الشغاله بتلم الاكل
كنت كل ما أشوف الشغالة وهي بتلم بواقي الأكل من بيتي وتحطها في أكياس عشان تاخدها معاها، كنت ببصلها باحتقار. كنت فاكرها ست طماعة ومبتستحيش... لحد اليوم اللي قررت أمشي وراها، واكتشفت إنها بتقسم كل لقمة على ست مريضة طريحة الفراش وتلات أطفال جعانين. لكن الصدمة الحقيقية كانت لما عيني وقعت على صورة قديمة معلقة على الحيطة، وساعتها عرفت إن أبوها هو نفس الراجل اللي خاطر بحياته زمان عشان ينقذ حياتي.
اسمي هاني السيوفي.
في القاهرة، الناس كانت تعرفني إني واحد من أكبر رجال الأعمال، وصاحب سلسلة فنادق مشهورة. راجل مكالمة تليفون واحدة منه كانت كفاية تغيّر شكل منطقة كاملة.
لكن جوه الفيلا بتاعتي... بالكاد كنت باخد بالي من الست اللي بتنضف البيت كل يوم.
أمينة كانت بتيجي قبل الفجر، تشتغل من غير ما تشتكي، وتمشي قبل المغرب وهي شايلة شنطتين قدامها، باين عليهم الاستهلاك من كتر الاستخدام.
في مساء من الأيام، قررت أخيرًا أسألها:
– إيه اللي في الشنط دي؟
ردت بهدوء:
– حاجات تخصني يا بيه.
الشنطة الأولى كانت مليانة أكل.
والتانية كانت مليانة ملفات وأوراق مستشفى.
قلت لها وأنا ببص للشنط:
– بقالك فترة بتاخدي حاجات من بيتي.
بصتلي، ولأول مرة شفت غضب مستخبي ورا سكوتها.
قالت:
– والله يا أستاذ هاني، عمري ما سرقت منك حاجة.
قلت:
– أمال وريني.
شدت إيديها على الشنط أكتر.
وقالت:
– لأ.
الكلمة كانت هادية... لكنها صدمتني.
أنا متعودتش حد يقولي "لأ".
شالت الشنط ومشيت.
كان المفروض أثق فيها.
لكن بدل كده...
مشيت وراها.
ركبت ميكروباص ساب المناطق الراقية والكمباوندات، ودخل بين شوارع قديمة، محلاتها نورها خافت، ومية المطر مالية الحفر في الأسفلت.
نزلت قدام عمارة قديمة.
استنيت كام دقيقة...
وبعدين طلعت وراها.
باب الشقة في الدور التاني كان موارب.
ومن بره سمعت صوتها.
كانت بتقول:
– الحمد لله... المستشفى وافقت على طلب العلاج. يمكن أخيرًا نقدر نبدأ العلاج.
سمعت صوت ست كبيرة بتكح.
وسألتها:
– وصاحب الشغل؟
أمينة سكتت لحظة...
وبعدين قالت:
– فاكر إني بسرق منه.
اتقبض فكي من اللي سمعته.
لكنها كملت وقالت:
– الناس اللي زي أستاذ هاني... عمرهم ما بيشوفوا الناس اللي زينا، إلا لما يفتكروا إننا خدنا منهم حاجة.
الجملة دي كسرتني أكتر من أي خسارة اتعرضتلها في شغلي.
بصيت من فتحة الباب.
لقيت أمينة قاعدة جنب ست هزيلة موصلة بجهاز أكسجين.
وحواليها تلات أطفال قاعدين على ترابيزة صغيرة، وهي بتقسم العيش والشوربة بينهم بالتساوي.
الملفات اللي في الشنطة كانت أوراق علاج.
والأكل... كان بواقي الأكل اللي الشيف بنفسه كان سامح لها تاخده بدل ما يترمي.
أنا مشيت وراها وأنا متأكد إني همسكها متلبسة.
لكن اللي لقيته...
كان تضحية.
وفجأة، عيني وقعت على صورة قديمة باهتة معلقة على الحيطة.
فيها راجل واقف جنب عربية مقلوبة، هدومه كلها تراب ودم، وحاضن شاب مصاب في العشرينات.
اتجمدت مكاني.
الشاب اللي في الصورة...
كان أنا.
افتكرت الدخان.
وإزاز العربية المكسور.
والراجل الغريب اللي سحبني من العربية قبل ما تنفجر بثواني.
واختفى قبل حتى ما أعرف اسمه أو أشكره.
قربت من الصورة.
الأرضية صرخت تحت رجلي.
أمينة لفت بسرعة.
وشها اتجمد من الصدمة.
وقالت:
– حضرتك... بتعمل إيه هنا؟
شورت على الصورة.
وقلت:
– الراجل ده... هو اللي أنقذ حياتي.
قامت واقفة بالراحة.
وقالت بصوت واطي:
– لأ...