حماتى زقتنى

لمحة نيوز

ليه ما حذرتينيش؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
لأنك لو كنت سألتني قبل ما تمضي، كنت هقولك كل حاجة.
سكت.
لكنك ما سألتش.
ماجد نزل عينه.
سارة جمعت الأوراق.
في نقطة أخيرة.
رفع رأسه.
إيه؟
بعد عشرة أيام، فيه اجتماع رسمي لمجلس إدارة الصندوق الخيري، والمالك الجديد للعقار مدعو للحضور بصفته مالكًا للفيلا.
ماجد قال
وأنا مالي بالصندوق؟
لأن جزءًا من عوائد الأرض مرتبط به، ولأنك أصبحت مسؤولًا عن تنفيذ التزامات العقار.
نوال وقفت.
يعني إيه الكلام ده كله؟ إحنا هنصرف فلوس على البيت ده من غير ما نقدر نبيعه؟
سارة ردت
ده تقريبًا الوضع.
نوال بصت لماجد.
وبعدين بصت لمريم.
وبهدوء شديد قالت
رجعي البيت.
مريم استغربت.
إيه؟
رجعيه باسمك.
مريم ضحكت لأول مرة.
مش ممكن.
ليه؟
لأن البيت بقى ملك ماجد.
نوال بصت لابنها.
طب خليه يرجعه.
ماجد قال
مين قال إني هقدر؟
سارة ردت
تقدر، لكن لازم يكون الرجوع وفق الإجراءات القانونية، وموافقة الأطراف المرتبطة بالعقود.
نوال ضربت إيدها على الترابيزة.
يعني كل ده كان موجود من البداية؟
سارة قالت
أيوه.
نوال بصت لمريم.
وإنتِ كنتِ ساكتة؟
مريم ردت
لأن جدي علمني إن أحيانًا أحسن طريقة تعرف بيها حقيقة الإنسان إنك تسيبه يختار لوحده.
سكتت نوال.
ماجد رفع عينه لمريم.
وإنتِ كنتِ عايزة تعرفي أنا هختار إيه؟
مريم هزت رأسها.
أنا كنت عايزة أعرف إذا كنت بتحبني فعلًا، ولا كل اللي بينا بقى مجرد حسابات.
ثم سكتت.
لكن بعد اللي حصل في السلم، أنا ما بقيتش محتاجة أعرف الإجابة.
ماجد وشه شحب.
مريم
متتكلمش.
لأول مرة، صوتها كان هادي جدًا.
أنا مش جاية ألومك. ولا جاية أخد منك حاجة. ولا حتى عايزة البيت يرجعلي.
أمال إنتِ عايزة إيه؟
مريم بصت له وقالت
عايزة أخرج من حياتك من غير ما أفضل شايلة غضب.
سكت ماجد.
مريم كملت
وأنا كمان عايزة أقولك حاجة أخيرة. البيت ده عمره ما كان اختباري ليك.
أمال إيه؟
إنت كنت الاختبار.
خرجت الجملة بهدوء.
لكنها كانت أقسى من أي صرخة.
مرت الأيام.
ماجد بدأ يكتشف إن البيت اللي كان شايفه كنزًا سهلًا، محتاج إدارة وصيانة والتزامات طويلة المدى.
الاحتفال اللي عمله بالشامبانيا اختفى من ذاكرته بسرعة.
الصور اللي نوال نشرتها اختفت.
وبدأت العيلة تتكلم عن البيت بشكل مختلف.
ناس كانت بتبارك لهم، بقت تسأل عن تفاصيل العقود.
ناس كانت شايفة إن مريم ضيعت حقها، بدأت تفهم إن الموضوع أكبر من مجرد فيلا غالية.
أما مريم، فبدأت حياتها من جديد.
رجعت لشقتها الصغيرة في القاهرة.
عملت جلسات علاج طبيعي لرجلها.
اشتغلت على مشروع كانت مأجلاه من سنين.
وبدأت تزور الصندوق الخيري باسم جدها.
وفي أول زيارة، قابلت مدير الصندوق، راجل كبير اسمه حسن، كان يعرف جدها من سنين.
قال لها
جدك كان دايمًا يقول إنك هتفهمي كلامه لما تكبري.
ابتسمت مريم.
فهمته متأخر.
هز رأسه.
لأ. فهمتيه في الوقت المناسب.
إزاي؟
قال
لأنك لو فهمتيه بدري، كان ممكن ما نعرفش حقيقة الناس اللي حواليكي.
سكتت مريم.
وبعدين سألته
هو كان متوقع اللي حصل؟
حسن ابتسم.
مش بالتفصيل.
أمال كان متوقع إيه؟
قال
كان متوقع إن الفلوس لما تظهر قدام الناس، هتخلي كل واحد يكشف أولوياته.
مريم بصت من شباك المكتب.
الجو كان هادي.
لأول مرة من شهور، حسيت إن صدرها أخف.
بعد شهر تقريبًا، وصلها ظرف من مكتب المحامية.
فتحت الظرف.
كان فيه مستندات إنهاء إجراءات الطلاق.
وورقة صغيرة بخط ماجد.
قرأتها مرة واحدة.
كان كاتب
أنا فهمت متأخر إن البيت ما كانش أغلى حاجة عندك، وإن أنا اللي خسرت حاجات أهم من البيت بكتير. مش هطلب منك ترجعي، ومش هبرر اللي حصل. أتمنى بس يومًا ما تسامحيني.
مريم حطت الورقة جنبها.
ما ردتش.
مش لأنها عايزة تعاقبه.
لكن لأنها أخيرًا فهمت إن بعض الأبواب لما تتقفل، مش لازم نفضل واقفين قدامها مستنيين حد يفتحها.
بعد فترة، تم الاتفاق على خروج ماجد من كل الإجراءات المتعلقة بالصندوق، ونقلت بعض الالتزامات إلى إدارة مستقلة وفقًا للعقود القائمة.
أما الفيلا، ففضلت ملك ماجد كما تم تسجيلها، لكن بقيمتها الحقيقية والتزاماتها الحقيقية، مش بالصورة اللي كانوا متخيلينها.
وفي يوم من الأيام، رجعت مريم للعين السخنة.
وقفت بعيد عن الفيلا.
بصت لها من الخارج.
نفس البوابة.
نفس الأشجار.
نفس البحر.
لكنها المرة دي ما حسيتش إن المكان بيملك جزءًا منها.
بالعكس.
حست إنها أخيرًا هي اللي تملكت حياتها.
طلعت من شنطتها مفتاحًا قديمًا.
كان مفتاح غرفة جدها.
وقفت لحظة، وبعدين قالت لنفسها
كنت فاهم يا جدو.
وبعدها ابتسمت.
البيت فعلًا مش حجر.
لفت ومشيت.
لكن قبل ما تركب عربيتها، رن موبايلها.
كانت سارة.
مريم، في خبر.
خير؟
وصلنا خطاب رسمي بخصوص البيت.
من مين؟
من الجهة اللي كانت بتدير العقد القديم.
مريم سكتت.
وعايزين إيه؟
سارة ضحكت.
ولا حاجة تخوف. بالعكس.
قولي.
جدك كان عامل بند إضافي ما اتفعلش غير بعد انتقال الملكية.
مريم عقدت حواجبها.
بند إيه؟
لو المالك الجديد قرر الاحتفاظ بالبيت لمدة سنة كاملة دون بيعه أو رهنه، جزء من قيمة العقار يتحول لصالح الصندوق الخيري.
مريم سكتت.
يعني إيه؟
يعني إن كل اللي حصل في النهاية هيخلي الصندوق يستفيد بمبلغ ضخم.
مريم ضحكت.
جدي كان عامل حساب لكل حاجة.
سارة قالت
تقريبًا.
مريم بصت للبحر.
وبعدين قالت
لأ.
لأ إيه؟
مش لكل حاجة.
إزاي؟
لأنه ما كانش عامل حساب للبيت.
سارة سكتت.
مريم كملت
كان عامل حساب للناس.
قفلت المكالمة.
وبصت للموج.
كانت فاكرة لحظة سقوطها من السلم.
فاكرة الخوف.
فاكرة إنها كانت مستنية حد ينقذها.
لكنها فهمت بعد شهور إن اللحظة دي، رغم قسوتها، كانت بداية خروجها من حياة كاملة كانت بتستنزفها.
ما كانش انتصارها إنها احتفظت
بال مليون.
وما كانش انتصارها إن ماجد اتورط في التزامات البيت.
انتصارها الحقيقي إنها ما بقتش محتاجة البيت أصلًا عشان تحس إنها آمنة.
رجعت القاهرة، وبدأت حياة جديدة.
بعد سنة، افتتحت مشروع صغير باسم جدها، وجزء من أرباحه كان بيروح للصندوق الخيري.
وفي أول يوم افتتاح، وقفت قدام الباب، وعلقت لافتة بسيطة مكتوب عليها
مؤسسة عبدالسلام لدعم الأسر المحتاجة.
وقفت تتفرج عليها وهي مبتسمة.
افتكرت يوم ما كانت في المستشفى، ورجلها مكسورة، وماجد بعت لها أوراق الطلاق بدل ما ييجي يطمن عليها.
وقتها كانت فاكرة إن حياتها انتهت.
لكنها اكتشفت إن بعض النهايات بتكون مجرد باب لبداية أكبر.
أما البيت اللي كان ثمنه 90 مليون جنيه، ففضل واقف في العين السخنة.
كبير.
فخم.
وغالي.
لكن بالنسبة لمريم، قيمته الحقيقية ما بقتش في سعره.
بقت في الدرس اللي علمها إياه.
إن الإنسان لما يعرف قيمته، ما بيبقاش محتاج يثبتها ببيت ولا بفلوس ولا بحد يتمسك بيه.
وفي آخر زيارة لها للفيلا، وقفت عند نفس السلم اللي وقعت منه.
حطت إيدها على الدرابزين.
وقالت بهدوء
أنا مش هنسى اللي حصل هنا.
سكتت لحظة.
بس كمان مش هخليه يحدد حياتي.
وبعدين نزلت السلم بنفسها.
خطوة وراء خطوة.
من غير خوف.
ومن غير ما تستنى حد يمسك إيدها.
ولما وصلت لآخر درجة، ابتسمت.
لأنها أدركت أخيرًا إن جدها كان يقصد إيه لما قال لها
لو حد طمع في البيت سيبيه يدخل.
هو ما كانش بيحمي البيت.
كان بيحميها هي.
كان عايزها تشوف بعينيها مين هيقف جنبها لما ما يبقاش عندها ما تقدمه.
ومين هيفضل شايفها إنسانة تستحق الاحترام حتى لو ما كانش في إيدها أي شيء.
وفي النهاية، مريم خسرت زوجًا.
وخسرت بيتًا.
وخسرت جزءًا من حياتها كانت فاكرة إنها مستحيل تبدأ من غيره.
لكنها كسبت نفسها.
وده كان الشيء الوحيد اللي جديها ما كتبهش في أي عقد
لأن مريم وحدها كان لازم تختار تاخده.

تم نسخ الرابط