اللي أول ما شافت أحفادها التلاتة، عينيها دمعت.
واحد ورا التاني وقالت لمحمود:
—إنت مش لوحدك يا ابني… طول ما أنا عايشة، ضهرك مسنود.
بس الاتنين كانوا عارفين إن البيت من النهارده فقد أكتر حاجة كانت مفرحاه.
عدّى على محمود شهور طويلة، واتعلم فيها إزاي يحضر 3 بزازات لبن في نفس الوقت، وإزاي ينام وهو قاعد من كتر ما كان خايف واحد من العيال يصحى.
بالنهار كان بينزل الأرض يشتغل فيها.
وبالليل، كان يلف حوالين سراير الأطفال الخشب اللي عملها بإيده، يطمن عليهم واحد واحد.
لكن الدنيا ما كانتش ناوية تسيبه يرتاح.
الجفاف زاد.
الزرع بدأ يموت، والبئر نزل منسوبه حوالي مترين، والمعيز بقت بتطلع لبن قليل جدًا.
وفي يوم، البنك بعتله إنذار أخير:
قدامك 30 يوم تسدد… وإلا جزء من الأرض هيتحجز ويتباع.
محمود خبّى الورقة عن أمه، لكنه ما عرفش يخبيها كويس.
الحاجة فاطمة لقتها.
قعدت قدامه وقالت بهدوء:
—بيع حتة يا ابني… العيال أهم. دول محتاجين أكل ولبس، مش أرض بتاكل بعضها.
محمود بص من الشباك على الأرض الناشفة، وافتكر آخر كلام سارة قبل ما تدخل أوضة العمليات.
كانت مسكة إيده وقالتله:
—محمود… أوعدني إن ولادنا عمرهم ما يبعدوا عن البيت ده.
من يومها، محمود حط وعده قدام عينه.
ما باعش.
لكن المصايب ما خلصتش.
بعد فترة قصيرة، الحاجة فاطمة تعبت.
الإرهاق، والضغط، وشهور طويلة كانت بتنسى فيها نفسها عشان تربي أحفادها، خلّوا صحتها تنهار.
وفي ليلة، نامت… وما صحيتش.
في أقل من سنة، محمود خسر مراته… وبعدها أمه.
بقى لوحده مع 3 أطفال، وأرض ناشفة، وديون بتخنقه.
أخوه حسام، اللي عايش في القاهرة، اتصل بيه يعزيه.
وقال له:
—يا محمود، كفاية بقى عناد! بيع الأرض دي وتعالى القاهرة. هنا تقدر تشتغل وتبدأ حياتك من جديد. إنما الأرض دي؟ مفيش منها فايدة.
محمود سكت شوية.
وبعدين قال:
—دي آخر حاجة سابها أبويا… ووعدت سارة إني مش هبيعها.
حسام اتنهد:
—إنت كده بتضيع عمرك وعيالك معاك.
محمود قفل المكالمة من غير ما يرد.
في الليلة دي، دخل أوضة أبوه القديمة.
كان كل شيء فيها زي ما سابه من سنين.
ترابيزة خشب قديمة… دولاب متهالك… وصندوق صغير مليان حاجات ملهاش قيمة.
لكن محمود افتكر درج مخفي كان أبوه دايمًا بيحذره يقرب منه.
فتحه.
ولقى جواه دفتر أخضر قديم، وخريطة مرسوم عليها جزء من الأرض، ومسطرة نجار قابلة للطي، ومفتاح مصدي متعلّق فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها:
"الخزنة".
فتح محمود الدفتر بسرعة.
كانت الصفحات مليانة رسومات غريبة:
خنادق بتلف حوالين المنحدر، وحواجز حجرية، وأشجار مرسومة في أماكن معينة.
لكن كذا صفحة كانت متقطعة ومش موجودة.
وفي آخر صفحة سليمة، لقى جملة ناقصة:
"القاعدة التانية…"
محمود فضل باصص للكلام، ومش فاهم أبوه كان مخبي إيه طول السنين دي.
تاني يوم، نزل السوق الأسبوعي ومعاه التلات أطفال.
وهو بيشتري شوية حاجات، لفت نظره ست عجوز قاعدة قدام فرشة صغيرة، بتبيع عسل، وبذور، وأعشاب بلدي.