جوزي ماديا
الدم غلى في عروقي، وحسيت بنار قايدة في صدري، إهانة وكسرة نفس مقدرتش أتحملها أكتر من كده.. سيبت الولاد يلعبوا في الرملة، وقربت من حرف المية، وناديت عليه بصوت عالي وثابت هز كل اللي حوالينا: "تعالى هنا حالا!".
أول ما سمع صوتي، وقف مكانه ونزلها بسرعة، وملامح وشه فجأة اتحولت من الضحك للغضب والبرود، وطلع من المية وهو بينفخ وبيبصلي بقرف وبيقول: "خير؟ جاية تنكدي علينا هنا كمان؟".
واقفة قدامه على حرف المية، والكل حوالينا سكت وانتبه للصوت. عيون حماتي وخالته اتجهت لي بنظرات استعلاء واستفزاز كأنهم بيقولوا لي "إنتي اللي جيتى تفرضي نفسك"، وبنت خالته وقفت ورا مرجحة شعرها المبلل وبابتسامة باردة متصنعة البراءة.
بصيت في عينه المليانة قرف وغضب، وضحكت بصوت عالي ضحكة كلها مرارة وألم، ضحكة خلت الحروف تطلع من زوري مسكاينة وجامدة:
- "نكاد؟ هو أنا اللي نكدت ولا الحقيقة اللي وجعتك؟ ولا خايف العرض يخلص بدري يا سي المحترم؟"
قرب مني بغضب أعمى، ووطى صوته عشان الناس متلاحظش، بس نبرته كانت أشبه بالسم:
- "انتي اتجننتي؟ صوتك عالي ليه وجاية تعملي فضيحة وتلمي علينا الناس؟ امشي ارجعي الشاليه وخلي الليلة دي تعدي على خير بدل ما أوريكي وش تاني خالص."
الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير. كل سنين الصمت، والتنازل، والتحمل تحت مسمى "عشان ولادي"، وكل دمعة نزلت في السر وكل مرة بلعت فيها إهانتي.. اتهدوا في ثانية. حسيت إن روحي انتفضت ومبقاش عندي أي حاجة أخاف عليها أو أحافظ عليها مع بني آدم باعني بالرخيص قدام أهله والغريب.
بصيت له بثبات وبعيون ناشفة تماماً من الدموع، ورفعت صوتي أكتر عشان كل الموجودين يسمعوا، ولادي، وأهله، وكل الناس اللي على الشط:
- "فضايح؟ هو لسه فيه فضايح أكتر من اللي إنت عاملها في نفسك وفينا طول عمرنا؟ جاي تنزل البحر عشان عظامه وجعتك؟ وجاي تضحك وتتفسح عشان بتعطف علينا؟ أحب أريحك.. وفر قرشك، وبلاش تشيل همنا تاني، ومش أنا اللي هسمح لعيالي يشوفوا أمهم مهانة ومكسورة الجناح وسكتة."
سكت تماماً، واتسمر مكانه مكنش متوقع إن المكسورة الطيبة اللي كانت بتعدي له كل حاجة هتتكلم بالجرأة دي وفي العلن. حماتي قامت وقفت بسرعة وهي بتزعق:
- "انتي اتجننتي يا بت؟ بتعلي صوتك على جوزك قدام الناس وفي الشارع؟ هو ده الأصول اللي أهلك علموها لك؟"
بصيت لحماتي نظرة أخيرة خلتها تبلع باقي كلامها، وقلت بصوت حاسم:
- "الأصول الحقيقية إن الابن يتقي الله في مراته وولاده مش يرميهم كأنهم عبء عليه ويوزع حبه وفرحته على غيرهم.. والفرحة اللي أنتوا متجمعين عشانها دي مبروك عليكم، أنا وولادي مش هقعد دقيقة واحدة زيادة في مكان مش طايقنا."
لفت بسرعة، ومشيت ناحية ولادي اللي كانوا قاعدين مرعوبين ماسكين في بعض. حضنت بنتي الكبيرة وابني الصغير اللي كانت عيونهم مليانة أسئلة وخوف، وقلت لهم بصوت دافي بس حاسم:
- "يلا يا حبايب قلبي، شنطنا هتتلم حالا واحنا راجعين بيتنا.. بيتكم اللي هتبنوه راسكم مرفوعة ومش مكصورين."
دخلت الشاليه زي العاصفة، لميت كل هدومنا وحاجتنا في الشنط بسرعة البرق، وولادي حواليا بيساعدوني وكأنهم حاسين إن فيه صفحة جديدة بتتفتح وإن ماما بقيت قوية. حماتي دخلت ورايا بعصبية وعايزة تفتح تحقيق وتزعق، بس أنا ما أدتهاش الفرصة ولا حتى بصيت في وشها. شديت الشنط وطلعت بره الشاليه ووقفت على الشارع الرئيسي وأنا بشاور لأول عربية أجرة تقابلنا.
ركبنا العربية، وفي اللحظة اللي العربية اتحركت فيها وابتدت تبعد عن الشاليه وعنه وعن كل الكدب والوجع ده.. حسيت إن صدرى اتفتح لأول مرة من سنين. الهوا الخفيف دخل يمسح دمعة أخيرة نزلت على خد بنتي، بس المرة دي مكنتش دمعة قهر، دي كانت دمعة راحة وبداية جديدة.
لما رجعنا البيت، قفلت الباب ورايا وحسيت إن ده أول يوم بحياته ليا ولولادي بجد. هو قعد هناك كمل صيفه براحته مع أهله وبنت خالته ولا كأن حصل حاجة، وفضل تليفونه يرن ورا بعضه بغضب عشان يهددني أو يضغط عليا، بس كنت أخدت أقوى قرار في عمري: "بلوك" لكل محاولاته، وبدأت أخطط لصفحة جديدة تماماً تكون فيها كرامتي وولادي هما أول وأهم حاجة في الدنيا.