الحلاق
الصغيرة من ورا ودن ابني بطريقة آمنة، وحطوها في علبة محكمة.
وأول ما شالوها...
الظابط بصلي وقال
دي مش مجرد قطعة بلاستيك.
قلت
يعني إيه؟
جهاز صغير جدًا.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
جهاز؟!
أيوه. لكن لازم المعمل يفحصه عشان نعرف هو بيعمل إيه بالضبط.
ابني بدأ يعيط.
ماما... حد كان بيراقبني؟
ما قدرتش أرد.
ضميته بس.
وفي اللحظة دي رن موبايل الظابط.
رد.
سمعته بيقول
إيه؟
وبعد ثواني وشه اتغير.
قفل المكالمة وبصلي.
ممكن تسأليني سؤال مهم؟
اتفضل.
أنتِ قلتي إن جوزك متوفي من تلات سنين، صح؟
أيوه.
طب ليه الجهاز اللي لقيناه مربوط برقم كان جوزك بيستخدمه قبل وفاته؟
اتجمدت مكاني.
إيه؟
طلع ورقة.
كان عليها رقم هاتف.
عرفته فورًا.
كان رقم جوزي القديم.
الرقم اللي اتقفل بعد وفاته.
قلت
ده رقمه فعلًا... بس مستحيل.
الظابط قال
إحنا كمان مستغربين.
وبعدها طلب مني ما أكلمش أي حد في الموضوع.
في نفس الليلة، أخدوا الجهاز للتحليل.
وأنا وابني رحنا نقعد عند أختي لحد ما يخلصوا التفتيش.
ما نمتش.
كنت كل شوية أبص لابني وهو نايم وأفتكر كلام الحلاق.
بصي ورا ودنه.
وفضلت أسأل نفسي
ليه الحلاق الجديد لاحظ الحاجة دي؟
وليه هو بالذات؟
الصبح، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت.
كان الحلاق.
صوته كان متوتر.
قال
مدام... أنا لازم أقولك حاجة.
قلت
قول.
أنا ماكنتش حلاق بديل بالصدفة.
سكت.
يعني إيه؟
قال
أنا صاحب الحلاق الأصلي.
استغربت.
أمال مين الراجل اللي بحلق عنده من سنتين؟
قال
هو فعلًا الحلاق بتاعك، بس أنا كنت جاي له اليوم ده مخصوص.
ليه؟
صوته نزل
عشان الشرطة طلبت مني أراقب حاجة.
قلبي ضرب.
الشرطة؟!
أيوه.
سكت لحظة.
في حد كان بيسأل عن ابنك من فترة.
قلت
مين؟
مش عارف اسمه الحقيقي.
طب تعرف إيه؟
قال
كان بيدخل المحل أوقات، ويقعد بعيد، ويسأل عن مواعيد حلاقة ابنك.
اتخضيت.
ليه ما قلتليش؟
لأن الشرطة كانت بتتابعه من فترة.
قلت
والحاجة اللي لقيتها ورا ودنه؟
سكت.
وبعدين قال
دي أول مرة أشوفها.
طب ليه قلتلي أبص عليها؟
رد من غير تردد
لأني شفت إيده وهو بيحط حاجة ورا ودن ابنك قبل ما يمشي.
سكت.
حسيت إن نفسي اتقطع.
مين؟
قال
الراجل اللي كان بيسأل عنه.
قفلت المكالمة وأنا إيدي بتترعش.
بعد ساعات، الشرطة رجعت لنا.
الظابط حط قدامي صور.
وقال
تعرفي الشخص ده؟
قلبت في الصور.
وفجأة شفت وجهًا مألوفًا.
مش شخص غريب تمامًا.
كان نفس الرجل اللي ابني شافه عند المدرسة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصورة اللي بعدها.
صورة قديمة جدًا.
جوزي واقف فيها قدام محل قديم.
والرجل نفسه واقف جنبه.
قلت
ده... كان يعرف جوزي.
الظابط قال
أيوه.
مين هو؟
كان شريكه في شغل قديم.
سكت.
وبعدين قال
لكن المشكلة إننا اكتشفنا إن جوزك قبل وفاته بشهور كان بيدور عليه.
قلت
ليه؟
الظابط حط ملف قدامي.
لأن جوزك كان اكتشف إن في عملية نصب كبيرة حصلت في الشركة اللي كان شغال فيها.
بدأت أفهم.
جوزي ما ماتش بسبب الحادث اللي حصل له؟
سألت
هو موته له علاقة بالموضوع؟
الظابط رد بحذر
إحنا بنراجع القضية من جديد.
وفي نفس اللحظة، دخل ظابط تاني بسرعة.
قال
لقينا التسجيل.
الكل سكت.
تسجيل إيه؟
الجهاز اللي كان ورا ودن ابنك ماكانش جهاز تتبع بس.
فتحوا التسجيل.
وكانت الصدمة...
إن الجهاز كان بيسجل أصوات.
لكن مش أصوات ابني في المدرسة.
ولا في الشارع.
كان بيسجل كلامي أنا وابني داخل البيت.
حد كان عايز يعرف أنا بقول إيه.
وبعدين ظهر صوت في التسجيل.
صوت رجل.
بيقول
هي بدأت تشك.
الصوت اتقطع.
وبعد ثواني ظهر صوت تاني
خلي الولد بعيد عنها.
ابني كان ماسك إيدي.
وبصلي.
أنا ما قلتش حاجة.
الظابط كمل التسجيل.
وجاءت جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي
لو فتشت البيت... هتلاقي الملف.
بصيت للظابط.
أي ملف؟
قال
ده اللي هنكتشفه دلوقتي.
رجعنا البيت مع القوة.
وبدأوا يفتشوا من جديد.
فتحوا الدواليب.
الأدراج.
المطبخ.
أوضة النوم.
لكن مفيش حاجة.
لحد ما الظابط وقف قدام صورة جوزي المعلقة في الصالة.
شال الصورة.
وخبط بخفة على الحائط.
صوت الحائط كان مختلف.
كسروا جزء صغير.
وطلع صندوق معدني صغير مخبي جوه.
فتحه الظابط.
جواه فلاشة.
ومظروف.
فتحت المظروف.
لقيت جواب بخط إيد جوزي.
أول سطر فيه كان
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا ماقدرتش أرجعلك.
انهرت.
لكن كملت.
كان كاتب إنه اكتشف إن شريكه القديم كان بيخفي عمليات مالية، وإنه جمع أدلة.
لكنه كان خايف إن حد يأذيني أنا وابنه.
وفي آخر الجواب كتب
أنا مش خايف على نفسي... أنا خايف إنهم يستخدموا ابني علشان يوصلوا ليكي.
وبعدين جملة أخيرة
لو حصل لي حاجة، دوري على الشخص اللي هيحاول يقرب من ابننا من غير سبب.
رفعت عيني للظابط.
كلنا فهمنا في نفس اللحظة.
الحلاق.
المدرسة.
الرجل اللي سأل عن ابني.
والجهاز.
كلها كانت حلقات في نفس السلسلة.
لكن كان لسه سؤال واحد
مين كان بيدير كل ده؟
بعد يومين، الشرطة قبضت على الرجل اللي ظهر في الصور.
واعترف إنه كان بيراقبني من فترة.
لكنه قال إنه ما حطش الجهاز بنفسه.
وساعتها ظهرت المفاجأة الأخيرة.
الشخص اللي أعطاه الجهاز كان واحدًا من العاملين في المدرسة.
شخص كان بيشوف ابني كل يوم.
الهدف كان يعرفوا إمتى أخرج من البيت، وإمتى أكون لوحدي، وهل عندي أي أوراق أو أدلة تخص شغل جوزي القديم.
أما الرجل اللي كان بيظهر لابني ويقول له إنه يعرف أبوه...
فكان بيحاول يتأكد إن الطفل هيوصل لي معلومة معينة.
إن والده ماكانش مجرد ضحية حادث.
كان عنده دليل مهم قبل موته.
والدليل كان مخبي في بيتنا.
بعد أسابيع، القضية اتفتحت من جديد، واتربطت الأدلة القديمة بالجديدة، وتم القبض على باقي المتورطين.
أما الحلاق...
فطلع فعلًا كان بيتعاون مع الشرطة من البداية، وملاحظته الصغيرة أنقذتني أنا وابني من إننا نفضل تحت المراقبة من غير ما نعرف.
قبل ما أمشي من عنده آخر مرة، سألته
إنت ليه خاطرت وقلتلي؟
ابتسم وقال
عشان أم مش لازم تستنى حد يشرح لها إن في حاجة غلط وهي شايفة الخوف في عيون ابنها.
ومن يومها، بقيت كل مرة أحلق لابني أبص ورا ودنه بنفسي.
لكن ابني بقى يضحك ويقول
ماما، كفاية بقى... أنا مش عميل سري.
أضحك وأحضنه.
لكن جوايا عمري ما نسيت اللحظة اللي الحلاق وقف فيها المكنة...
وبصلي في المراية...
وقال
بصي ورا ودنه.
لأن لو هو ما لاحظش الحاجة الصغيرة دي في اليوم ده...
ما كناش هنكتشف إن موت جوزي كان وراه سر.
وما كناش هنكتشف إن في حد بيراقب ابني من شهور.
وأهم حاجة...
ما كنتش هعرف إن جوزي قبل ما يموت، كان سايب لي دليل واحد أخير...
دليل أنقذني أنا وابني من ناس كانوا فاكرين إن موتُه أنهى كل الأسرار.
لكنهم نسوا حاجة واحدة
إن بعض الأسرار...
بتستنى الشخص الصح عشان تظهر.