لما رجعت من المستشفى بالعكازين

لمحة نيوز

لما رجعت من المستشفى بالعكازين ومبقتش قادرة أمشي لوحدي، حماتي قالت لجوزي إنت مش هتفضل شايلها طول عمرك وهو سكت. وقتها فتحت الملف الأزرق اللي فيه كل أوراقي الطبية واستنيت لأني كنت عارفة إن السكوت ده هيكلّفه أكتر بكتير من بيت واسم عيلته.
سكوت الصالة
إنت مش هتفضل شايلها طول عمرك يا ابني.
حماتي، سناء المنشاوي، قالت الجملة دي وهي واقفة في نص الصالة، قدام ولادي الأربعة، بكل برود كأنها بتتكلم عن كرسي قديم بقى ملوش لازمة.
لا خفضت صوتها، ولا حتى بصت على العيال قبل ما تتكلم.
بالعكس، عدّلت ياقة البالطو البيج اللي لابساه، وبصت للعكازين اللي في إيدي بنظرة غريبة، كأن وجودهم قدامها هو اللي مستفزها.
صوابعي شدت على العكازين.
رفعت عيني ناحية جوزي، طارق.
كان واقف جنب المكتبة، ساكت، وعينيه في الأرض.
طارق كان عنده سبعة وتلاتين سنة، صحته كويسة، جسمه سليم، وواقف على رجليه من غير أي مشكلة.
يعني كان يقدر يتكلم.
كان يقدر يقول كلمة واحدة بس.
عيب يا أمي.
أو حتى
مراتي مش حمل.
لكنه ما قالش أي حاجة.
ولا دافع عني.
ولا حتى طلب من أمه تسكت.
ابني الكبير آدم، اللي عنده حداشر سنة، اتحرك فجأة ووقف بيني وبينها.
فرد ضهره، ورفع كتافه، وحاول يخلي نفسه أكبر من سنه.
وقال لها
ماتتكلميش مع ماما بالطريقة دي.
حماتي بصت له، ورفعت حاجبها باستغراب، وبعدها ابتسمت ابتسامة مستفزة.
ده كلام كبار يا آدم.
ابني رد من غير ما يتردد
أمال اتكلمي زي الكبار.
سكتت.
وأنا ما قدرتش أقول حاجة.
في أي وقت تاني، كنت هعاتبه على طريقته مع جدته.
لكن اليوم ده، كل اللي قدرت أعمله إني أبص لابني وأفكر
إزاي طفل عنده حداشر سنة قدر يبقى عنده شجاعة أبوك مش قادر يجيبها؟
قبل الحادثة، الناس كانت دايمًا تقول لي
إنتِ عايشة عيشة كويسة أوي.
كنا ساكنين في بيت كبير في ضواحي مدينة الشروق، في منطقة هادية، بيوت شكلها حلو، شوارع نضيفة، وعيال المدارس بتروح وتيجي في مواعيد ثابتة.
طارق كان شغال مهندس ومشرف على مشروعات في شركة مقاولات كبيرة، وأنا قضيت حوالي عشر سنين من عمري بين البيت والعيال.
آدم، وأخوه عمر، وأختهم ليان، وأصغرهم ملك اللي كان عندها أربع سنين.
من بره، حياتنا كانت شكلها مستقرة جدًا.
بيت.
جوز.
أربع عيال.
دخل كويس.
وعيلة كبيرة معروفة.
لكن جوا البيت كنت دايمًا حاسة إن حماتي شايفاني واحدة مؤقتة.
واحدة دخلت عيلتهم وخلاص.
سناء كانت من النوع اللي بيقيس الناس بأسماء العائلات، والفلوس، والوظايف، والناس اللي تعرفهم.
كانت بتحب تتكلم عن ولادها كأنهم مشروع استثماري ناجح.
وأنا؟
أنا كنت بنت ناس على قد حالهم.
أبويا كان عنده محل أدوات كهربائية صغير في بلدة قريبة من الزقازيق، وأمي وأبويا ماتوا من سنين.
ماكانش فاضل لي من أهلي غير أخويا الكبير شريف، وعلاقتنا ببعض كانت سطحية جدًا.
حماتي عمرها ما ضيعت فرصة تفكرني إني أقل منهم.
في العزومات كانت تقول قدام الكل
ابني هو اللي تعب وبنى نفسه بنفسه.
وبعدين تبص لي وتكمل
مش كل واحدة بيبقى حظها حلو وتدخل عيلة زي عيلتنا.
كنت ببلع الكلام.
مش علشان مقتنعة.
لكن علشان كنت شايفة إن خناقة جديدة كل أسبوع مش هتجيب غير وجع دماغ.
كنت بعمل كل حاجة في البيت.
أطبخ.
أنضف.
أجهز شنط العيال.
أتابع مذاكرتهم.
أفتكر مواعيد المدرسة والدروس.
أروح حفلات المدرسة.
أتابع مين عنده امتحان ومين عنده برد.
وأفضل صاحيه طول الليل لو واحد منهم تعب.
طارق كان بينزل شغله ويقبض آخر الشهر.
وأنا كنت ببني البيت من جوه حتة حتة.
بس مع الوقت، كل اللي كنت بعمله بقى بالنسبة لهم حاجة عادية.
حاجة بتحصل لوحدها.
لحد ما جه يوم قلب حياتنا كلها.
كان يوم تلات.
الجو شتا والمطر نازل من بدري.
كنت راجعة بالعربية ومعايا عمر وليان بعد ما خلصوا نشاط في المدرسة.
الطريق كان زحمة، والأسفلت مبلول، وكل الناس مستعجلة ترجع بيوتها.
وفجأة
عربية جاية من شارع جانبي دخلت التقاطع بسرعة.
ما لحقتش أعمل حاجة.
صوت خبط رهيب.
العربية لفت.
والدنيا كلها اسودت في ثانية.
العيال الحمد لله خرجوا بإصابات بسيطة.
لكن أنا
إصابتي كانت أخطر.
الضربة أثرت على ضهري وعمودي الفقري، وبعدها بقيت مش قادرة أقف أو أمشي من غير مساعدة.
قعدت أسابيع في المستشفى.
وبعدها نقلوني لمركز تأهيل.
الدكاترة كانوا صريحين معايا.
قالوا إن عندي فرصة أتحسن مع العلاج الطبيعي والوقت.
لكن محدش يقدر يضمن لي هرجع أمشي زي الأول ولا لأ.
في الأول، طارق كان بييجي كل يوم.
كان يقعد جنبي.
يمسك إيدي.
يجيب لي قهوة.
ويقول
إحنا هنعدي ده سوا يا ندى.
إنتِ لسه إنتِ مفيش حاجة اتغيرت.
كنت بصدقه.
كنت متعلقة بالكلمتين دول.
لكن وأنا لسه في العلاج، حاجة بدأت تتغير.
زي نقطة مية بتنزل كل يوم لحد ما تعمل حفرة.
زياراته قلت.
وبقى يتضايق من المشاوير.
مرة يقول
أنا هلف على الشغل وبعدين أروح أجيب العيال.
ومرة
مش عارف هنفضل ماشيين بالنظام ده لحد إمتى.
ولما طلبت منه يساعدني أنقل من الكرسي للسرير، تنهد بضيق قبل ما يمد إيده.
التنهيدة دي وجعتني أكتر من الإصابة نفسها.
لأول مرة حسيت إنه مبقاش شايفني مراته.
بقى شايفني
مسؤولية.
حاجة زيادة على جدول حياته.
بعد ما رجعت البيت على كرسي متحرك، حماتي بقت تيجي عندنا شبه كل يوم.
كانت تقعد في الصالة، تراقبني وأنا بعمل تمارين العلاج الطبيعي.
وأوقات، كانت تفضل ساكتة، وبعدها تبص لطارق وتبدأ كلامها.
كأنني مش موجودة.
إنت شكلك تعبت يا ابني.
الشغل والعيال والبيت فوق طاقتك.
مش طبيعي تشيل كل ده لوحدك.
وأنا كنت قاعدة قدامهم.
سامعة كل كلمة.
مستنية طارق يقول
هي مش حمل يا أمي.
لكن ما قالهاش.
كان بيسيب أمه تتكلم.
ويسكت.
لحد ليلة سمعتهم بيتكلموا في المطبخ.
كنت وقتها في أوضتي.
والباب كان موارب.
سمعت صوت حماتي
إنت لسه صغير يا طارق.
مش معقول هتفضل طول عمرك رابط حياتك بواحدة مش قادرة تتحرك طبيعي.
سكت شوية.
وبعدين قالت
فكر في نفسك فكر في العيال.
الصمت طال.
وبعدين سمعت صوت طارق واطي
أنا عارف.
الجملة دي
كانت كفاية.
في اللحظة دي، جوايا انتهى كل شيء.
مش يوم الحادثة.
ومش لما بقيت محتاجة عكاز.
جوايا انتهى يوم ما جوزي وافق أمه إن قيمتي قلت لمجرد إن جسمي مبقاش قادر يتحرك زي الأول.
ولما حصلت المواجهة في الصالة، كانت حماتي أخيرًا قالت الكلام اللي كانت بتلف حواليه بقالها شهور.
بصت لي وقالت
يا بنتي، هو مش هيفضل طول عمره شايلك.
طارق عنده شغل وحياة وعيال.
وبعدين لفتت ناحية ابنها
إنت كمان لازم تفكر في مستقبلك.
أنا بصيت لطارق.
مستنية.
مرة واحدة بس.
كنت مستنية يقول
كفاية يا أمي.
لكنه مسح على وشه، وبعدها قال
يمكن يمكن لو أخدنا شوية وقت بعيد عن بعض، الأمور تهدى.
فضلت باصة له كام ثانية.
وبعدين هزيت راسي.
تمام.
دخلت الأوضة.
طلبت من العيال يلموا شوية هدوم وحاجات أساسية.
آدم كان بيحاول يمسك نفسه.
عمر كان ساكت ودموعه نازلة.
ليان كانت ماسكة في إيدي.
وملك كانت مش فاهمة إحنا ليه بنمشي من البيت.
وأنا
كنت هادية بشكل غريب.
فتحت الشنطة القماش اللي كانت جنبي.
وطلعت الملف الأزرق.
الملف اللي كنت حاطاه تحت الكرسي من يوم ما خرجت من المستشفى.
جواه كانت كل أوراقي الطبية.
تقارير المستشفى.
أشعاتي.
أوراق العلاج الطبيعي.
فواتير العلاج.
مراسلات التأمين.
وكمان
نسخ من كل الرسائل اللي طارق بعتها لي من يوم الحادثة.
رسائل كنت محتفظة بيها.
رسائل قال فيها إنه مسؤول عني.
رسائل قال فيها إنه هيتحمل تكاليف علاجي.
ورسائل تانية كان بيشتكي فيها لأمه من مصاريف البيت والعلاج.
كنت محتفظة بكل حاجة.
مش لأني كنت بخطط لحاجة.
لكن لأن الأيام علمتني إن اللي بيقول
مافيش داعي للأوراق دي.
غالبًا بيكون أول واحد يحتاجها بعدين.
قفلت الملف.
وحطيته جوه شنطتي.
وبصيت حواليا للمرة الأخيرة.
ده كان بيتي.
البيت اللي عشت فيه عشر سنين.
البيت اللي ربيت فيه عيالي.
البيت اللي كنت فاكرة

تم نسخ الرابط