عمل نفسه نايم سما سامح

لمحة نيوز

ورقة شجر ناشفة وبتحاول تنفخ فيها بكل قوتها وخدودها منفوخة ومندمجة ع الآخر مش عارف، بس يمكن حابب أعرفكم.
الضحكة الطايرة
تاني يوم الصبح، يوسف صحي قبل المنبه ما يضرب، والحاجة دي في حد ذاتها خضته.
بقاله سنين بيشوف الصبح ده كأنه عقاب؛ إيميلات متلتلة فوق دماغه زي الطوب، اجتماعات خانقة زي الأقفاص، قرارات شايل فيها مسؤولية أكل عيش ناس كتير ومحدش فيهم شايل معاه وحدته. لبس بدلة الشغل بروتينه المعتاد، ومشي في الطرقة اللي فيها لوحات غالية بتراقبه وكأنها قضاة بيحكموا عليه.
وصل للجناح الشرقي ووقف قدام باب أوضة الألعاب القديمة. للحظة، كان هيلف ويرجع، بس سمع ضحكة.. ضحكة رنانة، عالية، وطالعة من القلب، صوت القصر ده مسمعوش من عشرات السنين.
يوسف زق الباب وفتحه.
الشمس كانت مالية الأوضة من الشبابيك الطويلة، التراب اتمسح من على الرفوف، وسجادة قديمة عليها رسومات نجوم باهتة كانت مفروشة في الأرض. وفي نص السجادة كانت ليلى، بتظبط مكعبات خشب فوق بعضها بتركيز وجدية مهندسة صغيرة.
أول ما شافته، وشها نور يُسِف!
طلعت تجري عليه، ويوسف نزل على ركبه بسرعة ولحقها قبل ما تخبط في رجليه وتترمي في حضنه.
مريم ظهرت عند الباب وهي شايلة فوط متطبقة صباح الخير يا بيه، أتمنى مكنش تقلت على حضرتك.. مكنتش عايزة أفرض نفسي.
لأ طبعاً، الأوضة منورة بوجودكم، يوسف قالها وهو لسه عينه على ليلى الأوضة دي بقالها سنين مشافتش الروح دي.
مريم فركت إيديها بإحراج تسلم يا بيه.. بجد أنا مش عارفة أرد جمايلك دي إزاي.
بلاش تحسسيني إن الأصول والذوق بقوا دين لازم يتسد.
مريم بصت في الأرض، وهو حس إنه دبش في كلامه وندم على طريقته الناشفة، فلطف صوته وكمل أنا أسف، أقصد إنك مش مديونة ليا بأي حاجة.
مريم ركزت في وشه ودرسته كويس؛ كانت في أواخر العشرينات، عينيها باين عليها التعب ووشها مقفول وحذر، وش تلميذ اتعود على الخذلان والصدمات قبل ما تيجي، إيديها كانت حمرا ومأثر فيها الكلور والمنظفات، لبس الشغل بتاعها كان نضيف ومكوي بس دايب ومغسول كتير. كانت باينة إنها من الستات اللي الدنيا جارت عليهم وخليتهم ب ١٠٠ راجل غصب عنهم، من قبل ما حد يسألها لو كانت حابة ده ولا لأ.
قالت بمرارة الناس اللي معاها فلوس كتيير يا بيه، مبيقولوش الكلمة دي غير وهم مجهزين لستة باللي عايزينه في المقابل.
يوسف متهزش من كلامها باين إنك شوفتي كتير عشان تقولي كده.
كتير أوي.
ليلى شدت كم قميص يوسف وهي بتديله مكعب خشب العب.
حاضر يا فندم، من عينيا.
مريم ضحكت غصب عنها، والضحكة دي غيرت روح المكان تماماً.
وللساعة اللي بعد كده، يوسف الجارحي قعد مربع على الأرض ببنطلون بدلة ماركة تمنه يعدي إيجار مريم لكام شهر قدام، وقعد يبني برج مايل من المكعبات مع طفلة عندها تلت سنين. كل ما البرج يقع، ليلى تصرخ وتصوت من الفرحة وكأن الوقوع ده أحلى حاجة في الدنيا، وكل ما تضحك، يوسف يضحك معاها. في الأول، الضحكة كانت طالعة غريبة على صدره ومش واخد عليها، بس بعد شوية، حس إنها الحاجة الوحيدة اللي كان محتاجها عشان يعيش.
الإعصار القادم
على الظهر كده، نهى، مديرة مكتبه، لقت يوسف واقف في الطرقة برة أوضة الألعاب، وماسك في إيده ورقة مرسومة بألوان خشب فوشيا وبنفسجي، ليلى حلفت له إنها رسمة حصان، والابتسامة كانت لسه منورة وشّه.
نهى مشيت ناحيته بسرعة، بس مكنتش مستغربة من الابتسامة.. وشها كان مخفوف منه الدم ولابساها ملامح قلق رهيب.
يوسف بيه.. قالتها بصوت واطي ومخطوف وهي بتبص وراها.
يوسف لفت لها ونبرة صوته اتقبلت لجدية علطول لما شاف وشها في إيه يا نهى؟ صفقة دبي حصل فيها حاجة؟
نهى هزت راسها بالرَفْض وقالت وهي بتبلع ريقها
لأ يا فندم.. هدى هانم، والدة حضرتك، وصلت تحت في الصالون فجأة ومن غير ميعاد.
يوسف كشر وأمي من امتى بتاخد مواعيد عشان تيجي بيتي؟ قولي لها نازل حالا.
نهى حطت إيدها على بوقها وقربت منه أكتر وهمست
المشكلة مش هنا يا بيه.. المشكلة إنها مش جاية لوحدها. معاها فريدة خطيبتك القديمة، وأنا سمعت هدى هانم وهي بتقول للأمن يجهزوا مفاتيح الجناح الشرقي عشان فريدة عايزة تشوف الأوض اللي فوق وتغير ديكورها قبل ما يعلنوا الرجوع.. وهما طالعين ع السلم حالا!
الابتسامة اختفت من وش يوسف في ثانية، وحس بدمه بيغلي. بص وراه على باب أوضة الألعاب اللي طالع منها صوت ضحكة ليلى الصافية وصوت مريم وهي بتدندن لها..
وعرف إن الإعصار اللي هيرجع يهد حياته ويطرد مريم وبنتها برا جنته الصغيرة.. واصل لحد باب الأوضة بعد أقل من دقيقة
صوت كعب حذاء فريدة وهو يضرب على رخام السلم كان يقترب مثل دقات ساعة موقوتة.
يوسف لم يفكر مرتين؛ التفت بسرعة وفتح باب غرفة الألعاب، ونظر إلى مريم التي كانت ممسكة بالفوط والذعر يملأ عينيها مجدداً بعدما سمعت نبرة نهى.
قال لها بصوت حازم ولكن دافئ مريم، اقفلي الباب ده من الجوه بالمفتاح، ومتفتحيش غير لما أنا أقولك.. متخافيش، طول ما أنا عايش مفيش مخلوق يقدر يمسك بكلمة.
مريم هزت رأسها بسرعة ممتزجة بالخوف، وأغلقت الباب بالمفتاح من الداخل. في نفس اللحظة، كان يوسف يلتفت ليجد والدته هدى هانم وبجوارها فريدة تقفان في بداية الطرقة، وتنظران إليه بتفحص.
فريدة بدلال مصطنع وهي تقترب بابتسامة باردة يوسف! وحشتني أوي.. مكنتش متخيلة إن المنصورية هادية كده، مامي هدى قالت لي إنك هجر القصر وقاعد هنا لوحدك، فقلت لازم نيجي ونشوف الأوض عشان نغير الديكور الكئيب ده.
هدى هانم بنبرة آمرة لا تقبل النقاش أهلاً يا يوسف. فريدة معاها مهندس ديكور شاطر جداً تحت، هيبدأ بالجناح الشرقي ده، عايزين نعمله سبا ودريسنج روم كبيرة تليق بيكوا لما ترجعوا لبعض.
يوسف وقف بصلابة، وضع يديه في جيوب بنطلونه، ونظر لفريدة ببرود قاتل
الجناح ده مقفول.. وفريدة مش هتعتب المكان ده تاني، لأنها ببساطة ملهاش أي صفة هنا.
وش فريدة اتقلب، وهدى هانم جزت على أسنانها يوسف! ائت الكلمة اللي بتقولها! فريدة بنت حسب ونسب، واللخبطة اللي حصلت من تلات سنين دي كانت طيش شباب، وإحنا قفلنا الصفحة دي.
في هذه اللحظة، ومن خلف الباب المغلق، سقط مكعب خشب من يد ليلى الصغيرة، فصدر صوت طخ واضح، تبعه صوت ضحكتها الطفولية العالية.
فريدة بربشت بعينيها واستغربت إيه الصوت ده؟ هو في حد جوه؟ وقبل أن يمنعها أحد، خطت خطوات سريعة وزقت مقبض الباب، لكنها وجدته مغلقاً. نظرت عبر فتحة المفتاح والنوافذ الزجاجية الصغيرة العلوية، فلمحت مريم وهي تضم طفلة صغيرة إلى صدرها برعب.
تراجعت فريدة خطوة للوراء، وصرخت باحتقار نهار مش فايت! إيه القرف ده يا يوسف؟ الشغالة وبنتها بيعملوا إيه في أوضة ألعاب عيلتك؟ أنت محول القصر بتاعنا لحضانة للخدم؟
هدى هانم تقدمت وعيناها تتطاير منهما الشرار أنت اتجننت يا يوسف؟ منزل مستواك ومستوى اسم الجارحي للدرجة دي؟ البنت دي تترمي في الشارع حالا هي وبنتها، والباب ده يتفتح والديكور يتكسر النهاردة!
يوسف تقدم خطوة واحدة، كانت كفيلة بجعل فريدة
تم نسخ الرابط