القعيد
قلت وأنا مش فاهمة:
ـ حضرتك... أنا مش مستوعبة.
قال من غير تردد:
ـ هكتب كل حاجة باسم ابنك... الشركات... الأراضي... الفيلات... كل ثروتي.
الجنايني وقف مكانه.
والست اللي كانت بترتب الفوط وقعت الحاجة من إيديها.
حتى المحامي اللي كان واقف عند باب الفيلا وشه اصفر.
لكن آدم عقد حواجبه وقال بهدوء:
ـ أنا مش عايز فلوسك.
الأستاذ عادل اتجمد.
وسأله:
ـ أمال عايز إيه؟
آدم بصله في عينه وقال:
ـ عايزك تقول الحقيقة.
وفجأة...
الجنينة كلها سكتت.
الأستاذ عادل ساب إيد آدم بالراحة.
وقال بصوت مهزوز:
ـ حقيقة إيه؟
آدم شاور على الجناح الشرقي المقفول في آخر الفيلا.
وقال:
ـ الحقيقة بتاعة الست اللي كل ليلة بسمعها بتعيط من ورا الباب ده.
وش الأستاذ عادل فقد لونه تمامًا.
وفي نفس اللحظة...
طلع من الجناح المقفول...
ثلاث خبطات بطيئة على الباب.
والأستاذ عادل همس باسم...
أول مرة أسمعه في حياتي.
ساد صمت جنائزي في أرجاء الجنينة، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت حفيف أوراق الشجر الذي بدا وكأنه نذير شؤم. لم يلتفت أحد، كانت الأنظار كلها معلقة بذلك الباب الخشبي العتيق في الجناح الشرقي.
قال الأستاذ عادل بصوت بالكاد يُسمع، وكأنه يخرج من أعماق بئر سحيقة: **"سعاد..."**
فجأة، فُتح الباب ببطء شديد، وخرجت منه سيدة في أواخر الخمسينيات، تبدو وكأنها خارجة من زمن آخر. كانت ترتدي ملابس رثة، وشعرها الأبيض كان مصففاً بفوضى، لكن نظراتها كانت حادة، تخترق الأستاذ عادل وتستقر على جسده المتهالك في الكرسي المتحرك.
تراجعتُ أنا بخطوات لا إرادية، بينما ظل آدم واقفاً في مكانه، صامداً بشجاعته الفطرية.
تحدثت سعاد بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة: **"كنت أعلم أنك ستعجز في النهاية عن تحمل الصوت يا عادل. كنت أسمع نحيبك كل ليلة من خلف الجدران، وكنت أظنه ندمًا... لكنه كان خوفًا من المجهول فقط."**
التفت عادل إلينا، كانت عيناه تائهتين، وقال بنبرة مكسورة: **"هذه زوجتي الأولى، التي أخفيتها عن العالم منذ ثلاثين عامًا. الجميع يظن أنها ماتت في حادث، والحقيقة أنني أنا من قتلت روحها... حبستها هنا، بعيداً عن أضواء الشهرة والمال، لأنها كانت الوحيدة التي تعرف كيف كونت ثروتي من دماء المظلومين."**
شهقتُ، وشعرتُ بدوار شديد. اتضح أن الجناح الشرقي لم يكن مخزناً للأسرار، بل كان سجناً ذهبياً لضمير عادل المنشاوي.
اقتربت سعاد من آدم، انحنت بجسدها الهزيل، ومسحت على شعره بابتسامة حزينة، ثم نظرت إلى الأستاذ عادل وقالت: **"هذا الطفل لم يطلب ثروتك يا عادل، هو طلب الحقيقة. واليوم، وبعد ثلاثين عاماً من الصمت، سأعطيه الحقيقة كاملة."**
أخرجت سعاد من جيبها الصغير "دفتر حسابات" قديماً، وقالت للحاضرين الذين تسمروا في أماكنهم: **"هنا قائمة بكل الأرواح التي أُهدرت من أجل هذا الكرسي الذي يجلس عليه. ليس المال هو ما يثقل كاهله، بل هذه الأوراق."**
في تلك اللحظة، اتخذ آدم خطوة غير متوقعة. سحب يد سعاد ويده الأخرى، ووضعهما في يد عادل المرتجفة.
قال آدم ببراءة قاسية: **"عمو عادل... الفلوس اللي كنت عايز تديهالي، وزعها على الناس اللي اسمائهم في الكتاب ده. واطلب منهم يسامحوك. لو عملت كدة... رجلك ممكن متخفش، بس قلبك هيقدر ينام من غير ما يعيط."**
نظر عادل إلى الدفتر، ثم إلى سعاد، ثم إلى ابني. سقطت من عينه دمعة أخيرة، ليست دمعة عجز هذه المرة، بل كانت دمعة تطهير. أشار للمحامي المذهول بيده: **"نفذ ما قاله الصغير. كل قرش... كل سهم... كل عقار... يُرد لأصحابه أو لأسرهم."**
مرت شهور على تلك الحادثة. الفيلا التي كانت مليئة بالبرودة والرهبة تحولت إلى مؤسسة خيرية كبرى تديرها سعاد بنفسها. الأستاذ عادل المنشاوي، الرجل الذي كان يخشاه الجميع، أصبح يخرج كل صباح في كرسيه المتحرك ليجلس مع العمال والمحتاجين، لا كصاحب عمل، بل كـ "خادم" يحاول تكفير ذنوبه.
أما آدم؟ فقد ظل هو صديقه الصغير. لم يملك يوماً قصراً أو ثروة، لكنه امتلك شيئاً أغلى بكثير: امتلك "الحقيقة" التي حررت رجلاً من سجنه، وأعادت لامرأة حياتها، وجعلتني أنا، كأم، أعرف أن الطفولة هي الميزان الوحيد للحق في عالم أضاع بوصلته.
رحل عادل بعد عامين، وبموجب وصيته، لم يترك لآدم مالاً، بل ترك له مفتاح ذلك الجناح الشرقي، ورسالة واحدة مكتوبة بخط يده:
> "إلى آدم... لقد علمتني أن أثمن ما يملكه الإنسان ليس ما يتركه في البنوك، بل ما يتركه في قلوب الآخرين. لقد وهبتني الحياة التي كنت أستحقها في أيامي الأخيرة."
>
عشتُ بعدها في تلك الفيلا، ليس كخادمة، بل كحارسة لذكرى رجلٍ عرف أخيراً كيف يكون "إنساناً".