راجل ربي 3 بنات
تحكي
سنة 2011، أيام الفوضى، مستشفى الرحمة كانت ملك لواحد من كبار رجال الأعمال في الدلتا، رجل مشهور وله نفوذ واسع. مراته ولدت ثلاث توائم بنات في ظروف خاصة وسرية، وفي نفس الليلة، للأسف، الأم عانت من مضاعفات خطيرة وماتت على السرير البيضاوي.
الاب ده كان مهتم جداً بمصالح تانية، وبميراث ضخم مرتبط بشركات عائلية مشروطة بوجود ذكور فقط، أو على الأقل عدم تشتيت التركة. وجود تلات بنات بنات بلا أم كان هيسبب له أزمة كبيرة مع عائلة مراته الثرية اللي كانت بتراقب كل خطوة، فطلب من دكتور سامح البدري شريكه وصديقه إنه يتخلص من البنات بطريقة آمنة، يعني يرميهم في أي مكان بعيد أو يودوهم ملجأ مجهول، بحيث يفضل مسجل في أوراق المستشفى إنهم اتوفوا مع أمهم ساعة الولادة.
دكتور سامح خاف على نفسه، فطلب مني أنا ونفس الممرضة نحطهم في سرير حديد في الأوضة الخلفية لحد ما نشوف هنعمل فيهم إيه الصبح بعيد عن العيون. لكن السيول والجو الرعدي عطلونا، وفجأة دخل عماد الميكانيكي!
فتح الباب، ولقى البنات، وشافنا ونحن بنتكلم. عماد كان راجل شريف جداً، رفض يسبهم، وفضل واقف زي الحارس العظيم لحد ما دخلت الجهات الرسمية، وبما إن دكتور سامح كان خايف الفضيحة تتفضح وتوصل للرجل البارز، سابوا الإجراءات تمشي بهدوء، واعتمدوا إن مفيش حد هيسأل، وإن عماد راجل غلبان هيربيهم لوحده، والملفات اتزورت تماماً في السجلات الرسمية على إنهم أطفال مجهولين تم العثور عليهم في الشارع، وتنسوا تماماً.
طب وإيه اللي فكركم بيهم دلوقتي؟! سألها المحقق بطبرة صارمة.
دمعت عين دولت بوجع مصطنع وقالت
الرجل البارز ده مات من شهرين وساب وصية غريبة. قبل ما يموت، اعترف لأولاده الشرعيين الحقيقيين إن عنده ثلاث خوات بنات توم عايشين، وساب لهم جزء ضخم من ثروته الشرعية لازم يوصلهم شخصياً، وكتب في الوصية أكواد ورموز مرتبطة بأساور الأطفال اللي اتولدت بيها كل بنت م س يعني ملك وسلّمى ونور السناوي أو بالحروف الحقيقية للتوائم.
أنا كنت مراقبة عماد لأني كنت خائفة يفضحنا لو عرف القصة الكاملة، ولما حسيت إنه بدأ يقفل الورشة ويطفي النور بدري، فهمت إنه عرف أو حاسب إن فيه خطر بيحيط بالبنات من عيلة الأب الحقيقي اللي بدأوا يدوروا عليهم عشان ياخدوا الورث أو عشان ينهوهم خالص عشان الميراث ما يتقسمش!
ليلة المواجهة الأخيرة
في نفس الوقت، في بيت عماد، كانت الأجواء مشحونة.
عماد كان قاعد على الكرسي، وملك ونور بيطمنوا عليه. الجرح في جنبه ما كانش خطير، والدكتور طمنهم. أما سلمى فكانت نايمة على السرير، بتسترد عافيتها بعد المهدئ.
ملك بصت لأبوها بعيون مليانة دموع، وقالت بصوت مهتز
يا بابا دولت دي قالت كلام كتير وإحنا مربوطين. قالت إنك مش أبويا البيولوجي، وإننا بنات ناس تانيين وإنك ضحيت بعمرك كله عشان تحمينا. ليه خبيت علينا كل ده؟ ليه ما قلتلناش؟!
عماد رفع راسه، وبص لبناته الثلاثة نظرة مليانة حب وعطف، وقال بصوت دافئ رغم التعب
يا ملك يا نور يا سلمى.
الأبوة مش بالدم ولا بالجينات المكتوبة على ورق. الأبوة باللي سهر عشانكم والحرارة عالية، واللي اشتغل بإيده المجروحة عشان يلبسكم أحسن لبس، واللي كان بيخاف عليكم من نسمة الهوا. أنا ما كنتش خايف من الفلوس ولا من الميراث أنا كنت خايف عليكم أنتم. اليوم اللي دخلت فيه عيادة الرحمة وشيلتكم من وسط المية، أنتوا صُرتوا روحي التانية. لو رجع بيا الزمن 100 مرة، هعمل نفس اللي عملته، وهقفل الورشة بدري، وهحميكم بروحي.
نور، اللي طول عمرها دماغها ناشفة وقوية، نزلت دموعها لأول مرة بغزارة، وجريت حضنت أبوها جامد وقالت
أنت أبونا وأمونا وكل الدنيا لينا! واللي يمسك بكلمة هنموته بإيدينا!
سلمى فتحت عينها ببطء على صوت أختها، وابتسمت وهي نايمة مكانها، ومدت إيدها الصغيرة تمسك كف أبوها الخشن المليان شحوم الميكانيكا، وقالت بصوت ضعيف
أنا مش عايزة فلوس ولا ميراث أنا عايزة أفضل باقية في حضن الراجل العظيم ده.
الخاتمة المغلقة
بعد أسبوعين من التحقيقات، النيابة أصدرت قرارها النهائي.
تم القبض على دكتور سامح وكل المتورطين في تزوير الأوراق سنة 2011، وتم تأمين أسرة عماد بالكامل بقوة الشرطة لحد ما استقرت الأمور. أما عائلة الأب الحقيقي المتوفي، فحاولت التواصل مع البنات عشان تعوضهم وتديهم نصيبهم الشرعي الضخم في التركة، لكن البنات الثلاثة رفضوا مقابلة أي حد منهم تمامًا.
وفي ليلة هادية من ليالي الشتاء، رجع المطر ينزل بغزارة على أطراف المنصورة.
لكن المرة دي، لم يكن هناك خوف ولا ظلام.
ورشة عماد كانت منورة كالعادة، وبابه مفتوح للدفء والأمان.
عماد كان قاعد في النص، وحوله ملك ونور وسلمى بيضحكوا بصوت عالي، بيجهّزوا كوبايات الشاي الساخن، بينما عماد بيعدل لملك ضفاير شعرهابسخرية وحب زي كل يوم.
السر اللي استمر 15 سنة انكشف، لكن الحاجة الوحيدة اللي ما تغيرتش أبدًا
إن عماد كان وهيظل هو الأب الحقيقي الوحيد في الدنيا دي كلها.