رجعت بعد خمس سنين

لمحة نيوز

إن دانييلا كانت بتسرّب بيانات الشركة، وإن الصور اللي شفتها ليا مع الراجل الغريب كانت جزء من فخ معمول مخصوص عشان يخلّص منك ومني في نفس الوقت.
دانييلا ضحكت ضحكة عصبية.
كلام فارغ! كل ده كلام فارغ!
لكن فاليريا فتحت الملف، وطلعت صورة قديمة لراجل في الأربعينات، لابس بدلة رمادي، وواقف قدام باب مكتب شركتنا.
تعرف الراجل ده؟
أول ما شفت الصورة، عرفت وشه.
كان اسمه حسام الديب، المدير المالي السابق للشركة، والراجل اللي اختفى فجأة قبل طلاقنا بشهرين، بعد ما اكتشفنا وجود عجز في حسابات الشركة بمبلغ كبير.
وقتها، دانييلا قالتلي إن فاليريا هي اللي كانت بتقابله سرًّا، وإنها غالبًا ساعدته يسرق الفلوس.
بصيت للصورة تاني.
إنتِ جبتي الصورة دي منين؟
من كاميرات المراقبة القديمة بتاعة الشركة. حسام كان بيزور مكتب دانييلا في أوقات متأخرة، حتى في الأيام اللي إنت كنت مسافر فيها.
بصيت لدانييلا.
إنتِ قولتيلي إنك عمرك ما قابلتي حسام لوحدك.
ما ردتش.
وفجأة، واحد من الولدين شد في إيد أمه وقال بصوت واطي
ماما، هو الراجل ده زعّلك زي ما زعّلك قبل كده؟
فاليريا نزلت لمستواه بسرعة، .
خلاص يا حبيبي، إحنا كويسين.
الولد التاني بصلي وقال ببراءة وجعت قلبي
هو إنتَ عمو رودريجو؟
السؤال البسيط ده كان كفاية يهدّ كل دفاعاتي.
كنت عايز أقول له لأ، أنا باباك.
لكن ما كانش عندي الحق أنطق الكلمة دي قبل ما أعرف الحقيقة، وقبل ما أعرف إذا كان عندي فعلًا ولاد حرمت نفسي منهم خمس سنين كاملة.
بصيت لفاليريا وقلت
عايز أعرف كل حاجة. من الأول. ومش هسيب الموضوع غير لما الحقيقة تظهر.
ردت ببرود
الحقيقة مش محتاجة وعود يا رودريجو. محتاجة أفعال.
وبعدين مسكت إيد الولدين واتجهت ناحية باب الفندق.
وقبل ما تخرج، وقفت لحظة وقالت
لو فعلًا عايز تعرف مين اللي سرق شركتك، ومين اللي زوّر الإمضا، روح افتح الخزنة القديمة في مكتبك. هتلاقي فيها حاجة إنت بنفسك نسيتها.
خرجت، وسابتني واقف وسط البهو، لأول مرة في حياتي مش عارف أعمل إيه.
أما دانييلا، فاستنت لحد ما اختفت فاليريا من قدامنا، وبعدين مسكت دراعي بقوة.
إنت مش هتروح أي حتة! الست دي بتلعب بأعصابك، وإنت عارف إنها عمرها ما قدرت تتقبل إنك سبتها!
بصيت لإيدها وهي ماسكة دراعي، وقلت بهدوء
شيلي إيدك يا دانييلا.
اتجمدت مكانها.
يمكن لأنها لأول مرة من سنين سمعتني بكلمها بالطريقة دي.
1. الخزنة اللي كانت مخبية الحقيقة خمس سنين
طلعت مكتبي، وقفلت الباب، وطلبت من مدير الأمن يجيبلي تسجيلات كاميرات البهو، ويمنع أي حد من الدخول لمكتبي لحد ما أرجع.
بعدها اتصلت بالمحامي بتاعي، الأستاذ مروان، اللي كان متابع عقود الشركة من أيام ما كنت لسه ببدأ مشروعي الأول.
قلتله
محتاجك تيجي المكتب فورًا. الموضوع متعلق بأوراق قديمة وتزوير محتمل.
وصل مروان بعد أقل من نص ساعة.
حكيتله كل اللي حصل، ووريته الظرف والإمضا والصور.
فضل ساكت وهو بيراجع الورق، وبعدين قال
لو المستندات دي أصلية، لازم نتحرك قانونيًا. بس قبل أي اتهام، لازم نثبت مصدرها ونفحصها.
افتكرت كلام فاليريا عن الخزنة.
فتحت الدرج السفلي في مكتبي، وطلعت مفتاح صغير قديم كنت محتفظ بيه من أيام شركتنا الأولى.
كان بيفتح خزنة حديد موجودة جوه دولاب خشبي ورا مكتب جانبي. الخزنة دي ما فتحتهاش من سنين، لأني كنت فاكر إن كل أوراقها القديمة اتنقلت للأرشيف.
لكن أول ما فتحتها، لقيت ظرف بني، وذاكرة إلكترونية صغيرة، ودفتر حسابات قديم.
على الظرف مكتوب بخط إيدي
يتفتح لو ظهر أي دليل على التلاعب في حسابات الشركة.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
أنا اللي كنت كاتب الجملة دي من خمس سنين، بعد أول مرة شكيت إن في حد بيسحب فلوس من الشركة من غير إذن.
لكن وقتها، قبل ما أقدر أكمل التحقيق، دانييلا جتلي بالصور والإيميلات اللي اتهمت فيها فاليريا بالخيانة.
أنا افتكرت إن المشكلة اتحلت لما طلّقتها.
لكن الحقيقة إنني كنت سبت السارق الحقيقي يكمل شغله.
فتحت الظرف.
لقيت جواه كشف تحويلات بنكية، وصور من مراسلات داخلية، ونسخة من عقد شراكة مع شركة وسيطة اسمها المدار للاستثمارات.
الشركة دي ما كانش ليها أي وجود في سجلاتنا الرسمية وقتها، ومع ذلك كانت بتحصل على تحويلات بمبالغ كبيرة مقابل خدمات استشارية وهمية.
والشخص اللي وافق على التحويلات؟
دانييلا.
لكن الصدمة الأكبر كانت في آخر صفحة.
كان فيه توقيع منسوب لفاليريا بالموافقة على تحويل مبلغ يعادل سبعة وعشرين مليون جنيه بحسابات اليوم، وبعده توقيعي أنا.
إلا إن التوقيعين كانا مزورين.
مروان بصلي وقال
لو ده اتثبت، يبقى عندنا دليل مهم. لكن لازم نعرف مين أسس الشركة الوسيطة، ومين المستفيد الحقيقي من الفلوس.
وصلنا الذاكرة الإلكترونية بجهاز منفصل، ولقينا ملفات متسجلة بتاريخ قديم.
كان فيها تسجيل صوتي قصير، مدته دقيقتين.
ضغطت تشغيل.
في الأول، سمعنا صوت حسام الديب
التحويلات كلها تمت، بس لازم نقفل موضوع فاليريا بسرعة. هي بدأت تسأل عن الحسابات.
وبعدين جه صوت دانييلا واضح جدًا
سيبها عليّا. رودريجو مش هيشك فيا. أول ما يشوف الصور والإيميلات، هيطردها بنفسه، وساعتها محدش هيقدر يرجع يفتح الموضوع تاني.
حسيت إن صدري اتقفل.
التسجيل كمل.
حسام قال
وإمضاها على الموافقة؟
دانييلا ردت
أنا هظبط كل حاجة. المهم إن الطلاق يتم قبل ما تعرف إنها حامل.
وقفت التسجيل فجأة.
بصيت للشاشة، وبعدين لمروان.
قالت إيه؟!
مروان ما ردش.
رجعت التسجيل عشر ثواني، وسمعنا الجملة مرة تانية.
المهم إن الطلاق يتم قبل ما تعرف إنها حامل.
قمت من مكاني بعنف، لدرجة إن الكرسي وقع ورايا.
كنت عارف دلوقتي إن دانييلا ما كانتش بس سبب طلاقي من فاليريا.
هي كانت عارفة إن مراتي ممكن تكون حامل، ومع ذلك عملت كل اللي تقدر عليه عشان أطلّقها، وأعيش معاها أنا.
لكن السؤال اللي فضِل يعذبني كان إزاي عرفت فاليريا بحملها بعد الطلاق، وليه ما رجعتش تحاول تكلمني؟
2. السر اللي فاليريا فضلت مخبياه عني
اتصلت بفاليريا.
ما ردتش.
بعتلها رسالة قلت فيها إني محتاج أقابلها، وإن عندي دليل مهم.
بعد ساعة، وصلني رد قصير
لو عايز تشوفني، تعال بكرة الساعة 11 الصبح للمركز المجتمعي في المعادي. هكون هناك مع الولاد.
تاني يوم رحت في الموعد.
لقيتها قاعدة في أوضة صغيرة، بتساعد مجموعة من الأمهات في ترتيب أوراق لمشروع تدريب مهني. كان واضح إنها بقت جزء من المكان ده، وإن الناس هناك بيحترموها وبيثقوا فيها.
لما شافتني، قفلت الملف اللي في إيدها وقالت
اتفضل.
قعدت قدامها.
كان نفسي أعتذر، وأسألها عن كل يوم عشته بعيد عني، لكني كنت عارف إن أي كلام مش هيقدر يصلح اللي حصل.
طلعت نسخة من التسجيل، وقلت
سمعت كل حاجة. دانييلا كانت عارفة إنك حامل.
فاليريا غمضت عينيها لحظة.
أيوه.
كنتِ عارفة وقتها؟
عرفت بعد الطلاق بأيام. كنت تعبانة، ورحت للدكتورة، وهناك عرفت إني حامل في توأم.
حطيت إيدي على وشي.
يا نهار أبيض...
كملت كلامها
أول ما عرفت، بعتلك الظرف. كان فيه نتيجة التحليل، وورقة من الدكتورة، ورسالة كتبتلك فيها إني مش بطلب منك ترجعلي، لكن من حقك تعرف إنك هتبقى أب.
بصيتلها بوجع.
وأنا ما وصلنيش أي حاجة.
عارفة. بعد ما الظرف رجعلي، حاولت أكلمك على رقمك القديم. دانييلا ردت عليّا.
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
هي اللي ردت؟
هزت راسها.
قالتلي إنك عارف إني حامل، وإنك مش عايز أي علاقة بالطفلين. وقالت إنك لو حاولت أقرب منك، هترفع عليّا قضية بتهمة سرقة أسرار الشركة، وإنها هتخليني أخسر حتى حقي في تربية الولاد.
فضلت باصصلها وأنا مش قادر أتكلم.
وأنا... أنا ما قلتش الكلام ده أبدًا.
عارفة دلوقتي. لكن وقتها ما كنتش عارفة أصدق مين. أنا كنت خارجة من جوازة اتكسرت، ومتهمّة في شرفي وشغلي، ومش معايا فلوس تكفيني أبدأ من جديد. كنت حامل في طفلين، وكل اللي كنت بفكر فيه إني أحميهم.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
حاولت أطلب مساعدة من محامي، لكنه قال إن أي معركة معاك هتكون صعبة، خصوصًا إن كل المستندات الرسمية كانت ضدّي. اشتغلت، وبدأت حياتي من الصفر. ما كنتش عايزة ولادي يكبروا وهم فاكرين إنهم وسيلة ضغط على أبوهم.
نزلت عيني للأرض.
كنت عايز أقولها إنها كان لازم تحاول مرة تانية، أو إنها كان ممكن تدور عليّا بطريقة مختلفة.
لكن الحقيقة كانت واضحة قدامي.
أنا اللي ما دورتش وراها.
أنا اللي صدقت اتهامات من غير دليل حقيقي.
وأنا اللي خليت واحدة تانية تتحكم في قراراتي.
سألتها بصوت مبحوح
طب ليه رجعتي دلوقتي؟
فاليريا فتحت شنطتها وطلعت ملف تاني.
لأن حسام الديب رجع يظهر من جديد. من شهر تقريبًا، بعتلي رسالة مجهولة فيها صورة من حساب قديم، وطلب مني أقابله.
قابلتيه؟!
أيوه. كنت عايزة أعرف الحقيقة كاملة. قاللي إنه اتخانق مع دانييلا بعد ما اكتشف إنها ناوية ترمي كل التهمة عليه، وإن عنده مستندات تثبت إنها هي اللي كانت بتدير التحويلات.
وليه ما بلغتيش الشرطة من وقتها؟
لأن حسام طلب يقابلني ويسلمني النسخ الأصلية. لكن قبل ما يحصل ده، اختفى تاني. وبعدها وصلتني رسالة من رقم مجهول فيها صورة لولادي وهما خارجين من المدرسة.
وقفت من مكاني.
إيه؟! حد صوّر الولاد؟!
أيوه. وتحت الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة ابعدي عن القضية، وإلا هتندمي.
حسيت بغضب عمري ما حسّيته قبل كده.
كل اللي فات كان متعلق بيا وبفاليريا وبالشركة.
لكن حد دخل ولادي في الموضوع.
ولأول مرة، حسيت إني مش بس عايز أعرف الحقيقة.
أنا عايز أحمي طفلين ما يعرفوش عني أي حاجة، وما لهمش ذنب في اللي حصل.
قلت لها
من اللحظة دي، محدش هيقرب منهم. هعيّن حراسة قانونية لحمايتهم، وكل حاجة هتكون تحت إشراف المحامي، وبموافقتك طبعًا.
بصتلي بجدية.
ما توعدنيش بحاجة لسه ما عملتهاش يا رودريجو.
هزيت راسي.
عندك حق.
وبعدين قلتلها
أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني. أنا جاي أقولك إن المرة دي، مش ههرب من الحقيقة حتى لو كانت هتدمرني.
لأول مرة، شفت تعبير وشها يلين قليلًا.
لكن قبل ما ترد، تليفوني رن.
كان رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل متوتر بيهمس
لو عايز تعرف مكان حسام الديب، تعالى لوحدك على مخزن الشركة القديم في المنطقة الصناعية. معاك ساعتين بس.
وبعدين الخط اتقفل.
3. اختفاء دانييلا... والرسالة اللي قلبت القضية
حكيت لمروان عن المكالمة، لكنه رفض تمامًا إني أروح لوحدي.
قاللي
ده ممكن يكون فخ. هنبلغ الجهات المختصة، ونتعامل مع الموضوع بشكل قانوني.
اتفقنا على خطة واضحة، وبعد ساعات من التحريات، وصلنا للمخزن القديم.
كان المكان مهجورًا تقريبًا، لكن في عربية واقفة بعيد، وجواها راجل لابس كاب أسود.
أول ما شافنا، حاول يهرب.
تمكنت الجهات المختصة من إيقافه، واتضح إنه واحد من الموظفين السابقين في شركة حسام.
في البداية، أنكر أي علاقة بالموضوع،
تم نسخ الرابط