عمل نفسه نايم سما سامح

لمحة نيوز

تتراجع للخلف خوفاً من نظراته. قال بصوت منخفض أشبه بفحيح الأفعى، ولكنه يهز الجدران
البيت ده بيتي أنا.. والاسم اللي بتتكلمي عنه أنا اللي عملت قيمته في السوق بعد ما أبويا مات وساب ديون. مريم وبنتها هنا بأمري، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل.. فريدة، اتفضلي بره قصري حالا، ومن غير مطرود.
فريدة شهقت من الصدمة، وبكت وهي تجري نحو السلم أنت بتطردني عشان شغالة يا يوسف؟ ماشي!
هدى هانم نظرت لابنها بنظرة مليئة بالغل والتهديد ماشي يا يوسف.. أنت اخترت الوساخة على أهلك وناسك. متزعلش بقى من اللي هيحصل، أنا مش هسيب واحدة من الشارع تلوّث اسمنا وتاخد ابني. واستدارت ولحقت بفريدة.
الفخ والمؤامرة
مرت ثلاثة أيام.. الأجواء في القصر كانت أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة.
يوسف حاول بكل الطرق أن يطمئن مريم، وبدأ يقضي وقتاً أطول مع ليلى، يشتري لها الألعاب ويملأ القصر بضحكاتها، ومريم بدأت تشعر لأول مرة بأن هناك ضهراً يحميها في هذه الدنيا.
لكن العاصفة لم تتأخر.
في يوم الخميس، كان يوسف في اجتماع مجلس إدارة طارئ في وسط البلد، وتليفونه كان صامتاً.
في هذه الأثناء، اقتحمت هدى هانم القصر مجدداً، ولكن هذه المرة لم تكن بمفردها.. كان معها ضابط شرطة واثنين من أمناء الشرطة، وبصحبتها فريدة.
دخلوا مباشرة نحو الجناح الشرقي حيث كانت مريم تنظف الأوضة وليلى تلعب بجانبها.
صرخت فريدة وهي تشير بإصبعها نحو مريم هي دي يا فندم! الشغالة دي هي اللي كانت بتنظف أوضة مامي هدى، والنهاردة الصبح مامي اكتشفت إن العقد الألماث الحر اللي تمنه 5 مليون جنيه اختفى من الخزنة، ومفيش حد دخل الأوضة غيرها!
مريم وقعت الفوطة من إيدها، ودمها هرب تماماً، نزلت على ركبها وهي تبكي برعب والله العظيم ما أخدت حاجة! أنا عمري ما مديت إيدي على حاجة مش بتاعتي! يا بيه حرام عليكوا أنا عندي ولايا!
الضابط ببرود فتشوا الشنطة بتاعتها اللي هناك دي يا عسكري.
العسكري توجه نحو حقيبة مريم القماشية القديمة، قلب محتوياتها على الأرض.. وفجأة، سقط وسط الملابس علبة مخملية سوداء. فتحها الضابط ليظهر عقد ألماث يبرق تحت أضواء الغرفة!
فريدة صرخت بانتصار أهو! الحرامية أهي! شفتوا؟
مريم صدمت، وبدأت تصرخ بهستيرية وتلطم على خديها والله ما بتاعي! ده محطوط لي! يوسف بيه عارف إني شريفة.. اتصلوا بيوسف بيه!
هدى هانم بابتسامة خبيثة يوسف بيه مش هينفعك يا شاطرة.. خدوها على البوكس، والبنت دي ودوها ملجأ رعاية لغاية ما نشوف موضوعها.
ليلى بدأت تبكي وتصرخ وهي تشد في لبس أمها ماما.. ماما! وأمناء الشرطة يمسكون بمريم ليقيدوا يديها بالحديد.
كشف المستور
في هذه اللحظة بالذات، انفتح باب الجناح الشرقي بقوة، ودخل يوسف الجارحي وهو يلهث، وخلفه نهى مديرة مكتبه. كان قد تلقى رسالة عاجلة من أمن القصر وسابق الريح بسيارته.
استنى عندك يا حازم بيه! يوسف صرخ في الضابط الذي كان صديقاً قديماً للعائلة.
الضابط حازم يوسف.. أنا آسف، بس لقينا المسروقات في شنطتها متلبسة.
هدى هانم تقدمت بثقة شايف يا يوسف؟ دي الأصول اللي كنت بتدافع عنها؟ أهي طلعت حرامية ووسخت شرف بيتك.
يوسف لم ينظر لأمه ولا لفريدة، بل توجه مباشرة نحو مريم التي كانت منهارة على الأرض، ونزل في مستواها، وحمل ليلى الباكية وحضنها، ثم نظر لمريم وقال بصوت هادئ جداً وثابت أنتِ بتثقي فيا؟
مريم وهي تشهق بالبكاء والله العظيم ما أخدت حاجة يا بيه.. متخليش حد ياخد بنتي مني.
يوسف ابتسم وقال عارف.
ثم وقف والتفت للضابط حازم، وأخرج هاتفه المحمول وضغط على زر تشغيل الفيديو، ثم وجه الشاشة نحو الضابط وأمه وفريدة.
وقال لنهى علي الصوت يا نهى عشان الكل يسمع.
الشاشة كانت تعرض تسجيل كاميرات المراقبة السرية التي زرعها يوسف في الممرات قبل يومين فقط كإجراء احترازي. الفيديو كان واضحاً جداً وبجودة عالية
يظهر فيه الممر المؤدي لغرفة مريم.. وتظهر فريدة وهي تتسلل بخطوات سريعة، وتفتح حقيبة مريم القماشية، وتضع العلبة المخملية السوداء بداخلها وتغطيها بملابس مريم، ثم تلتفت وتخرج وهي تبتسم بخبث!
الألوان هربت من وش فريدة، وبدأت تترعش وتتراجع للخلف ده.. ده فوتوشوب! ده مش حقيقي!
الضابط حازم نظر للفيديو ثم نظر لفريدة بصرامة، وقال لأمناء الشرطة سيبوا الست دي.. وقبضوا على فريدة هانم بتهمة البلاغ الكاذب، والتزوير، وجريمة تدبير فخ لسرقة وافتراء.
هدى هانم صرخت بصدمة حازم! أنت اتجننت؟ تقبض على فريدة؟ يوسف، لم الموضوع ده حالا!
يوسف نظر لأمه بعينين كقطع الثلج
الموضوع اتقفل يا هدى هانم.. فريدة هتدخل السجن بالقانون، والتسجيل ده هيروح للنيابة. وحضرتك.. من اللحظة دي، ملقيش أم اسمها هدى. أنا هسحب منك التوكيل العام لإدارة أسهم الشركة، وهتعيشي على النفقة الشهدية اللي حددها أبويا في وصيته بس، ومسموحلكيش تعتبي القصر ده تاني طول ما أنتِ عايشة.
هدى هانم شعرت بأن الأرض تدور بها، وحجم السلطة والمال الذي خسرتهم في ثانية جعلها تكاد تسقط مغشياً عليها، بينما سحب الأمناء فريدة وهي تصرخ وتبكي وتتوسل ليوسف لكي يسامحها، ولكن دون جدوى.
حياة جديدة
بعد رحيل الجميع، ساد القصر هدوء غريب.. ولكنه هذه المرة كان هدوءاً صافياً، خالياً من سموم الماضي.
مريم كانت تجلس على الأريكة في غرفة الألعاب، وهي ما زالت ترتعش وتضم ليلى التي نامت من كثرة البكاء.
يوسف دخل وبيده كوب من الليمون الدافئ، ووضعه أمامها وجلس على مقعد مواجه لها.
مريم بصوت مخنوق يوسف بيه.. أنا لازم أمشي. أنا وبنتي ملناش مكان وسط الحيتان والمشاكل دي كلها.. أنا كنت هضيع، وبنتي كانت ه تترمي في ملجأ. أنا متشكرة ليك على كل حاجة عملتها، بس عالمنا غير عالمك.
يوسف مد يده، ولأول مرة، وضعها فوق يد مريم الخشنة من كثرة الشغل، وقال بنبرة مليئة بالصدق والمشاعر الصافية
عالمي كان متحف كئيب وميت يا مريم.. ومفيش فيه أي روح. العقد الألماث اللي هما كانوا بيتخانقوا عليه ده تمنه فلوس، بس أنتِ وبنتك سَرَقتوا حاجة أغلى بكتير.. أنتِ سَرَقتي الفضى والوحدة اللي كانوا في قلبي، ورجعتي لي الروح اللي دفنتها بقالي سنين.
مريم رفعت عينيها العسليتين المليئتين بالدموع ونظرت إليه بدهشة.
يوسف كمل بابتسامة دافئة أنا مش هسمحلك تمشي.. مريم، أنا عايزك تفضلي هنا، مش كشغالة في الجناح الشرقي، أنا عايزك تكوني صاحبة البيت ده.. مراتي، وأم عيالي، و ليلى تكون بنتي اللي هكتب باسمها كل ما أملك. توافقي تديني فرصة أعيش بجد؟
مريم لم تنطق بكلمة، ولكن دموع الفرح التي نزلت من عينيها وهزت رأسها بالموافقة كانت أبلغ من أي كلام.
بعد مرور عام
الشمس كانت ساطعة في جنينة القصر بالمنصورية.. وشجرة الليمون العتيقة كانت مليئة بالثمار الناضجة والرائحة الذكية التي تفوح في المكان.
تحت الشجرة، كان هناك طقم كنب مريح من الخيزران، وتجلس عليه مريم وهي ترتدي فستاناً رقيقاً وراقياً يليق بجمالها الهادئ، وتضع يدها على بطنها المنتفخ قليلاً حامل في شهرها الرابع.
وفجأة، جاء صوت ضحكة عالية طائرة..
ليلى، التي كبرت سنة وأصبح شعرها الكيرلي منسقاً بفستانها الجديد، كانت تجري على النجيل الأخضر، وخلفها يوسف الجارحي، يرتدي ملابس كاجوال بسيطة، ويجري وراءها وهو يضحك من كل قلبه،
يمسكها ويرفعها في الهواء لتطير ضحكتها في السماء.
ليلى وهي وتتعلق برقبته بابا يوسف! بااااابا!
يوسف قبل خدها بعمق وقال قلب وعين بابا يوسف.
توجه بها نحو مريم، وجلس بجوارها، وحضن زوجته بذراعه الأخرى، ونظر نحو النيل الذي يلمع من بعيد كالفضة.
القصر لم يعد متحفاً.. والسبعتاشر أوضة لم تعد خالية من اللامبالاة؛ لقد أصبح بيتاً حقيقياً، تملأه الحركة، وتدفئه الضحكات، وتحرسه يد الله التي جمعت بين قلبين لم يكن لأحد أن يتخيل يوماً أنهما سيلتقيان تحت شجرة ليمون.

تم نسخ الرابط