عمل نفسه نايم سما سامح

لمحة نيوز

عمل نفسه نايم تحت شجرة ليمون قديمة في آخر أرض القصر، لحد ما بنت الشغالة الصغيرة كلبشت في صدره وصحّت الروح اللي كان دافنها بقاله سنين.
أول ما ليلى الصغيرة حطت إيدها الدفيانة الصغننة على قلب يوسف الجارحي، حس إن نفسه اتكتم ونسي إزاي بيتنفس.
كان ممدد تحت شجرة الليمون العتيقة في آخر أرض القصر بتاعه، مغمض عينيه وفارد دراعه ورا دماغه، بيعمل نفسه نايم لأن دي كانت الكدبة الوحيدة اللي باقية في حياته ومبتأذيش حد. تليفونه مابطلش زن بقاله تلت ساعة في جيب بنطلونه الكحلي المتفصل عليه بالملي؛ مدير مكتبه عايزه يمضي ورق مستعجل، والمدير المالي مستني منه كلمة في صفقة، ووالدته عايزاه يحضر حفلة خيرية من بتاعة مجتمع إيجيبت، حتة كله بيبتسم فيها ابتسامات بلاستيك مفيهاش روح، وكلهم هيقعدوا يسألوه مش هتبطل عناد بقى وتتجوز بنت ناس من مستوانا؟
يوسف مكنش عنده أي نية يرد على حد فيهم.
عشان كده فضّل ممدد على النجيل ورا قصره اللي في المنصورية، حتة الهوا فيها بيرد الروح، والنيل باين من بعيد بيلمع زي الفضة، والقصر وراه طالع زي البيوت اللي الناس بتشوفها على إنستجرام وتكتب تحتها بسم الله ما شاء الله، عقبالنا.
بس يوسف لوحده اللي كان عارف إن القصر ده أشبه بمتحف.
أربعة وتلاتين سنة.. تلات شركات كبار.. طيارة خاصة.. بيت فيه سبعتاشر أوضة نوم.. ومفيش ضحكة واحدة طالعة من أي واحدة فيهم. معاه كل حاجة أبوه الله يرحمه قاله يبنيها ويحققها، كل حاجة المجلات الاقتصادي بتمدحه عشانها، وكل حاجة الناس بتحسده عليها.
ومع ذلك، وهو تحت الشجرة دي، كان حاسس بفضى وجوع في روحه لدرجة إن الهروب بالنوم بقى هو الحاجة الوحيدة اللي بتديله شوية راحة وسلام.
وفجأة، حس بحاجة دافية وصغيرة بشكل مش طبيعي بتسحف وتطلع على صدره.
يوسف فتح عينيه.
كانت بنت صغننة بفستان أصفر، مكنفشة فوق صدره وكأنها لقيت مخدة مريحة معمولة عشانها مخصوص. شعرها بني كيرلي، وخدودها مدورة وزي الطماطم، ورجليها الحافية عليها شوية تراب ونجيل، وعينيها العسلي فيها طيبة وثقة خلت يوسف يتسمر مكانه وميرضاش يتحرك، خايف يكسر المعجزة دي اللي افتكرته مكان أمان.
البنت بصت له وضحكت هاي.
يوسف تنح لها.. ده راجل بيمضي صفقات ودمج شركات بملايين من غير ما يرمش له جفن، وقف قدام حيتان سوق ومستثمرين بياكلوا الجو، وصحفيين سنانهم حامية، وستات بيبتسموا في وشه وهم بيحسبوا ثروته في سرهم، بس طفلة صغيرة على صدره خلته مش عارف ينطق بكلمة.
هاي، رد عليها بصوت واطي وخايف ليخضها.
سألته وهي بتبتطب على قميصه بإيدها الصغننة أنت نايم؟
كنت بعمل نفسي نايم.
البنت كشرت، وكأن دي أغرب حاجة تسمعها من حد كبير ليه؟
يوسف فتح بوقه عشان يتكلم..
عشان كل الناس عايزين مني مصلحة..
عشان أبويا مات على مكتبه وأنا ماشي في نفس السكة..
عشان خطيبتي سابتني من تلات سنين بعد ما قفشتها بتهزر وتتريق على المؤخر وشروط الجواز..
عشان مش عارف أعيش في البيت اللي بنيته حولين وحدتي..
 
بس مفيش أي حاجة من دي ينفع تتقال لعيّلة عندها تلت سنين، فقال الحقيقة الوحيدة الصادقة اللي جواه مش عارف.
البنت ارتاحت للإجابة دي، راحت ميلة دماغها وحطت خدها على صدره، وكأن لغبطته دي متفرقش معاها في حاجة. يوسف حس بوزنها الخفيف فوق ضلوعه، وفي حتة جواه انشرخرت.. مش بشرخ عالي ولا درامي، بس شرخ صغير كفاية إنه يدخل النور لقلبه.
صرخة رعب
ليلى!
صرخة رعب هزت الجنينة. البنت رفعت راسها، ويوسف التفت لمصدر الصوت.
كانت ست شابّة بتجري من ورا شجر الزينة، شعرها الأسود كان هيفك من التوكة، والذعر مالي وشها. كانت لابسة لبس الشغل البسيط الكحلي وكوتشي دايب من كتر الوقفة واللف في الشغل. أول ما شافت بنتها نايمة فوق صدر يوسف الجارحي، دمها هرب من وشها.
يا نهار أسود.. يا رب استر، همست برعب، وطلعت تجري وراحت شداها في حضنها يا يوسف بيه، أنا أسفة جداً.. والله العظيم أسفة. هي أكيد تسحبت من باب المطبخ، أنا غفلت عنها ثانية واحدة بس. أرجوك بلاش تقطع عيشي، وبوعدك مش هتتكرر تاني أبداً.
الكلام طلع منها ورا بعضه، سريع، مكرر، وخايف.. خوف حد متعود على الصدمات.
يوسف اتعدل في قعدته بالراحة، كان عارف النظرة دي كويس؛ ده مكنش مجرد كسوف أو إحراج، ده كان رعب قلة الحيلة.. رعب حد عايش على الحركِرك ومفيش أي حاجة ساندة ضهره، غلطة واحدة والإيجار يطير، هفوة صغيرة ومصاريف الأكل تتحول لحسبة برما، مزاج مش رايق من راجل صاحب سلطة ونفوذ يرميها في الشارع.
اسمك إيه؟ سألها، مع إنه كان عارف.
قالت بسرعة مريم.. مريم عبد العزيز. أنا بنضف الجناح الشرقي يوم الحد والتلات، بقالي هنا قريبة من السنة.
قالها، وجسمها كله اتشنج أول ما نطق اسمها يا مريم، أنا مش هطردك.. ومفيش أي مشكلة حصلت أصلاً.
بربشت بعينيها ومش مصدقة، وهو وقف ونفض النجيل من على قميصه وبنطلونه. مريم كلبشت في ليلى أكتر، بس ليلى، اللي مكنتِش فاهمة أي حاجة من الرعب اللي أمها شايفاه، مدت إيدها تاني ليوسف عايزة أنزل.
مريم همست لها وهي بتشدها ليلى، بس.. ليلى لأ.
سبيها، مفيش حاجة، يوسف قالها.
مريم ترددت، وبصت في وشه وكأنها بتدور على الفخ اللي مستخبي ورا الحنية دي، بس في الآخر نزلت بنتها براحة على النجيل. ليلى مشيت بخطواتها المهزوزة لغاية يوسف من غير أي خوف، ومسكت في رجل بنطلونه عشان تتوازن.
يوسف بص لها.. ثقة الأطفال دي حاجة تخوف، بتخلي أي كدبة قدامهم تحسها إهانة لبراءتهم.
عندها كام سنة؟ سألها.
مريم ردت تلات سنين، كملت تلاتة في مارس اللي فات.
زي القمر، ما شاء الله.
ملامح مريم هديت لثانية واحدة قبل ما الخوف يرجع يغطي وشها تاني شكرًا ليك يا بيه.
يوسف نزل على ركبه عشان يبقى في مستواها وكنتِ بتعملي إيه هنا بقى يا ست ليلى؟
ليلى قالت وهي بتشاور بصابعها فراشة.
مريم وضحت بسرعة كانت بتجري ورا فراشة. الست اللي بتخلي بالها منها اعتذرت الصبح، حاولت أكلم كل اللي أعرفهم بس ماليش قرايب هنا، والحضانة مرضيتش تأخدها من غير حجز وإخطار من قبلها. أنا عارفة إن كان لازم أستأذن الأول قبل ما أجيبها معايا، بس كنت محتاجة يومية النهاردة ومقدرش أغيب.
يوسف بص وراها ناحية القصر.. كان ضخم هادي، بيبرق من النضافة، وواسع ع الفاضي.
البيت ده فيه كام أوضة؟ سألها.
مريم استغربت السؤال أفندم؟
رد هو على نفسه كتير.. كتير أوي ع الفاضي. في أوضة ألعاب قديمة في الجناح الشرقي، أنا وأختي كنا بنلعب فيها وإحنا صغيرين، مفيش حد بيعتبها بقاله سنين.
مريم هزت راسها بالرفض علطول يوسف بيه.. أنا مقدرش.. ماليش عين أصلاً
قاطعها أنا مطلبتش منك تستأذني، أنا اللي بعرض عليكي. ليلى تقعد هناك طول ما أنتِ شغالّة، أأمن لها من اللف في الجنينة، وأحسن من إنك تقضي اليوم كله قلقانة ويموتك الرعب.
مريم تنحت ودموعها نزلت في ثانية، لدرجة إنها دارت وشها مكسوفة من دموعها بتعمل كده ليه؟ حضرتك متعرّفناش أصلاً.
يوسف بص لليلى، اللي كانت لقت

تم نسخ الرابط