الشغاله بتلم الاكل
هو عمل أكتر من كده.
حسيت قلبي اتقبض.
وسألتها:
– يعني إيه؟
بصت على أمها المريضة...
وبعدين رجعت بصتلي.
وقالت:
– الحادثة دي ما كانتش حادثة يا أستاذ هاني...
كانت متدبرة.
وأبويا مات...
لأنه عرف مين اللي دبّرها.
عادت كلماتها تتردد في أذني كصواعق رعدية. الحادثة لم تكن صدفة؟ وأبوها مات لأنه عرف الفاعل؟
وقفتُ عاجزاً عن النطق، بينما ساد صمت ثقيل في الغرفة الصغيرة، لم يقطعه سوى صوت أجهزة الأكسجين وهي تتنفس ببطء إلى جوار الأم المريضة.
تقدمت أمينة بخطوات بطيئة نحو خشبية قديمة في ركن الغرفة، وطلعت منها بصندوق معدني صغير ومغبر. فتحته وأخرجت منه دفتراً جلدياً قديماً، تبين لي من النظرة الأولى أنه يعود لمذكرات شخصية، وشرائط تسجيل صغيرة كاسيت.
اعترافات من الماضي
مدت أمينة الدفتر إليّ وقالت بصوت مكسور:
"أبويا، محمود، ما كانش مجرد عابر سبيل أنقذ حياتك يا أستاذ هاني. كان السائق الخاص بتاع عمك المرحوم... والراجل اللي كان عارف كل خبايا وأسرار شركات السيوفي قبل ما تتوسع."
فتحت الدفتر، وكانت العصفات الأولى تتحدث عن تاريخ الحادثة بالتحديد: "15 مارس".
قرأت السطور بتمعن وعيناي تتوسعان رعباً:
الدليل المكتوب بخط يد عم محمود كان يثبت بالдоказаات القاطعة أن تعطل مكابح سيارتي الفاخرة ذلك اليوم لم يكن عطلاً ميكانيكياً، بل كان عملية اغتيال مدبرة بليل من قِبل أقرب الناس إليّ... شريكي القديم، الذي أصبح اليوم النائب الأول لرئيس مجلس الإدارة، ويدعى "سليم المراكبي".
سليم! الرجل الذي شربت معه القهوة صباح اليوم ذاته، والذي كان يبتسم في وجهي طوال عشرين سنة من الشراكة والنجاح الظاهري.
التفتُّ نحو أمينة وأنا أكاد أجن:
"وأبوكي؟ إيه اللي حصل له بعد ما أنقذني؟"
نزلت دمعة حارة على خد أمينة وهي ترد:
"يوم الحادثة، لما سحبك من العربية قبل ما تنفجر، شاف وش السائق التاني وهو بيجري وهורب بالعربية اللي دبرت الحادث. أبويا حاول يبلغ الشرطة في نفس الليلة، لكنهم اتقبضوا عليه بتلفيق تهمة رشوة وفساد دمرت سمعته وسجنته سنين، ولما طلع... طلع مكسور ومريض بالقلب، ومات قهراً وهو بيدور على حقه وحقنا، وسابني أنا وأمي وأخواتي الصغيرين في المذلة دي."
نقطة التحول: هجوم الذاكرة والانتقام
في تلك اللحظة، شعرت ببركان يثور داخلي. كل الإمبراطورية التي بنيتها، وكل الأموال التي أملكها، بدت لي تافهة أمام الحقيقة العارية. رجل ضحى بسمعته وحياته وعائلته لكي أبقى أنا حياً، بينما كنت أنا أنظر إلى ابنته باحتقار لأنها تأخذ بواقي الطعام!
شعرت بخزي عميق أحرق صدري.
نظرت إلى أمينة وقلت بحزم، وقد عادت إليّ هيبة "هاني السيوفي" القديمة ولكن بروح جديدة كلياً:
"أمينة... أبوكي ما ماتش هباءً. وحقكم راجع، اليوم قبل بكره."
في الحال، أخرجت هاتفي واتصلت بمحاميّ الخاص، وكبريات وكالات الأمن والقانون التي أتعامل معها، وأعطيتهم أمراً صارماً لا تقبل النقاش:
- فتح ملف قضية حادثة السيوفي القديمة من جديد وبشكل سري وفوري.
- تجميد كافة أصول سليم المراكبي في الشركة والتحفظ على مستندات الحسابات البنكية الخاصة به خلال الساعات الأربع والعشرين القادمة.
- تخصيص فريق طبي عالمي لنقل والدة أمينة فوراً إلى أفضل مستشفى في القاهرة لتلقي العلاج اللازم، وتأمين مستقبل الأطفال الثلاثة بالكامل.
المواجهة الكبرى
بعد مرور أسبوع واحد فقط، كان الطوق يضيّق على سليم المراكبي. تم تقديم المستندات الأصلية التي جمعها المرحوم "محمود" والتي كانت مخبأة بعناية فائقة في الدفتر الجلدي إلى النيابة العامة برفقة شهادات موثقة.
تم القبض على سليم متلبساً بتزوير عقود ومستندات تدينه في قضية الشروع في القتل والتلاعب بأموال الشركة، وذلك خلال اجتماع مجلس الإدارة الذي كان يخطط فيه للاستيلاء على النصيب الأكبر من أسهمي.
في ذلك اليوم، دخلت قاعة الاجتماعات الكبرى في برجين السيوفي، وعيوني تطالع سليم وهو مقيد بالحديد بين أفراد الشرطة. نظر إليّ بنظرة مليئة بالرعب والخزي، ولم أطق حتى أن أنطق بكلمة واحدة أمامه. أشرت فقط للحرس بإخراجه.
بداية جديدة
بعد مرور شهر...
أصبحت الفيلا الخاصة بي مختلفة تماماً. لم تعد مكاناً فارغاً وبارداً يعج بالموظفين والأغراب.
أمينة لم تعد تضطر لحمل أكياس الطعام القديمة، بل أصبحت المدير التنفيذي لمؤسسة "السيوفي للخير والتنمية"، وهي جمعية ضخمة أنشأتها خصيصاً لرعاية أسر الشهداء والمهمشين والعمال الذين ضحوا بحياتهم من أجل الآخرين، وتديرها بكل كفاءة وأمانة.
أما والدة أمينة، فقد تماثلت للشفاء، وعادت الابتسامة تملأ وجوه الأطفال الثلاثة الذين أصبحوا يرتادون أفضل المدارس.
في أحد الأمسيات الهادئة، كنت واقفاً في حديقة الفيلا أنظر إلى السماء الصافية، وشعرت بيد حانية تضع على كتفي. التفتُّ لأرى أمينة تبتسم لي وبيدها كوب قهوة، وقالت:
"تشرب قهوة يا أستاذ هاني؟"
أخذت الكوب وأنا أبتسم، ورددت عليها بامتنان لا يمكن لوصف أن يترجمه:
"قولي لي يا أمينة... بعد كل اللي حصل، لسه شايفة إن الناس اللي ز زيي ما بيشوفوش حد؟"
ضحكت بصوت هادئ وقالت:
"الناس يمكن لأ... بس أنت يا هاني، ربنا بعت لك النور في آخر النفق."
نظر كل منا إلى الآخر، ونحن نعلم أن الوفاء لا يُمحى بالزمن، وأن أطهر القلوب غالباً ما تختبئ تحت أبسط الثياب.