جوزي

لمحة نيوز

في اللحظة دي، واحد من رجال الإنقاذ قرب منه.

— أستاذ سامح، الجهات المختصة وصلت، وبدأت المعاينة.

سامح هز راسه.

وبعدين بصلي.

— دلوقتي تقدري تسيبي الموضوع للجهات الرسمية.

أنا بصيت له.

— وإنت؟

— أنا هفضل موجود.

سألته:

— ليه؟

ابتسم.

— عشان دي أول مرة حفيدتي تحتاجني.

بصيت لليان.

كانت واقفة جنبي، ماسكة الجهاز الصغير.

وفجأة قالت:

— جدو؟

— نعم يا ليان؟

— ماما ممكن تيجي معانا؟

سامح ابتسم.

— لو ماما موافقة.

بصيت لبنتي.

وبعدين بصيت للعمارة.

وبعدين أخدت نفس طويل.

— أنا موافقة.

في الصباح، كنت قاعدة في مكان هادي، وليان نايمة جنبي.

كنت لسه مش مستوعبة اللي حصل.

قبل يوم واحد كنت فاكرة إن حياتي عادية.

بيت.

جواز.

بنت.

روتين.

وفجأة اكتشفت إن فيه صفحات كاملة من حياتي أنا نفسي ماكنتش أعرف عنها حاجة.

لكن المفاجأة الأكبر حصلت لما دخل سامح ومعاه ملف جديد.

قال:

— فيه حاجة لازم تشوفيها.

فتح الملف.

كانت شهادة ميلاد قديمة.

وبجانبها ورقة مكتوبة بخط اليد.

قرأتها.

«لو في يوم وصلت الورقة دي لنجلاء، يبقى لازم تعرف الحقيقة كاملة.»

اتجمدت.

— دي كتابة مين؟

قال:

— كتابة ابني.

بدأت أقرأ.

كان بيحكي عن فترة من حياته قبل الجواز، وعن مشاكل حصلت في العيلة، وعن أشياء احتفظ بيها لنفسه لأنه كان فاكر إنه بيحمي الناس حواليه.

لكن في آخر الصفحة كان فيه سطر واحد خلاني أرفع عيني بسرعة.

«لو حصل لي أي حاجة، أهم شخص لازم يتأكد إنه بخير هو ليان.»

بصيت لسامح.

— هو كان عارف؟

— عارف إيه؟

— إنه ممكن يحصل حاجة؟

هز راسه.

— لأ.

— أمال كتب كده ليه؟

— لأنه كان بيحاول يرتب حياته.

سكت شوية.

— وده أهم درس في اللي حصل.

— إيه؟

قال:

— ماينفعش الإنسان يسيب الناس اللي بيحبهم من غير ما يعرفوا الحقيقة.

بصيت لليان وهي نايمة.

ولأول مرة من سنين، حسيت إن كلمة «عيلة» مش معناها شخصين عايشين في بيت واحد.

العيلة معناها حد يسأل عليك.

حد يسمعك.

حد يحط خطة علشان يحميك.

حد يقول لبنت صغيرة:

«لو الدنيا خوفتك… اضغطي على الزر.»

بعد كام يوم، بدأت الأمور الرسمية تاخد طريقها.

تم فحص الشقة وكل التفاصيل المتعلقة بالحادث، واتجمعت المستندات، وكل طرف بدأ يقدم أقواله.

أنا ماعدتش بحاول أفهم كل حاجة لوحدي.

بقيت باخد كل ورقة وأعرضها على المختصين.

وبقيت أتعلم حاجة مهمة جدًا:

إن الثقة مش معناها إنك ماتسأليش.

وإن البيت مش مجرد حيطان.

وإن الأمان مش كلمة بنقولها.

الأمان تصرفات.

في يوم، كنت قاعدة مع ليان في جنينة صغيرة.

كانت بتلون رسمة.

بصيت على رقبتها.

الجهاز لسه موجود.

قلت لها:

— إنتِ عارفة إنك أنقذتي ماما؟

رفعت رأسها وقالت:

— جدو هو اللي أنقذنا.

ابتسمت.

— وإنتِ اللي ضغطتي على الزر.

قالت:

— عشان جدو قاللي لو ماما خافت، أمسك إيدها.

حضنتها.

— إنتِ عارفة إنك أشجع بنت في الدنيا؟

ضحكت.

— أنا مش شجاعة.

— أمال إيه؟

قالت بمنتهى البساطة:

— أنا كنت خايفة… بس كنت عارفة إن جدو هيوصل.

ضحكت رغم دموعي.

وفي اللحظة دي سمعت صوت سامح من ورايا:

— وأنا وعدتكم إني أوصل.

بصيت له.

كان جاي ومعاه علبة صغيرة.

ناولها لليان.

فتحتها.

جواها كانت سلسلة جديدة.

لكن المرة دي كان متعلق فيها قلب صغير مكتوب عليه:

«العيلة أولًا.»

ليان لبستها.

وبعدين بصتلي.

— ماما، كده عندي جدو بجد؟

بصيت لسامح.

قال:

— لو مامتك موافقة.

ابتسمت.

— أنا موافقة.

ليان جريت عليه.

وأنا وقفت أتفرج عليهم.

ولأول مرة، ماحسيتش إن الماضي سرق مني حاجة.

حسيت إنه أخيرًا رجّعلي حاجة كنت محرومة منها من غير ما أعرف.

مرت شهور.

البيت القديم ما رجعتش أعيش فيه.

بدأت حياة جديدة مع ليان.

بيت أصغر.

أهدى.

وفيه شباك كبير كانت ليان بتحب تقعد جنبه وترسم.

وسامح بقى يزورنا باستمرار.

كل مرة يدخل، ليان تجري عليه وتقول:

— جدو جاي!

وهو يضحك ويقول:

— أهو جدو جه.

أما أنا…

فبقيت أفتكر الليلة دي كل ما أشوف الجهاز القديم.

كنت حاطاه في صندوق خشبي صغير.

مش علشان أخاف منه.

علشان أفتكر.

أفتكر إن الإنسان ممكن يكتشف الحقيقة في أسوأ لحظة.

وإن اللي بيبان في البداية نهاية…

ممكن يكون بداية جديدة تمامًا.

وفي يوم، وأنا بفتح الصندوق، لقيت ورقة صغيرة ماكنتش شوفتها قبل كده.

كانت مكتوبة بخط سامح.

«يا نجلاء، لو وصلتي للورقة دي، يبقى ليان كبرت، وإنتِ أكيد بقيتي أقوى من اللي كنتِ عليه يوم قابلتك أول مرة. افتكري حاجة واحدة: مش كل باب بيتقفل يبقى نهايته سجن… أحيانًا الباب المقفول بيجبرنا ندور على طريق تاني، والطريق التاني بيكون هو الطريق اللي كان مستنينا من البداية.»

قرأت الورقة مرتين.

وبعدين حطيتها مكانها.

دخلت ليان الأوضة.

— ماما؟

— نعم؟

— جدو تحت.

— عايز إيه؟

— بيقول تعالي بسرعة.

— ليه؟

ضحكت.

— جابلي مفاجأة.

بصيت لها.

— وإنتِ عرفتي منين؟

قالت:

— عشان جدو عمره ما بييجي بإيد فاضية.

ضحكت.

مسكت إيدها ونزلنا.

لقيت سامح واقف في الصالة، ماسك مفتاح عربية صغير.

ليان جريت عليه.

— إيه ده؟

قال:

— عربية جديدة.

فرحت.

وبعدين بصلي.

— مش عربية كبيرة ولا حاجة… بس قلت نبدأ بيها مشوار جديد.

ابتسمت.

— مشوار فين؟

قال:

— أي مكان تختاروه.

بصيت لليان.

— تختاري إنتِ.

فكرت ثواني.

وبعدين قالت:

— البحر.

ضحكنا.

وفي نفس اليوم خرجنا إحنا التلاتة.

وأنا قاعدة في العربية، بصيت من الشباك على الشوارع وهي بتجري حوالينا.

افتكرت ليلة الحريق.

افتكرت الدخان.

افتكرت خوفي.

افتكرت صوت ليان وهي بتقول:

«ماما متخافيش… جدو جاي.»

لكن المرة دي ماكانش فيه خوف.

كان فيه طريق طويل قدامنا.

وطريق جديد.

وعيلة اتجمعت بعد سنين من غير ما حد يخطط لها.

وفي النهاية فهمت إن أكبر مفاجأة في الليلة دي ماكانتش إن جدو وصل.

المفاجأة الحقيقية…

إن بنتي الصغيرة، اللي كنت فاكرة إنها محتاجة مني أحميها طول الوقت، كانت هي السبب إني أنا كمان ألاقي طريق النجاة.

ومن يومها، كل ما ليان تسألني:

— ماما، إنتِ لسه بتخافي من النار؟

أضحك وأقول لها:

— لأ.

فترد:

— ليه؟

أبصلها وأقول:

— عشان بقيت عارفة إن حتى في أحلك وقت… لازم أدور على النور.

فتضحك وتقول:

— وجدو كمان هييجي؟

أبص ناحية سامح وأقول:

— أكيد.

ويرد من بعيد:

— جدو دايمًا بييجي.

وساعتها أفهم إن بعض الناس بيدخلوا حياتنا متأخر…

لكن لما بيدخلوا في الوقت الصح، بيغيروا كل حاجة.

تم نسخ الرابط