ابني طردني

لمحة نيوز

ما راحتش تقابل ابنها لوحدها.
رفعت رتّب لها مقابلة مع المحامية نهى عبدالسلام، واحدة من المحاميات المتخصصات في نزاعات الملكية والتزوير والاستيلاء على أموال كبار السن.
نهى راجعت المستندات بعناية، وسألت كريمة عن كل تفصيلة، وبعدها قالت لها
يا حاجة كريمة، إحنا قدامنا أكتر من مسألة. فيه بيت مسجل باسم حضرتك، وفيه تحويلات مالية تمت بتفويض محتاجين نراجع حدود صلاحيته، وفيه مستندات عليها علامات استفهام. مش هنوعدك بنتيجة قبل التحقيق، لكن عندنا أساس قوي نطالب بحقك.
كريمة سألتها
يعني أقدر أمنعه من بيع البيت؟
هنقدّم طلب عاجل للمحكمة لاتخاذ الإجراء القانوني المناسب، ونخطر المشتري بوجود نزاع على الملكية. والأهم إن حضرتك ما تمضيش على أي ورقة، وما تتنازليش عن أي حق، مهما كان اللي هيطلب منك.
وبعد ساعات من الشغل، المحامية جهزت الإخطارات القانونية اللازمة، وبدأت إجراءات مراجعة التحويلات البنكية، وطلبت فحص المستندات محل الشك.
لكن كريمة كان عندها طلب واحد.
أنا عايزة أروح الاجتماع اللي ابني محدده لبيع البيت.
نهى استغربت.
حضرتك متأكدة؟ ممكن يكون الموقف صعب.
كريمة بصت لها بثبات.
أنا عشت عمري كله بخاف أزعل ابني. وسكوتي هو اللي وصّلنا للي إحنا فيه. المرة دي، مش هسكت عن حقي.
وفي الساعة عشرة ونص، ركبت كريمة عربية أجرة، وراحت ناحية البيت القديم.
كانت لابسة فستان كحلي بسيط هي اللي خاطياه بإيديها من سنين، وحاطة على كتفها شال رمادي قديم.
ما لبستش دهب، ولا حاولت تبان غنية.
كل اللي أخدته معاها كان شنطة صغيرة فيها نسخة من عقد الملكية، وصورة جوزها، والمصحف القديم.
ولما وصلت، لقت عربية فخمة واقفة قدام البيت، ودانيال وبياتريس وشريف البنا مستنيين المشتري.
أول ما دانيال شافها، وشه اتغير.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟! أنا قلت لك ما ترجعيش!
كريمة بصت له وقالت بهدوء
ده بيتي يا دانيال. مش محتاجة إذن منك عشان أدخله.
بياتريس ضحكت بسخرية.
بيتك؟! يا حبيبتي، إنتِ شكلك تعبانة ومش عارفة إنتِ بتقولي إيه. الأحسن ترجعي المكان اللي إنتِ قاعدة فيه.
نهى، اللي كانت واقفة جنب كريمة، تقدمت خطوة.
من فضلك، اتكلمي باحترام. موكلتي هي المالكة المسجلة للعقار، وأي تصرف في البيت من غير سند قانوني صحيح هيكون محل اعتراض أمام الجهات المختصة.
شريف البنا حاول يضحك ويهوّن الموضوع.
يا أستاذة، دي خلافات عائلية، ومفيش داعي نكبر الموضوع. المستندات واضحة.
نهى ردت فورًا
ممتاز. يبقى مفيش مشكلة نعرضها على المشتري ونراجعها رسميًا.
في اللحظة دي، وصل ماجد السيوفي ومعاه محاميه.
صافح الموجودين، وبعدين بص لكريمة باحترام.
حضرتك الحاجة كريمة؟
أيوه يا ابني.
أنا آسف لو إجراءات البيع سببت لحضرتك أي ضرر. أنا ما كنتش أعرف إن فيه خلاف على الملكية.
دانيال تدخل بسرعة
مفيش خلاف. دي أمي، وهي بس مش متقبلة إننا هنبيع البيت.
ماجد فتح الملف اللي معاه.
طيب، بما إن مفيش خلاف، تقدر تشرح لي ليه السجل العقاري بيقول إن الملكية باسم والدتك، بينما الورق اللي اتقدم لي بيقول إنها انتقلت ليك؟
الصمت نزل على المكان.
دانيال بص لشريف.
شريف حاول يتكلم
فيه إجراءات قديمة لسه ما اتحدثتش في بعض السجلات، وده شيء بيحصل.
لكن محامي ماجد رد
إحنا راجعنا السجل، وطلبنا مستندات أصلية. لحد دلوقتي، مفيش ما يثبت انتقال الملكية بشكل صحيح. وعشان كده، موكلنا مش هيدفع أي فلوس قبل ما المسألة تتوضح.
دانيال اتعصب.
إنتوا جايين تضيعوا وقتي؟! العقد موجود، والتوقيع موجود!
نهى فتحت شنطتها، وطلعت نسخة رسمية من عقد الملكية.
ده العقد المسجل باسم الحاجة كريمة. وده مستند رسمي يثبت إن التوكيل القديم ما كانش بيدي ابنها الحق في بيع العقار أو نقل ملكيته لنفسه.
وبعدين حطت نسخة من المستند محل الشك على الترابيزة.
إحنا طلبنا فحص المستندات، وهنسيب الأمر للجهات المختصة عشان تحدد إذا كان حصل تزوير أو استعمال غير مشروع للورق.
دانيال اتراجع خطوة.
لأول مرة، ما لاقاش كلمة يرد بيها.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
الصندوق اللي وقع من إيد شريف
شريف حاول يجمع الورق بسرعة، لكن ملفه وقع من إيده، واتبعترت منه مجموعة مستندات.
ماجد انحنى يساعده، لكنه لاحظ ورقة مختلفة عن باقي الأوراق.
كانت كشف حساب مختصر، فيه تحويل مالي كبير لحساب شركة باسم شريف، وبعده تحويل تاني لحساب مرتبط ببياتريس.
ماجد بص لمحاميه، والمحامي طلب منه ما يلمسش الورقة أكتر من كده، واحتفظوا بتفاصيلها لتقديمها للجهات المختصة بالطريق القانوني.
بياتريس وشها اصفر.
دانيال لاحظ ده.
إيه الورقة دي يا بياتريس؟
ردت بسرعة
معرفش! دي مش بتاعتي!
شريف خطف الملف من على الأرض وقال بعصبية
دي حسابات خاصة بالشغل، ومحدش له دعوة بيها.
نهى ردت ببرود
محدش اتهمك بحاجة لحد دلوقتي. لكن بما إن فيه نزاع على مستندات الملكية وتحويلات مالية محل مراجعة، الأفضل كل طرف يحتفظ بأوراقه وما يتصرفش فيها.
دانيال بص لمراته، وبعدين لشريف.
بدأ يفهم إن فيه حاجات كتير بتحصل من وراه.
لكن بدل ما يواجههم، التفت لأمه وقال
إنتِ كنتِ عارفة بكل ده؟! إنتِ بتعملي فيا كده ليه؟!
كريمة بصت له بوجع.
أنا؟! أنا اللي بعمل فيك كده؟!
قربت منه خطوة.
يا دانيال، أنا اللي شلتك وإنت طفل، وأنا اللي كنت بشتغل لحد الفجر عشان مصاريف مدرستك، وأنا اللي كنت ببيع دهبي عشان ما تحسش إنك أقل من صحابك. لما أبوك مات، كنت فاكرة إنك هتبقى سندي. لكنك أخدت مني أوضتي، وبعدها بيتي، وبعدها فلوسي، وفي الآخر رميتني في الشارع.
صوتها بدأ يترعش.
وأنا لحد دلوقتي ما سألتكش ليه عملت كده. كنت مستنية يمكن تيجي يوم وتقول لي إنك غلطت.
دانيال نزل عينيه.
لكن بياتريس تدخلت، وهي بتحاول تسيطر على الموقف.
كفاية تمثيل بقى! إنتِ طول عمرك بتستخدمي دور الأم عشان تتحكمي فيه. دانيال راجل، ومن حقه يعيش حياته.
كريمة بصتلها، ولأول مرة ما خافتش من ردها.
يعيش حياته؟ طبعًا. بس مش على حساب أمه، ومش بسرقة حق مش بتاعه.
ثم التفتت لدانيال.
أنا مش جاية أطلب منك ترجعني البيت. أنا جاية أقول لك إن البيت مش بتاعك عشان تطردني منه. وإن الفلوس اللي أخدتها مش من حقك عشان تتصرف فيها زي ما تحب.
وسكتت لحظة، قبل ما تضيف
أما عن كونك ابني، فده شيء مش هقدر أغيره. لكن ثقتي فيك، دي إنت اللي ضيعتها.
الجملة دي كانت أقسى عليه من أي تهديد.
لأنه لأول مرة شاف أمه مش ست عجوزة يقدر يسكتها بكلمتين، لكن إنسانة ليها حق، وكرامة، وحياة مستقلة عنه.
ومع ذلك، ما اعتذرش.
خرج من البيت غاضبًا، وبياتريس وراه، بينما شريف بدأ يجمع أوراقه استعدادًا للمغادرة.
لكن نهى قالت له قبل ما يخرج
أستاذ شريف، حضرتك هتتسلم إخطار رسمي بخصوص التحقيق في المستندات. الأفضل تتعاون وتقدم أي أوراق مطلوبة.
بصلها بغضب، لكنه ما ردش.
وفي اليوم ده، صفقة البيع اتوقفت، والمشتري رفض يدفع العربون أو يوقّع أي التزام جديد قبل حسم النزاع.
لأول مرة من سنين، البيت رجع تحت حماية صاحبة حقه.
لكن كريمة كانت عارفة إن استرداد البيت أسهل من استرداد ابنها.
السر اللي بياتريس حاولت تدفنه
بعد الاجتماع بيومين، حصل شيء ما كانش في الحسبان.
بياتريس راحت مكتب نهى من غير ما تبلغ دانيال.
كانت باين عليها علامات الإرهاق، وما كانش معاها شنطة ولا حراسة ولا أي مظهر من مظاهر الثقة اللي كانت بتظهر بيه قدام حماتها.
طلبت تتكلم مع كريمة لوحدها.
كريمة رفضت في الأول.
لكن نهى قالت لها
القرار لحضرتك، ومش لازم تسمعي أي كلام منها لو مش مستعدة.
كريمة فكرت لحظة، وبعدين وافقت، بشرط إن نهى تفضل موجودة في المكتب.
دخلت بياتريس، وقعدت قدامها، وفضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت
أنا عارفة إنك مش هتسامحيني.
كريمة ردت
أنا لسه مش عارفة إنتِ عايزة إيه.
بياتريس طلعت فلاشة صغيرة من شنطتها، وحطتها على المكتب.
دي فيها رسايل ومستندات بيني وبين شريف. أنا احتفظت بيها من وقت ما بدأت أشك إنه بيخطط يورطنا كلنا.
نهى ما لمستش الفلاشة فورًا.
ليه بتقدميها دلوقتي؟
بياتريس بصت للأرض.
لأنه كذب عليّا. قال لي إن دانيال هياخد البيت قانونيًا، وإن كل اللي بنعمله مجرد تسوية عائلية. لكن لما عرفت إن شريف كان ناوي يسيبنا نتحمل المسؤولية كلها، خفت.
كريمة قالت بمرارة
يعني لو خطته نجحت، كنتِ هتفضلي مبسوطة وإنتِ شايفاني في الشارع؟
بياتريس ما قدرتش ترفع عينيها.
أيوه. ودي الحقيقة اللي مش هقدر أبررها. كنت عايزة البيت والفلوس، وكنت شايفة إن وجودك عائق. أنا غلطت.
كريمة سكتت.
كانت تتمنى تسمع اعتذارًا من النوع ده من دانيال، مش من الست اللي ساعدته يطردها.
نهى قالت
لو عندك أدلة، هنسلمها للجهات المختصة بعد فحصها، لكن لازم تكوني مستعدة إن التحقيق يشمل دورك إنتِ كمان. تقديم الأدلة مش معناه إنك هتُعفي من أي مسؤولية لو ثبتت مشاركتك.
بياتريس هزت راسها.
أنا فاهمة.
وبعدين بصت لكريمة وقالت
أنا مش جاية أطلب منك تسامحيني. أنا بس عايزة أوقف اللي بيحصل قبل ما شريف يدمّر دانيال أكتر.
كريمة ردت بهدوء
لو فعلًا عايزة توقفي الضرر، قولي الحقيقة كاملة، حتى لو هتضرك إنتِ كمان. إنما متطلبيش مني أصدقك لمجرد إنك خايفة على نفسك.
بياتريس سابت الفلاشة، ومشيت.
ولما نهى فحصت الملفات بالطريقة القانونية، اتضح إن فيها مراسلات إضافية بتوضح إن شريف كان بيجهز مستندات مشكوكًا في صحتها، وإنه وعد بياتريس بمبلغ من حصيلة البيع.
لكن الأدلة كمان كشفت حاجة أخطر.
التحويلات اللي خرجت من حساب كريمة ما راحتش كلها لسداد ديون دانيال. جزء منها اتنقل لحساب شركة مرتبطة بشريف، وجزء اتستخدم في معاملات ما كانش دانيال يعرف تفاصيلها.
يعني دانيال كان طماعًا، واستغل أمه، لكنه كمان كان بيتساق في خطة أكبر منه.
وده ما كانش عذرًا ليه.
كان بس دليلًا إن الجريمة اللي بدأت داخل العيلة اتشابكت مع مصالح ناس تانية.
نهى قدمت المستندات للجهات المختصة، وبدأ التحقيق رسميًا في التحويلات، والتوكيلات، وأوراق الملكية.
وخلال الأسابيع اللي بعدها، اتطلبت إفادات من الأطراف، واتراجع سجل العقار، واتعمل فحص فني للمستندات محل الشك.
وبناءً على الإجراءات القضائية، استمر وقف التصرف في البيت لحد ما النزاع يتفصل فيه، بينما البنك راجع التحويلات وبدأ إجراءات المطالبة برد المبالغ اللي ثبت إنه تم التصرف فيها من غير سند صحيح.
كريمة ما كانتش بتعرف كل التفاصيل القانونية، لكنها كانت لأول مرة في حياتها محاطة بناس بيشرحوا لها حقوقها بدل ما يستغلوا جهلها بالإجراءات.
ومع كل خطوة، كانت بتحس إن الخوف اللي عاش جواها سنين بدأ يختفي.
لكنها ما كانتش تعرف إن أصعب مواجهة لسه مستنياها.
ابنها يرجع لكن مش عشان يطلب السماح
بعد حوالي شهر، دانيال جه لبيت أمينة.
كان شكله متغيرًا، هدومه مش مترتبة زي العادة، ووشه باين عليه السهر والقلق.
أمينة نادت كريمة، ولما خرجت وشافته، وقفت مكانها.
خير يا دانيال؟
بصلها، وبعدها قال
ممكن أتكلم معاكي شوية؟
كريمة أشارت له يدخل الصالة.
قعد قدامها، وفضل يحرك إيده بعصبية.
وبعدين قال
الشركة خسرت جزء كبير من فلوسها، والبنك طالب بتسوية الديون، والمشتري انسحب. أنا مش عارف أعمل إيه.
كريمة ما ردتش.
كمل بسرعة
أنا عارف إنك زعلانة مني، بس إنتِ أمي. وأنا مش بطلب منك تنسي اللي حصل. أنا بس محتاج مساعدتك.
كريمة بصت له طويلًا.
مساعدتي في إيه يا دانيال؟
عندك فلوس كتير، وأصول واستثمارات. ممكن تساعديني أسدد الديون، وبعدها هعوضك كل حاجة.
كريمة حسّت بوخزة في قلبها.
حتى بعد كل اللي حصل، أول حاجة جه يطلبها كانت فلوسها.
سألته بهدوء
وإنت جاي تطلب مساعدتي عشان ندمان على اللي عملته، ولا عشان محتاج الفلوس؟
دانيال اتضايق.
إنتِ ليه بتفترضي فيا الأسوأ؟!
عشان لما كنت محتاجة سقف يحميني، إنت طردتني. ولما كنت محتاجة فلوسي اللي تعبت فيها عمري كله، إنت أخدتها. ولما جيت النهارده، ما سألتنيش أنا عاملة إيه ولا رجلي لسه بتوجعني ولا لأ. سألتني عن الفلوس.
دانيال فتح بقه عشان يرد، لكنه ما لاقاش كلام.
بعد لحظة، قال بصوت أخفض
أنا كنت مضغوط يا أمي. الديون كانت بتخنقني، وشريف قال لي إن ده الحل الوحيد.
كريمة هزت راسها.
شريف غلطان، وإنت كمان غلطان. هو ما أجبركش تطردني من البيت، وما أجبركش تهينني قدام الناس. دي كانت قراراتك إنت.
دانيال بدأ يعيط.
أنا عارف.
كريمة بصت له بحزن.
لأ، إنت لسه مش عارف. لأنك لو كنت عارف فعلًا، كنت جيت لي من غير ما تطلب حاجة.
سكتت شوية، وبعدين قالت
أنا مش هسيبك تواجه مصيرك لوحدك لمجرد إني عايزة أنتقم منك. لكن مش هديك فلوس تاني من غير حساب، ومش هخلي حد يستغلني باسم العيلة.
دانيال رفع عينيه بسرعة.
يعني هتساعديني؟!
هساعدك بالطريقة الصح، لو إنت مستعد تتحمل مسؤولية اللي عملته.
وشرحت له إنها مش هتسدد ديونه من حسابها الخاص لمجرد إنه ابنها، لكنها مستعدة تدرس خطة سداد قانونية من خلال محاسب مستقل، بشرط يكشف كل التزاماته المالية، ويتوقف عن أي تصرف في ممتلكاتها، ويتعاون مع التحقيقات، ويرد الأموال اللي ثبت إنه أخدها
تم نسخ الرابط