رصاصه كانت متوجهه
— ارتاحي… جرحك لسه عميق. والدكتور قال إن رصاصة كانت قريبة جداً من العصب، بس لطف ربنا ثم شجاعتك هي اللي أنقذت تاليا وياسين.
— الأولاد… كويسين؟ سألته بصوت متحشرج.
ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة عكست لأول مرة دفئاً حقيقياً تحت قناع القسوة: — نايمين في البيت، وراسمين صورتك في كراسة الرسم وبيسألوا إمتى أبلة ليلى هتخف وتيجي تلعب معاهم تاني. تاليا بتقول إنك كنتِ شجاعة زي الأبطال الخارقين في الكرتون.
تنهدت براحة، لكن سرعان ما تذكرت الواقع القاسي: مصاريف المستشفى، الكيماوي، وعملية كريم. نظرت إلى سقف الغرفة بمرارة. أنا هنا في غرفة خاصة فاخرة، لا بد أن تكلفتها تفوق ميزانيتي لأعوام.
لاحظ مراد نظرتي، وتغير تعبير وجهه إلى الجدية التامة. أخرج ظرفاً كبيراً ووضعه على الطاولة بجانبي.
— إيه ده؟ سألته بقلق.
— ده ملف خاص بالمستشفى، قال بصوت حاسم: كل مصاريف علاج والدتك دفعت بالكامل، ومدفوعة مقدماً لحد آخر جلسة. وعملية كريم لأخوكِ متجدولة بكرة الصبح في أفضل مستشفى جراحة أعصاب في مصر، وتحت إشراف أكبر جراح في الشرق الأوسط. والدكتور ده بيدي تقرير ليا شخصياً كل ساعة.
فتحت عيني على مصراعيهما بصدمة: — أنا… أنا مأطلبتش منك كده! أنا مش محتاجة شفقة ولا منّة من حد! أنا عملت كده عشان طفلة، مش عشان…
قاطعني بصوت هادئ لكنه صارم يقطع السياف: — دي مش شفقة يا ليلى… دي فاتورة. وأنا مراد الشامي، عمري ما بقعد وفي رقبتي دين لحد، وخصوصاً لو الدِين ده هو حياة ولادي. أنقذتي روحي مرتين؛ مرة لما حميتي تاليا بروحك، ومرة لما خليتيني أعرف إن لسه فيه ناس في الدنيا دي ممكن تضحي بنفسها من غير ما تعرف أنا مين ولا معايا إيه.
الحساب القديم
مرت ثلاثة أسابيع. خرجت من المستشفى، وعاد كريم من عمليته سالمًا يمشى على رجليه من جديد، بينما استجابت أمي لجلسة الكيماوي الأخيرة بشكل أبهر الأطباء. عالمي المالي المنهار تم ترميمه في ليلة واحدة بفضل "دين" مراد الشامي.
لكن الأحداث لم تتوقف عند هذا الحد.
في ليلة باردة، وأنا جالسة في الشقة البسيطة، سمعت خبطاً منظماً على الباب. فتحت، فوجدت أحد رجال مراد يرتدي بدلة رسمية ويحمل صندوقاً، وقال باحترام: — باشمهندس مراد بيطلب حضورك في مكتبه الرئيسي في التجمع الخامس ضروري. العربية مستحياة تحت.
رفضت في البداية، لكنه أضاف بهدوء: — المسألة مش رفاهية يا أستاذة ليلى… والرجالة اللي ضربوا النار في المطعم تم القبض عليهم، والباشمهندس عايزك تشوفي بنفسك مين اللي وراهم.
ركبت السيارة وأنا قلبي يدق بعنف. هل هي صدفة؟ أم أن الهجوم كان مرسلاً لمراد، وتدخلت أنا في وسط معركة أكبر مني؟
عندما دخلت المكتب الفخم الذي يطل على أضواء القاهرة كلها، كان مراد واقفاً أمام النافذة الزجاجية الضخمة، ممسكاً بكوب قهوة. استدار ببطء وأشار لي بالجلوس على مقعد جلدي أمام مكتب ضخم من الخشب الفاخر.
رمى أمامي ملفاً أصفر اللون، وبصوت خفيض قال: — الرجالة اعترفوا. واللي أمر بالتخلص مني مكنش منافس تجاري عادي.
فتحت الملف، وعيناي تحركتا سريعاً على الورق. وفجأة… توقفت أنفاسي.
اسم مطبوع بخط عريض، ووراءه مستندات قديمة تعود لـ 12 سنة مضت.
— اللواء أحمد الشرقاوي… أبوكي، قال مراد بهدوء قاتل.
رفعت رأسي بسرعة وعيناي تدمعان بغضب وخوف: — أبويا مات في سرقة انتهت بمقتله! الشرطة قالت كده!
— الشرطة كذبت يا ليلى، قال مراد وهو يقترب خطوة ويجلس على حافة المكتب قبالتي: أبوكي كان بيحقق في شبكة تهريب سلاح دولية، وكانت مرتبطة باسم رجل أعمال كبير اسمه "صبري الكومي". صبري ده هو نفسه اللي حاول يصفيني الأسبوع اللي فات لما رفضت أشاركه في شحنة مش شبة شغلنا القانوني.
صدمة تلو صدمة. شعرت أن الغرفة تبدأ بالدوران.
— ليه بتقولي ده كله دلوقتي؟ سألت بصوت مرتعش.
— لأن صبري الكومي مش هيهدأ غير لما يخلص مني، وبما إنك دخلتي في اللعبة دي وحميتي ولادي، فأنتِ دلوقتي في نظره "نقطة ضعفي" الوحيدة اللي ممكن يضربني فيها، تابع مراد بعينين تقدحان شراراً: والملف ده فيه كل المستندات اللي أبوكي ضحى بحياته عشان يجمعها… والمستندات دي كانت مختومة بخاتم سري، واتخبت في مكان محدش يعرفه غير بنت اللواء أحمد الشرقاوي… أنتِ يا ليلى.
ساد الصمت الغرفة تماماً لثوانٍ معدودة.
أنا لم أكن مجرد فتاة فقيرة تعمل في مطعم لتسديد ديون أمها. أنا ابنة الرجل الذي أقسم على تدمير نفس العصابة التي تحاول الآن قتل مراد الشامي.
وقف مراد، ومد يده فوق الطاولة، يداً قوية وثابتة هذه المرة، وخالية تماماً من أي ترعش:
— الحكاية مخلصتش يوم المطعم يا ليلى… دي كانت البداية. صبري الكومي فاكر إنه يقدر ينهينا إحنا الاتنين. بس أنا بقولك العكس… هتعاوني معايا عشان نجيب حق أبوكي، وحقك، ونقفل الصفحة دي للأبد؟ ولا هترجعي لحياتك القديمة وتستني الدور؟
نظرت إلى يده الممدودة، ثم إلى الملف الذي يحتوي على اسم أبي وشقائه الأخير. تذكرت كلمات أبي العالقة في ذهني: اعملي الصح يا بنتي… حتى لو هو أصعب حاجة ممكن تعمليها.
وضعت يدي في يد مراد الشامي، وأنا أعلم جيداً أن الليلة دي ستغير مجرى حياتي إلى الأبد، وأن الحرب الحقيقية قد بدأت للتو.