سبيه هناك
سيبيه هناك لو نزف لحد ما يموت، يبقى خلّصنا من وجع دماغ كمان.
صوت أمي وهي بتقول الجملة دي خلّى الدم يهرب من وشي.
كانت الساعة 1047 بالليل، وأنا لسه في مكتب التأمين في المنصورة بخلّص شغلي، لما لقيت اسم ابني آدم ظاهر على شاشة موبايلي.
افتكرت إنه بيتصل يسألني هرجع إمتى.
لكن أول ما رديت، سمعت نفسه متقطع وصوته ضعيف بشكل خوّفني.
ماما خالتي نادين عملت حادثة.
قمت من على الكرسي مرة واحدة.
إنت فين؟! إنت كويس؟! اتعورت؟!
سكت ثواني، وبعدين قال بصوت بالكاد مسموع
مش عارف رجلي مش حاسس بيها.
مسكت شنطتي والمفاتيح بسرعة.
طب حد اتصل بالإسعاف؟!
سكت.
وبعدها همس
تيتة مش عايزة تتصل.
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
يعني إيه مش عايزة؟! اديني جدتك حالًا!
وقبل ما يرد، سمعت صوت أمي في الخلفية.
كانت بتتكلم بمنتهى البرود، كأن اللي قدامها مش حفيدها بينزف جوه عربية متحطمة.
سيبيه هناك لو نزف لحد ما يموت، يبقى خلّصنا من وجع دماغ كمان.
اتجمدت مكاني.
ماما؟!
وبعدين سمعت صوت أبويا، فؤاد، وهو بيقول
لازم نلحق نتصرف قبل ما حد يوصل.
المكالمة اتقفلت.
أنا ما ضيعتش ثانية.
اتصلت بالإسعاف والشرطة، وبعتلهم اللوكيشن اللي كان موبايل آدم مشاركه.
المكان كان على طريق زراعي قريب من طريق القاهرةالمنصورة.
وقتها بس بدأت أفهم إن اللي حصل مش مجرد حادثة.
قبلها بساعات، آدم كان عند أهلي عشان أنا كنت مضطرة أتأخر في الشغل.
أختي نادين كانت موجودة، وقالت بمنتهى العادية
أنا أوصله البيت يا ماما.
أنا وافقت.
ماكنتش أعرف إنها كانت شربت في القعدة.
والأسوأ من كده؟
إن أمي وأبويا كانوا عارفين.
ومع ذلك، سابوها تسوق وهي معاها ابني عنده ستاشر سنة.
نادين طول عمرها البنت المدلعة في البيت.
تغلط نعدّي.
تعمل مصيبة نلاقي لها مخرج.
تبوّظ حاجة حد تاني يشيل الليلة.
بس اللي حصل الليلة دي كان أكبر من أي غلطة قبل كده.
نادين دخلت على ملف بسرعة زيادة في منحنى، فقدت السيطرة على العربية، والعربية اتقلبت وخبطت في شجرة على جنب الطريق.
نادين خرجت منها بإصابات بسيطة.
لكن آدم
فضل محشور في الكرسي اللي جنب السواق.
رجله اتكسرت إصابة شديدة، ودراعه اتفتح فيه جرح عميق، وكمان اتخبط في دماغه جامد.
ومع ذلك
نادين ما اتصلتش بالإسعاف.
اتصلت بأبويا وأمي.
وهما وصلوا قبلي.
آدم حكالي بعد كده إنه أول ما شاف أبويا قرب من باب العربية المتهشم، افتكر إن جدي أخيرًا جه ينقذه.
فناداه
جدو بالله عليك طلعني من هنا.
أبويا بص له من خلال الزجاج المكسور وقال
إنت اللي كنت سايق.
آدم اتصدم.
لأ! خالتي نادين هي اللي كانت سايقة!
أمي دخلت في الكلام بسرعة
لو اتكلمت وقالت إن نادين هي اللي كانت سايقة، هتضيّع مستقبل خالتك بإيدك.
آدم كان بينزف.
ورجله محشورة.
ومش قادر يتحرك.
وفي الوقت ده، خالته كانت واقفة برّه العربية بتعيط
مش عليه.
كانت بتعيط على رخصة السواقة بتاعتها، وشغلها، وممكن يحصل لها إيه لو الشرطة عرفت إنها كانت سايقة وهي شربانة.
وابني؟
كان بالنسبة لهم مجرد حل للمشكلة.
كذبة يرموا بيها التهمة بعيد عن نادين.
آدم قدر يتصل بيا قبل ما يحاولوا ياخدوا منه الموبايل.
ولما وصلت أخيرًا، لقيت الإسعاف والشرطة سبقوني بدقايق.
المسعفين كانوا بيحاولوا يقطعوا باب العربية عشان يطلعوا ابني.
جريت عليهم وأنا مرعوبة.
واحد من المسعفين بص لي وقال
هو لسه عايش بس حالته حرجة.
بصيت حواليا أدور على أمي وأبويا ونادين.
ملقتش حد.
سألت واحد من أفراد الشرطة
أهلي كانوا هنا راحوا فين؟
بص لي باستغراب.
حضرتك تقصدي مين؟
أختي وأبويا وأمي كانوا موجودين قبلنا.
سكت لحظة، وبعدين قال
أيوه، في ناس قالوا إنهم كانوا هنا بس مشيوا.
مشوا؟
سابوا ابني محشور في عربية مدمرة وبينزف
ومشوا؟!
دخلت المستشفى وأنا حاسة إني مش فاهمة حاجة.
وبعد ساعات طويلة من الرعب، وأنا قاعدة مستنية الدكتور يخرج من غرفة العمليات، جاتلي محققة مرور اسمها داليا.
قعدت قدامي وقالت
محتاجين موبايل ابن حضرتك، حتى لو بايظ.
طلعت لها الموبايل.
هو اتكسر في الحادثة.
هزت راسها وقالت
عارفين. بس الموبايل سجل حاجات مهمة مش بس وقت وقوع الحادث.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
العربية نفسها كان فيها جهاز متصل بالنظام الإلكتروني قبل الحادث مباشرة.
بصيت لها بعدم فهم.
يعني إيه؟
فتحت قدامي التقرير.
وبعدين قالت
الجهاز اللي كان متوصل بالعربية قبل الحادث مش بتاع ابنك.
قلبي دق بسرعة.
أمال بتاع مين؟
داليا حطت إصبعها على اسم في التقرير.
اسم أختي
نادين.
وقتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد حادثة.
وأنا لسه ما كنتش أعرف إن العربية نفسها كانت مخبية الدليل اللي هيهدّ كل كلمة قالوها
وإن الكذبة اللي أمي وأبويا بنوها عشان يحموا بنتهم
كانت خلاص على وشك تقع فوق دماغهم.
بعد ما داليا قالت اسم نادين، فضلت باصة للتقرير كأني مستنية الاسم يتغير.
يعني إيه الجهاز بتاع نادين كان متوصل بالعربية؟
داليا قربت الكرسي مني وقالت بهدوء
قبل الحادث بحوالي عشرين دقيقة، موبايل أخت حضرتك اتوصل بنظام العربية. وبعدها حصلت محاولات للوصول لبعض بيانات الرحلة.
محاولات للوصول؟
أيوه. كأن حد كان عايز يمسح حاجة.
حسيت ببرودة في إيدي.
ومين اللي عمل كده؟
لسه بنحقق.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
بس في حاجة أهم.
طلعت صورة من التقرير وحطتها قدامي.
كانت صورة للسيارة بعد الحادث.
وأشارت للجزء الخلفي.
هنا فيه كاميرا داخلية.
بصيت لها.
كاميرا؟!
أيوه. والعربية كانت بتسجل تلقائيًا وقت وقوع الحادث.
حسيت إن نفسي وقف.
يعني التسجيل موجود؟
هزت راسها.
جزء منه.
والجزء التاني؟
داليا بصت لي في عيني.
حد حاول يمسحه.
في اللحظة دي، فهمت ليه أبويا قال في التليفون
لازم نلحق