جوزي

لمحة نيوز

بدأ الحبل ينزل من سطح العمارة المقابلة، ورجالة الإنقاذ كانوا بيتحركوا بسرعة لكن من غير ارتباك، كأن كل خطوة محسوبة قبل ما تبدأ.

أنا كنت واقفة جنب الشباك، ماسكة إيد ليان بكل قوتي، ومش قادرة أفهم أي حاجة.

مين الراجل اللي كلم بنتي؟

إزاي عرف إننا في خطر؟

وإزاي عرف اسمها؟

والسؤال الأكبر…

إزاي قال عليها «حفيدتي»؟

صوت ليان خرج وسط الدخان:

— ماما، متخافيش.

بصيت لها.

كانت بتتكلم بثبات غريب على طفلة عندها ست سنين.

— إنتِ مش خايفة؟

هزت راسها.

— جدو قاللي إنه مش هيسيبني.

الكلمة دي خلت قلبي يدق أسرع.

— ليان… إنتِ شوفتي الراجل ده قبل كده؟

سكتت شوية، وبعدين قالت:

— لأ.

— طب إنتِ تعرفي صوته؟

— لأ.

— أمال إزاي واثقة فيه كده؟

بصتلي وكأن السؤال نفسه غريب.

— عشان هو كان بيكلمني من زمان.

اتجمدت مكاني.

— من زمان إزاي؟

لكن قبل ما تكمل، سمعنا صوت من ناحية الشباك.

— مدام نجلاء، ابعدي خطوة عن الشباك وخلي البنت وراكي.

قرب واحد من رجال الإنقاذ، وثبّت نفسه كويس، وبعد ثواني قدر يوصل للشباك.

فتحته أكتر، ودخل جزء من جسمه، ومد إيده لليان.

— تعالي يا حبيبتي.

ليان ما اتحركتش.

بصتلي الأول.

— ماما تيجي معايا.

الرجل ابتسم.

— طبعًا.

خرجنا واحدة واحدة، وبعد دقائق كنا في مكان آمن.

أول ما رجلي لمست الأرض، حسيت إني فقدت كل القوة اللي كنت ماسكاها.

قعدت على الأرض وأنا بضم ليان لصدري.

فضلت أبص على العمارة من بعيد، وأنا مش مستوعبة إننا خرجنا منها.

وبعد دقائق، وصلت عربيات إسعاف، وبدأ رجال الإنقاذ يتأكدوا إننا بخير.

كنت لسه ماسكة الجهاز الصغير في إيدي.

جهاز ليان.

وفجأة…

سمعت صوت عربية وقفت على أول الشارع.

عربية سوداء كبيرة.

الباب الخلفي اتفتح.

ونزل منها رجل كبير في السن.

كان لابس بدلة بسيطة، وشعره كله أبيض، وفي إيده عصاية أنيقة، لكن مش باين عليه إنه محتاجها.

كان ماشي ببطء.

خطوة…

وبعدها خطوة.

كل الناس اللي حواليه كانوا بيتعاملوا معاه باحترام شديد.

وأول ما شاف ليان…

وقف.

عينه لمعت.

وبصوت مبحوح قال:

— ليان.

البنت سابت إيدي وجريت ناحيته.

حضنها.

حضن طويل.

وبعدها حط إيده على رأسها.

— كبرتِ يا بنتي.

أنا كنت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك.

لحد ما رفع عينه وبصلي.

ثواني طويلة عدت من غير ما حد يتكلم.

وبعدين قال:

— نجلاء.

صوتي خرج بصعوبة:

— إنت مين؟

ابتسم ابتسامة حزينة.

— أنا جد ليان.

قربت منه خطوة.

— ده مستحيل.

— عارف.

— أبو مين؟

سكت.

وبعدين قال:

— أبو والد ليان.

الكلام وقع عليا كأنه حجر.

— والد ليان؟

بصيت لبنتي.

وبعدين رجعت بصيت له.

— إنت بتقول إيه؟

مد إيده لجيب بدلته، وطلع ظرف قديم.

— قبل ما أشرحلك أي حاجة، لازم تعرفي إن اللي حصل النهارده ماكانش صدفة.

فتحت الظرف.

كان جواه صور قديمة.

صورة لراجل شاب.

وصورة لست شابة.

وصورة لطفلة صغيرة.

وفي آخر صورة…

كان فيه طفل رضيع.

قلبت الصورة.

ولقيت مكتوب وراها:

«ابني الوحيد… آدم.»

بصيت للرجل.

— مين آدم؟

قال بهدوء:

— جوزك.

حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.

— إنت بتقول إن جوزي ابنك؟

هز راسه.

— أيوه.

بصيت لليان.

وبعدين للراجل.

— بس هو عمره ما قاللي إن ليه أب عايش.

— لأنه ماكانش يعرف الحقيقة كاملة.

سكت لحظة.

— وأنا فضلت بعيد سنين طويلة.

قعدت على كرسي جنب العربية.

— أنا مش فاهمة حاجة.

قعد هو قدامي.

— وعلشان كده لازم تسمعيني للآخر.

طلع ملف كبير من العربية.

وحطه قدامي.

— من حوالي عشرين سنة، حصل خلاف كبير بيني وبين ابني. هو كان شايف إني بحاول أفرض عليه قرارات في حياته، وأنا كنت شايف إنه محتاج وقت يفهم قيمة المسؤولية.

فتح أول ورقة.

— بعدها اختفى من حياتي.

قلب صفحة.

— حاولت أوصل له كتير، لكن كل مرة كانت المعلومات بتوصلني ناقصة.

قلب صفحة تانية.

— وبعد سنين، عرفت إنه اتجوزك.

رفعت عيني له.

— وعرفت ليان؟

ابتسم.

— عرفت بوجودها وهي لسه صغيرة.

— طب ليه ماجتش؟

نزل عينه.

— لأنني كنت فاكر إن وجودي المفاجئ ممكن يعمل مشاكل أكتر ما يحلها.

بصيت له باستغراب.

— بس إنت كنت بتراقبنا؟

— لأ.

هز راسه.

— كنت بطمّن من بعيد عن طريق شخص واحد موثوق.

وبعدين أشار للجهاز.

— والجهاز ده كان جزء من خطة أمان بسيطة.

مسكت الجهاز.

— ليان كانت بتتكلم معاك؟

ابتسم.

— مش معايا مباشرة طول الوقت.

— أمال؟

— الجهاز كان مربوط بخدمة اتصال خاصة. لو ليان ضغطت الزر، يوصل تنبيه فوري لأكتر من شخص.

بصيت لبنتي.

— مين اداها الجهاز؟

قال:

— أنا.

اتسعت عيني.

— إنت قابلتها قبل كده؟

ابتسم.

— مرة واحدة.

سكت.

— من غير ما تعرفي.

قربت منه.

— إمتى؟

قال:

— يوم حفلة المدرسة من سنتين.

افتكرت اليوم.

ليان كانت وقتها أربع سنين.

كانت لابسة فستان أبيض صغير.

وكانت طول اليوم بتتكلم عن «راجل كبير ادالها سلسلة وقالها إنها هتساعدها لو احتاجت حد».

بصيت للجهاز.

— أنا فاكرة اليوم ده.

— وأنا كمان.

سكت شوية.

— لكن اللي حصل النهارده خلاني أتدخل بنفسي.

سألته:

— إزاي عرفت إن فيه خطر؟

قبل ما يرد، ظهر واحد من رجاله ومعاه تابلت.

— أستاذ سامح، كل التسجيلات اتأمنت.

بصيت للرجل.

— سامح؟

ابتسم.

— اسمي سامح الكيلاني.

وبعدين قال:

— والليلة دي انتهت بالنسبة ليان… لكن بالنسبة لك، يا نجلاء، لسه البداية.

— بداية إيه؟

فتح الملف.

— البداية إنك تعرفي إن الشقة اللي كنتِ عايشة فيها، ووثيقة التأمين، وبعض الحسابات… كان فيها ترتيبات مالية إنتِ ماكنتيش تعرفي عنها.

بصيت له.

— يعني إيه؟

طلع ورقة.

— فيه وثائق اتعملت من غير ما يتم شرحها ليكي بشكل واضح.

بدأ يشرح بهدوء.

اكتشفت إن فيه حسابات مرتبطة بمصاريف البيت، ووثيقة تأمين، وبعض الأوراق اللي كانت بتخلي المسؤولية المالية في حالة وقوع حادث تنتقل بطريقة معينة.

لكن الأهم…

إن سامح كان قد جهز نسخة من كل المستندات من فترة، بعد ما لاحظ تناقضات في بعض البيانات.

قال:

— أنا ماحبتش أقولك أي حاجة قبل ما أتأكد.

— وتتأكد من إيه؟

— من كل حاجة.

تم نسخ الرابط