لما رجعت من المستشفى بالعكازين

لمحة نيوز

إن جوزي عمره ما هيطلب مني أخرج منه.
وبعد كل ده
خرجنا.
أنا.
وأولادي الأربعة.
شنطتين بس.
وأقل من تلت تلاف جنيه في المحفظة.
وقبل ما أقفل باب البيت، بصيت لطارق.
كنت مستنية يمنعني.
يمسك إيدي.
يقول لي
استني.
لكنه فضل واقف مكانه.
ساكت.
حماتي كانت واقفة وراه.
وأنا ساعتها فهمت إن سكوتهم مش نهاية الحكاية.
ده كان أول سطر فيها.
خرجنا للشارع.
محدش عرض يوصلنا.
محدش سأل هنروح فين.
ومحدش فيهم كان يعرف إن الملف الأزرق اللي خدته معايا
كان فيه حاجات لو ظهرت قدام الناس، مش هتخليني أخسر جوزي بس
دي كانت هتخلي طارق يخسر أكتر بكتير من بيت واسم عيلته.
الجزء التاني الملف الأزرق
خرجت من باب البيت وأنا مش حاسة برجلي.
مش بسبب إصابتي.
بسبب الإحساس اللي جوايا.
سنين كاملة كنت فاكرة إن أصعب حاجة ممكن تحصل للإنسان هي إنه يخسر صحته.
لكن اكتشفت إن فيه حاجة أصعب
إنك تكون محتاج سند، وتكتشف إن الشخص اللي المفروض يسندك هو أول واحد بيدفعك تقع.
وقفت على الرصيف، وأنا ماسكة العكازين، والعيال حواليا.
آدم كان شايل شنطة.
عمر شايل شنطة أصغر.
ليان ماسكة إيد أختها ملك.
وأنا كنت ببص للشارع ومش عارفة هنروح فين.
وفجأة سمعت صوت عربية بتقف قدامنا.
رفعت عيني.
كانت عربية أجرة قديمة.
السواق فتح الشباك وقال
حضرتكوا رايحين فين؟
قبل ما أرد، آدم قال
أي مكان قريب من محطة القطر.
بصيت له.
ليه محطة القطر؟
قال بصوت مكسور
عشان مش عايز أرجع تاني.
ماعرفتش أقول له إيه.
لكن السواق قال
اركبوا، وربنا يسهل.
ركبنا.
وأنا طول الطريق كنت فاتحة الشنطة وببص على الملف الأزرق.
كنت حاسة إنه تقيل.
مع إنه مجرد ورق.
لحد ما العربية وقفت قدام بيت أخويا شريف.
أنا وشريف ماكناش قريبين.
سنين من الزعل والبعد خلت كل واحد فينا يعيش حياته لوحده.
لكن أول ما شافني واقفة على العكازين، وورايا أربعة أطفال وشنط، وشاف وشي
ما سألنيش
إنتِ عملتي إيه؟
ولا قال
إيه اللي حصل؟
فتح الباب على طول.
وقال
ادخلي.
وبس.
الليلة دي، العيال ناموا في الصالة.
شريف جاب لهم مراتب، وفضل هو واقف طول الليل يحاول يصلح المروحة القديمة اللي كانت بتزن.
وأنا قعدت في المطبخ لوحدي.
فتحت الملف.
طلعت أول تقرير طبي.
وبعده الأشعة.
وبعده أوراق التأمين.
ثم وصلت لظرف صغير كنت حاطاه في آخر الملف.
الظرف ده ماكنتش فتحته من يوم الحادثة.
كان عليه اسم المستشفى.
فتحته.
طلعت منه ورقة.
إفادة رسمية عن حادث التصادم.
قرأت السطور مرة.
مرتين.
وبعدين حسيت إن نفسي اتقطع.
لأن فيه حاجة ماكنتش أعرفها.
السيارة اللي خبطتني
ماكانتش ماشية لوحدها.
قبل الحادث بأربع ساعات، حد اتصل بشركة التأمين وطلب تعديل بيانات وثيقة العربية.
والشخص اللي اتصل
كان اسمه
طارق المنشاوي.
جوزي.
قعدت ساكتة.
مش فاهمة.
ليه؟
ليه يعمل كده؟
قلبت الورقة.
لقيت رقم ملف.
وتحت الرقم ملاحظة بخط موظف
يرجى مراجعة طلب التعويض السابق للحادث.
وقتها بدأت أفهم إن فيه حاجة أكبر من مجرد خناقة زوجية.
تاني يوم الصبح، طارق اتصل.
ما رديتش.
اتصل تاني.
وبعدين بعت رسالة
ندى، لازم نتكلم. اللي حصل امبارح كان انفعال.
قفلت الموبايل.
بعد عشر دقايق، حماتي اتصلت.
ما رديتش برضه.
بعدها جت الرسالة
لو فضلتي مصممة على العند، متلوميش غير نفسك. البيت باسمي، ومفيش ليكي حق فيه.
ابتسمت.
أول مرة من شهور.
مش علشان الكلام يضحك.
لكن علشان فجأة افتكرت جملة في ورقة قديمة.
كنت أنا اللي دفعت جزء كبير من مقدم البيت.
من فلوس تعويض كنت واخداها بعد وفاة والدي.
والأهم
كان فيه تحويل بنكي باسم طارق.
لكن الفلوس أصلها كان حسابي.
قلبت في الملف.
ولقيت نسخة من عقد البيع.
وتحت بند الملكية، كان اسمي موجود.
ندى إبراهيم المنشاوي.
نص البيت.
مش كله باسمه.
حماتي كانت بتقول لي عشر سنين
ابني هو اللي جاب البيت.
لكنها ماكانت تعرف إن عندي نسخة من العقد.
وهو نفسه نسي.
بعد أسبوع، بدأت أتعالج في مركز قريب من بيت شريف.
كنت بروح جلسات العلاج الطبيعي.
الألم كان شديد.
وفي أيام كنت برجع وأنا منهارة.
لكن كل يوم كنت بقدر أقف ثواني زيادة.
ثلاث ثواني.
خمس.
عشر.
وأول مرة وقفت لوحدي من غير ما أمسك حاجة، آدم كان واقف قدامي.
ابتسم وقال
ماما إنتِ تقدري.
دموعي نزلت.
قلت له
لسه بدري.
رد
مش مهم. المهم إنك بدأتي.
كنت محتاجة الجملة دي.
لأن ابني الصغير كان بيعرف يشجعني أكتر من الرجل اللي عشت معاه عشر سنين.
بعد شهر تقريبًا، المحامي اللي رشحه لي شريف بدأ يراجع أوراقي.
كان اسمه أستاذ ماهر.
قعد قدامي، وقلب الأوراق واحدة واحدة.
لحد ما وقف عند إفادة الحادث.
رفع عينه وقال
ندى، إنتِ كنتِ تعرفي إن طارق قدّم طلب تعديل على وثيقة التأمين قبل الحادث؟
هزيت راسي.
لأ.
قال
طب تعرفي إنه كان بيحاول يرفع قيمة التغطية قبل الحادث بأيام؟
قلبي دق بسرعة.
يعني إيه؟
سكت شوية.
وبعدين قال
يعني لازم نعرف هو كان متوقع إيه.
سألته
إنت شاكك فيه؟
رد بهدوء
أنا مش بشك في حد. أنا بقرأ الورق.
فتح ملف تاني.
وقال
وفيه حاجة أخطر.
طلع كشف حساب.
الفلوس اللي اتدفعت للعلاج جزء كبير منها اتسحب من حساب مشترك بينك وبينه.
قلت
طبيعي. ده حساب البيت.
قال
مش الطبيعي إن فيه تحويل حصل قبل الحادث بيومين لحساب شركة باسم قريبته.
اتجمدت.
قريبته؟
أيوه.
ناولني الورقة.
اسم الشركة كان
المنشاوي للاستشارات والمقاولات.
قلت
دي شركة أخوه.
قال
بالضبط.
وبعدين بص لي
المبلغ كان كبير.
همست
كام؟
قال الرقم.
وحسيت إن الدنيا بتلف بيا.
كان مبلغًا أكبر من كل مدخراتنا تقريبًا.
سألته
هو خد الفلوس دي ليه؟
رد
لسه ما نعرفش.
ثم أضاف
لكن فيه حاجة واحدة واضحة طارق كان بيجهز لحاجة قبل الحادث.
في نفس الأسبوع، حصل شيء أغرب.
كنت قاعدة مع شريف بعد جلسة العلاج، لما تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
صوت رجل قال
مدام ندى؟
أيوه.
أنا سامح كنت شغال في الشركة اللي كانت بتأمن عربية الحادث.
قلبي دق.
خير؟
قال
أنا اتفصلت من الشغل من كام أسبوع.
ماليش دعوة.
عارف. بس أنا ضميري مش مريحني.
سكت.
وبعدين قال
فيه طلب اتقدم قبل الحادث بيومين. وطلبوا مني أعدّل تاريخ مستند.
مين؟
سكت طويلًا.
ثم قال
جوزك.
قفلت عيني.
إنت متأكد؟
أنا كنت الموظف اللي استلم الطلب.
سألته
وطلب منك إيه؟
قال
كان عايز يثبت إن العربية اتعمل لها صيانة قبل الحادث، رغم إن الصيانة ماحصلتش.
ليه؟
مش عارف.
وليه بتقول لي ده دلوقتي؟
تنهد.
عشان لما رفضت، مديري قال لي أمضي وخلاص. وبعد الحادث بيوم، طلبوا مني أمسح نسخة من الملف.
سكت.
ثم قال
بس أنا كنت مصورها قبل ما أمسحها.
يدي بدأت ترتعش.
معاك نسخة؟
أيوه.
بعد يومين، قابلنا سامح في كافيه صغير.
حط فلاشة على الترابيزة.
قال
دي كل اللي عندي.
المحامي وصل بعدها.
فتحنا الملفات.
كانت فيه مراسلات بين طارق وموظف التأمين.
ثم ملف آخر.
ثم صور.
ثم تسجيل صوتي.
وفي التسجيل
سمعت صوت حماتي.
كان صوتها واضحًا.
قالت
طارق، أهم حاجة مايبانش إنك مستعجل.
وصوته رد
أنا فاهم.
قالت
ولو حصل لها حاجة التعويض هيحل كل مشاكلنا.
تجمد الدم في عروقي.
بصيت للمحامي.
ثم لشريف.
ثم رجعت أسمع التسجيل.
وفي آخره قالت حماتي
والبيت لازم يفضل في إيدك. البنت دي لو عرفت أي حاجة هتطالب بنصه.
وقتها فهمت.
هم ماكانوش بس عايزين يخرجوني من البيت.
كانوا بيخططوا من قبل الحادث.
لكن السؤال كان
هل كانوا عايزين يقتلوِني؟
ولا كانوا بيخططوا لحاجة تانية؟
المحامي رفض نستعجل.
قال
مفيش اتهام من غير إثبات كامل.
وبدأنا نجمع كل حاجة.
حسابات.
رسائل.
تحويلات.
تقارير.
تسجيلات.
وأهم حاجة
سجل المكالمات.
بعد أسابيع من البحث، ظهرت المفاجأة.
قبل الحادث بساعتين، طارق اتصل بميكانيكي.
وبعدها مباشرة اتصل بسائق شاحنة.
المكالمة التانية كانت قصيرة جدًا.
لكنها حصلت قبل الحادث ب دقيقة.
المحامي طلب بيانات إضافية.
ولما وصلت
ظهر رقم العربية.
نفس العربية اللي سببت الحادث.
سكتنا كلنا.
لأن العربية كانت مسجلة باسم شركة مقاولات.
والشركة
كانت شريكة مع شركة طارق في مشروع جديد.
طارق بدأ يحس إن الموضوع خرج عن سيطرته.
في البداية حاول يراضيني.
جالي عند بيت شريف.
وقف قدام الباب.
وقال
ندى، أنا غلطت.
بصيت له من فوق لتحت.
غلطت في إيه؟
إني سبت أمي تتكلم بالطريقة دي.
ضحكت.
بس؟
سكت.
قلت
إنت فاكر إني زعلانة علشان قالت إني حمل؟
ما ردش.
قرب خطوة.
ارجعي البيت.
ليه؟
علشان العيال.
قلت
العيال كانوا موجودين يوم طردتنا.
وشه اتغير.
قلت
إنت سكت.
قال
كنت مضغوط.
وأنا كنت إيه؟
سكت.
قرب أكتر.
أنا ممكن أصلح كل حاجة.
بصيت له.
متأخر.
قال بعصبية
ندى، متلعبيش معايا.
هنا ظهر شريف من جوه.
وقال
هو حد لعب معاك؟
طارق بص له بغضب.
وبعدين رجع لي.
إنتِ عارفة إن البيت باسمي.
ابتسمت.
نصه
تم نسخ الرابط