بعد 3 ايام جوزي سما سامح
بعد 3 أيام جواز، جوزي ركل السفرة وقال: "الست ما بتمشيش غير بالضرب". أنا لا عيطت ولا خفت... طلعت موبايلي، شغلت التسجيل، وقلتله: "ممكن تعيد اللي قلته؟". ولما سمع تسجيل بصوت أمه، مكانش يعرف إن اللي مستنيه تاني يوم هيقلب حياته كلها.
الجزء الأول
"في البيت ده، مرتبك هيتحول ليا، والأكل يبقى جاهز أول ما أدخل، ولسانك يبقى جوه بقك. ولو منفعتش بالكلام... يبقى الضرب هو اللي هينفع."
قالها كريم بعد تلات أيام بس من كتب كتابنا، وفي نفس اللحظة ركل سفرة الأكل برجله.
الأطباق اتكسرت واتناثرت على الأرض، الرز اترمى في كل حتة، وصينية المحشي قلبت على البنطلون بتاعي. حتة من الطبق المكسور خبطت كاحلي، لكني ما اتحركتش.
كنت لسه ماسكة الشوكة، وببص للشخص اللي من أسبوع واحد بس كان بيناديني: "يا روح قلبي".
كريم كان وشه محمر من الشرب والعصبية.
قال وهو بيشاور بإصبعه:
"أمي قالتلي من الأول... الست لازم تعرف مقامها. مرتبك هينزل في الحساب اللي هي بتراجعه، وإنتِ اللي هتصرفي على البيت، وتصحي الساعة ستة تعمليلي الفطار، ولما أرجع من الشغل ألاقي الأكل سخن والبيرة جاهزة. ولما أتكلم... إنتِ تسكتي."
حطيت الشوكة بهدوء على الطبق الوحيد اللي لسه سليم.
وبصيتله وقلت:
"ولو معملتش كده؟"
اتقدم ناحيتي خطوة، وقال وهو بيجز على سنانه:
"ساعتها هربيكي من أول وجديد."
في اللحظة دي بس استوعبت الحقيقة...
الراجل الهادي اللي كان بيفتحلي باب العربية، ويستأذن قبل ما يمسك إيدي... عمره ما كان موجود.
كان بيلعب دور وبس.
وأمه، الحاجة سعاد، هي كمان كانت بتمثل. كل مرة كانت تقعد معايا تسألني بقباحة: "مرتبك كام؟"، "هتخلفي إمتى؟"، "أهلك جابوا إيه في الجواز؟"
وكل مرة كريم كان يقوللي:
"استحمليها... بعد الجواز هنعيش بطريقتنا."
طلع بيضحك عليا.
بصيت على طقم الصيني اللي أمي جابتهولي هدية وأنا بجهز شقتي...
وقفت...
وفجأة...
ضحكت.
كريم اتجنن.
"إنتِ بتضحكي على إيه؟!"
ابتسمت وقلت بمنتهى الهدوء:
"على إنك عمرك ما سألتني أنا شغالة إيه في مركز الشباب."
قبل حتى ما يستوعب قصدي، هجم عليا عشان يمسك دراعي.
لفيت إيدي بحركة واحدة، فكيت قبضته، وبحركة سريعة فقد توازنه واترمى على الترابيزة اللي جنب التلفزيون.
فضل باصصلي وهو مش فاهم...
إزاي واحدة أقصر منه وقعتّه بالسهولة دي.
قام وهو بيزعق، وخطف كرسي.
"أنا هعرفك يعني إيه تحترمي جوزك!"
اتحرك بالكرسي ناحيتي...
لكن تفاديه كان أسهل مما يتخيل.
أنا بلعب كاراتيه من وأنا عندي سبع سنين، وبعدها اتعلمت كيك بوكسينج وأنا في الجامعة.
دلوقتي أنا حاصلة على الحزام الأسود، ومدربة دفاع عن النفس، وبعلم البنات كل يوم إزاي يخرجوا من مسكات أخطر من اللي حاول يعملها.
في أقل من ثانيتين...
سحبت الكرسي من إيده، وثبتّه على الأرض من غير ما يقدر يتحرك.
طلعت موبايلي، وشغلت تسجيل الصوت.
وقلتله وأنا ببص في عينه:
"يلا... عيد كل كلمة قولتها. وقول مين اللي علمك إن ضرب مراتك حاجة عادية."
في الأول فضل يشتم ويهدد.
لكن لما عرف إنه مش هيعرف يقوم...
اتكلم.
قال وهو بينهج:
"أمي... أمي هي اللي قالتلي أخد بطاقتك، وأتحكم في فلوسك... ولو رفضتي، أضربك لحد ما تسمعي الكلام."
طلعت موبايله من جيبه.
كانت آخر محادثة مع "أمي" مفتوحة.
دست تشغيل على آخر رسالة صوتية.
وامتلت الشقة بصوت الحاجة سعاد وهي بتقول:
"من النهارده تحطها عند حدها يا كريم... ولو نطقت، اضربها. وأنا جاية بكرة الصبح أشوف ربيتها ولا لسه."
قفلت التسجيل...
وبصيتله بابتسامة هادية.
وقلت:
"حلو أوي..."
"يبقى بكرة لما أمك تيجي... هتشوف العرض اللي كانت مستنياه."
لون وش كريم اتغير فجأة...
وساعتها... مكانش عنده أي فكرة إن اليوم اللي بعده هيكون بداية نهايته.
ليلة كاملة، كريم ما غمضلوش جفن.
وأنا كنت قاعدة في أوضة الضيوف، قافلة الباب عليا، وبراجع كل تسجيل وكل رسالة صوتية، وبنسخهم على أكتر من مكان.
على الموبايل...
على اللاب...
وعلى إيميل خاص بيا.
واتصلت بزميلتي في المركز.
قلت لها:
"لو مبعتلكيش رسالة الساعة عشرة الصبح... افتحي الإيميل اللي هيوصلك دلوقتي وروحي بيه القسم."
قالت من غير ما تسأل:
"تم."
...
تاني يوم...
الساعة تسعة إلا ربع.
سمعنا خبط جامد على الباب.
الحاجة سعاد دخلت من غير حتى ما تستنى حد يأذن لها.
بصت حواليها وقالت وهي بتبتسم بشماتة:
"ها... ربيتها يا كريم؟ ولا لسه محتاجة شغل؟"
كريم حاول يضحك.
لكن إيده كانت بترتعش.
أنا خرجت من المطبخ بكوباية قهوة.
وحطيتها قدامها.
وقلت بابتسامة:
"اشربي الأول... لأن اللي هتشوفيه دلوقتي هيخليكي تنشفي."
قالت وهي بتبصلي باحتقار:
"إنتي لسه لسانك طويل؟"
فتحت التلفزيون.
ووصلت الموبايل بالشاشة.
وفجأة...
اشتغل التسجيل.
صوت كريم وهو بيقول:
"أمي قالتلي آخد مرتبها... ولو رفضت أضربها."
بعده مباشرة...
اشتغل صوت الحاجة سعاد:
"لو نطقت... اضربها."
الابتسامة اختفت من وشها.
قامت بسرعة.
"قفلي الزفت ده."
قلت:
"لسه."
وشغلت تسجيل تالت.
كان من أيام الخطوبة.
كنت مسجلة صدفة مكالمة بيني وبين كريم، وفي آخرها نسي يقفل الخط.
وصوته هو وأمه واضح.
"اطمن يا ابني... أول ما الجواز يتم هنخلي كل حاجة باسمنا واحدة واحدة."
سعاد صرخت:
"دي كانت بتتجسس علينا!"
قلت بهدوء: