بنت عندها خمس سنين
الجزء الأول
بنت عندها خمس سنين دخلت قسم الشرطة وهي بتعيط، وقالت للضابط
أنا عملت حاجة وحشة أوي...
وبدأت تحكيله عن ست لابسة فستان أصفر، وعن كوباية خضرا أمها كانت بتخليها تشيلها، وعن حاجة خبّتها جوه الدبدوب بتاعها...
لكن آخر همسة قالتها عن الخالة اللي جاية بعد كده كانت كفيلة إنها تقلب كل حاجة.
كانت الساعة قربت على آخر الشيفت، وقسم شرطة وسط البلد بدأ يهدى شوية بعد يوم طويل.
التليفونات بقت ترن على فترات.
صوت الكيبوردات خف.
حتى أكواب الشاي والقهوة اللي كانت مليانة في أول اليوم، بقت ساقعة ومركونة جنب المكاتب.
وكل واحد تقريبًا كان بيبص في الساعة مستني يروح بيته.
لحد ما باب القسم الزجاج اتفتح...
ودخلت ليلى.
طفلة صغيرة، شكلها غريب جدًا وسط المكان ده.
كان شعرها الأشقر مربوط في توكتين مش متساويين، ولابسة فستان مشجر وفوقه كارديجان صغير، شكلها كأنها جاية من حفلة حضانة، مش قسم شرطة.
وتحت دراعها كانت حضنة دبدوب قديم، لونه باهت وخياطته من الجنب كانت مفكوكة شوية.
أما إيدها التانية فكانت ماسكة في صوابع أبوها جامد أوي، كأنها خايفة يسيبها.
أبوها، محمود رشدي، قرب من مكتب الاستقبال وقال للضابط بابتسامة محرجة
معلش يا حضرة الضابط، إحنا عارفين إننا بنعطلكم... بس البنت بقالها تلات أيام زن علينا عشان نيجي القسم. قلنا يمكن تنسى وتبطل، لكن دي بتصحى من النوم تقول عايزة أروح الشرطة، وتنام وهي بتتكلم عن الشرطة... فقولنا نجيبها ونخلص.
قالها بنبرة خفيفة، كأنه بيحاول يهوّن الموضوع.
الضابط كريم منصور كان على وشك يبتسم له تلقائيًا.
لكن ابتسامته ما اكتملتش.
لأن حاجة في وش محمود ما كانتش راكبة مع كلامه.
جنب محمود كانت واقفة مراته، داليا.
ست في أوائل التلاتينات، شيك جدًا، شعرها الأشقر الغامق مرفوع ورا بشكل مرتب، وملامحها هادية زيادة عن اللزوم.
كانت واقفة ثابتة كأن حد مصورها.
ودراعها الاتنين محاوطين شنطتها بقوة، كأنها خايفة حد ياخدها منها.
وما كانتش بتبتسم خالص.
على مكتب قريب، كانت الرائد حنان عادل بتخلص شوية ورق، لكن صوت الكلام شد انتباهها.
الأطفال نادر جدًا يدخلوا القسم بإرادتهم بالشكل ده.
لكن اللي لفت نظرها أكتر هو وش ليلى.
البنت كانت باصة حواليها بجدية غريبة جدًا على طفلة عندها خمس سنين.
حنان قامت وقربت منها، وبعدين نزلت على ركبتها لحد ما بقت في مستوى عينيها.
إزيك يا حبيبتي؟ أنا حنان... قوليلي، أقدر أساعدك في إيه؟
ليلى فضلت تبصلها كام ثانية.
وبعدين بصت للبادج اللي على كتفها.
إنتِ بجد ظابطة شرطة؟
حنان لمست البادج بإيدها وقالت بابتسامة بسيطة
أهو على آخر معلوماتي يعني.
المفروض البنت تضحك.
لكنها ما ضحكتش.
قربت أكتر، وفضلت تدقق في البادج كأنها بتتأكد بنفسها إنه حقيقي.
وبعدين سألت
يعني تقدري تدخلي الناس السجن؟
محمود ضحك ضحكة متوترة.
أهو ده اللي بقول لحضرتك عليه... البنت بقت تتفرج على حاجات أكبر من سنها، والأطفال بتلقط كل حاجة.
حنان ما بصتش له.
فضلت مركزة مع ليلى.
ساعات الكبار لما يعملوا حاجة غلط، لازم ييجوا يجاوبوا على شوية أسئلة... إنما إنتِ دلوقتي مش مطلوب منك غير إنك تحكيلي اللي حصل.
ليلى سكتت.
سكتت وقت طويل.
وبعدين شفايفها بدأت ترتعش فجأة.
قبل ما حنان تستوعب اللي بيحصل، كانت دموع البنت نزلت على خدودها.
وضمت الدبدوب لصدرها بكل قوتها.
أنا عملت حاجة وحشة أوي... أوي.
صوت حنان بقى أهدى
طيب يا حبيبتي... قوليلي حصل إيه؟
ليلى هزت راسها بسرعة.
هتدخليني السجن؟
لأ طبعًا.
وعد؟
وعد.
بجد؟
حنان هزت راسها.
بجد. أنا هسمعك بس. ومحدش... محدش هيدخل طفلة عندها خمس سنين السجن النهارده.
ليلى مسحت دموعها بضهر إيدها.
وبصت ناحية أبوها وأمها.
نظرة سريعة جدًا...
وبعدين رجعت بصت لحنان.
وصوتها نزل لدرجة إن كل اللي كانوا قريبين منهم سكتوا من غير ما يحسوا.
أنا خليت الست اللي لابسة الفستان الأصفر تنام... وهي ما صحيتش تاني.
ساعتها...
حاجة غريبة حصلت في القسم.
محدش صرخ.
محدش اتحرك فجأة.
لكن الجو كله اتغير.
صوت عقارب الساعة بقى واضح.
صوت ماكينة المشروبات اللي في آخر الطرقة بقى مسموع.
حتى صوت الكيبورد اللي كان جاي من المكتب التاني بقى حاد ومزعج.
الضابط كريم كان بيمد إيده على درج المكتب...
إيده وقفت في مكانها.
أما محمود فطلع نفس طويل.
وقال بسرعة
أهو ده اللي بحاول أفهمه لحضرتك... هي بتلخبط بين الأحلام والحاجات اللي بتشوفها في التلفزيون.
حنان قامت بهدوء.
وبصت لمحمود.
أنا عايزة أتكلم مع ليلى شوية في مكان أهدى.
محمود اتوتر.
هو الموضوع مستاهل؟
حنان ردت بنفس الهدوء
غالبًا لأ... بس هي اللي طلبت تيجي هنا بنفسها. وأنا عايزة أديها فرصة تحكي براحتها.
محمود بص ناحية مراته.
أما داليا...
ففضلت باصة في الأرض.
بعد كام دقيقة، كانت ليلى قاعدة على كرسي طويل جوه أوضة صغيرة في القسم.
رجليها كانت بتتأرجح في الهوا ومش لامسة الأرض.
حنان سابت الباب موارب، وقعدت قصادها.
محمود قعد على كرسي جنب الحيطة.
أما داليا ففضلت واقفة...
لسه حاضنة شنطتها.
والضابط كريم وقف برا الأوضة.
حنان بصت لليلى بحنية وقالت
طيب يا حبيبتي... احكيلي عن الست اللي كانت لابسة الفستان الأصفر.
ليلى بدأت تفرك ودن الدبدوب بين صوابعها.
وقالت
اسمها بسمة.
الاسم ما كانش معناه حاجة لحنان.
سألتها
بسمة دي مين؟
ليلى ردت بمنتهى الهدوء
كانت بتقعد في الأوضة الصغيرة.
حنان عقدت حواجبها.
أنهي أوضة صغيرة؟
ليلى أشارت بإيدها وراها.
الأوضة اللي ورا المطبخ... اللي مفيهاش شباك.
وساعتها...
حنان لأول مرة حسّت إن الموضوع أبعد بكتير من مجرد كابوس أو خيال طفلة.
الجزء الثاني والأخير
حنان فضلت ساكتة ثواني بعد كلام ليلى.
الأوضة اللي ورا المطبخ؟
أيوه.
ومفيهاش شباك؟
ليلى هزت
راسها.
حنان بصت ناحية محمود.
عندكم أوضة ورا المطبخ؟
محمود اتردد.
ثانية واحدة بس...
لكن حنان لاحظتها.
أيوه... فيه مخزن صغير.
مين بيستخدمه؟
محدش. حاجات قديمة وخلاص.
ليلى قاطعته فجأة
لأ... بسمة كانت بتنام هناك.
محمود اتنفض من مكانه.
ليلى!
البنت خافت وسكتت.
حنان بصت له بهدوء.
متعليش صوتك عليها.
محمود بلع ريقه.
أنا آسف... بس هي بتقول كلام مش مفهوم.
حنان رجعت لليلى.
بسمة كانت بتنام في الأوضة دي؟
أيوه.
وإنتِ شفتيها؟
ليلى هزت راسها.
كتير.
وكانت بتعمل إيه؟
البنت قربت الدبدوب من وشها وهمست
كانت بتعيط.
داليا، اللي كانت واقفة عند الباب، اتكلمت لأول مرة.
كفاية يا ليلى.
حنان بصتلها.
ليه؟
داليا ما ردتش.
حنان قربت كرسيها من ليلى.
طيب يا حبيبتي... قوليلي حاجة واحدة بس. بسمة دي كانت بتخرج من الأوضة؟
ليلى هزت راسها.
لأ.
ليه؟
عشان ماما كانت بتقفل عليها.
الغرفة كلها سكتت.
حنان رفعت عينيها لداليا.
داليا وشها اصفر.
أما محمود فقال بسرعة
الكلام ده مستحيل.
حنان ما ردتش.
فتحت نوتة صغيرة وكتبت اسم بسمة.
وبعدين سألت ليلى
وإيه حكاية الكوباية الخضرا؟
ليلى بصت للدبدوب.
ماما كانت بتديني الكوباية وأقول لبسمة تشرب منها.
حنان حسّت بقشعريرة.
كانت بتشرب؟
ليلى هزت راسها.
أيوه... بس بعد ما تشرب، كانت بتنام.
حنان رفعت رأسها ببطء.
كل مرة؟
أيوه.
محمود قام من مكانه.
أنا مش فاهم إنتِ بتسألي بنتي في إيه بالظبط!
حنان وقفت.
أنا كمان لسه مش فاهمة.
وبعدين بصت لمحمود
وعشان كده لازم نفهم.
بعد أقل من ساعة، كان فيه مأمور القسم وضابطين مباحث واقفين في بيت محمود.
البيت كان في منطقة هادية، كبير ومرتب، وكل حاجة فيه مكانها.
لكن أول ما دخلوا المطبخ، ليلى أشارت بإيدها.
هناك.
ورا المطبخ كان فيه باب خشب صغير.
محمود وقف قدامه.
ده المخزن.
الضابط كريم قرب.
الباب كان مقفول بقفل جديد.
حنان بصت لمحمود.
المفتاح؟
ضاع.
كريم رد فورًا
غريبة... باب مش مستخدم ومقفول بقفل جديد، ومفتاحه ضايع؟
محمود سكت.
اضطر يجيب حد يكسر القفل.
الباب اتفتح.
ريحة رطوبة قديمة خرجت من المكان.
الأوضة كانت صغيرة جدًا.
مفيهاش شباك فعلًا.
كان فيها مرتبة قديمة، كرسي بلاستيك، بطانية مطوية...
وعلى الأرض كانت فيه كوباية خضرا.
حنان لبست جوانتي.
ورفعت الكوباية بحذر.
كان فيها بقايا مادة غريبة في قاعها.
لكن المفاجأة كانت في حاجة تانية.
ورا المرتبة، لقوا كيس بلاستيك صغير.
جواه