رصاصه كانت متوجهه
رصاصة كانت موجهة لطفلة عندها ست سنين، دخلت في كتفي أنا بدلها.
ثواني، وكنت غرقانة في دمي على أرضية مطعم صغير في وسط القاهرة، وأنا حاضنة توأم أخطر رجل في عالم الجريمة، والراجل اللي اسمه لوحده كان بيخلّي ناس كتير تسكت، كان راكع جنبي وإيده بتترعش.
الليلة دي كنت وصلت متأخرة للشيفت التاني بتاعي، بعد ما عديت على المستشفى.
مصاريف علاج أمي الكيماوي كانت عدّت الـ350 ألف جنيه، وأخويا الصغير كريم، اللي عنده 19 سنة، كان محتاج عملية في ضهره هتكلّف حوالي 200 ألف جنيه تاني.
عشان كده كنت بشتغل 3 شغلانات.
مفيش رفاهية إني أقول تعبت أو مش قادرة.
كان لازم أكمل.
وأنا ورا الكاونتر، سعاد، زميلتي في المطعم، مسكت إيدي وقالتلي بحنان:
— أبوكي لو كان شايفك دلوقتي، كان هيبقى فخور بيكي أوي يا ليلى.
بلعت ريقي بالعافية.
أبويا، اللواء السابق أحمد الشرقاوي، مات من 12 سنة وهو بيحقق في قضية كبيرة مرتبطة برجال أعمال وتجار سلاح.
الشرطة قالت وقتها إنها سرقة انتهت بمقتله.
بس محدش في منطقتنا صدّق الرواية دي.
ولا أنا.
كان دايمًا بيقولّي:
— اعملي الصح يا بنتي… حتى لو هو أصعب حاجة ممكن تعمليها. متختاريش السهل لمجرد إنه أسهل.
والكلمة دي فضلت عالقة في دماغي لحد النهارده.
وفجأة، باب المطعم اتفتح.
ودخل مراد الشامي ومعاه توأمه.
مجرد ذكر اسم مراد كان كفاية يخلي ناس كتير تخفض صوتها.
راجل محدش بيحب يقف قصاده.
لكن ولاده الاتنين مكانوش شايفينه بالشكل ده.
تاليا جريت عليّا وهي بتضحك:
— يا أبلة ليلى! بابا قال إن البان كيك ينفع يتاكل على العشا!
ضحكت وأنا ببصلها.
— بابا قال كده؟ طب إيه رأيك نعمله؟
رفعت صباعها بحماس:
— عايزاه شوكولاتة!
أما أخوها ياسين، فبص لها باستخفاف وقال:
— أنا عايزاه بالعسل… عشان تاليا ذوقها وحش.
ضحكت من قلبي.
حتى مراد نفسه ابتسم ابتسامة صغيرة.
كام دقيقة بس، كنت بتفرج عليه وهو بيقطع البان كيك لتاليا حتت صغيرة، وفي نفس الوقت بيسمع ياسين وهو بيتكلم بمنتهى الجدية عن إن التنانين ممكن تكون عايشة فعلًا في أماكن محدش اكتشفها.
كان منظر غريب.
راجل الناس كلها بتخاف منه… قاعد قدام ولاده كأنه أب عادي.
وبعدين…
إزاز الواجهة انفجر.
صوت ضرب نار دوّى في المطعم.
الناس صرخت.
الزجاج اتناثر في كل حتة.
واتنين مسلحين دخلوا جري.
مراد قلب الترابيزة في لحظة، وسحب مسدسه.
لكن أنا شفت حاجة هو لسه ماخدش باله منها.
واحد من الاتنين كان مصوّب سلاحه ناحية تاليا.
مش ناحية مراد.
ناحية البنت الصغيرة.
تاليا كانت محشورة جنب أخوها ومش عارفة تتحرك.
مراد صرخ بأعلى صوته:
— تاليااا!
الراجل رفع سلاحه.
وفي اللحظة دي، أنا ما فكرتش.
جريت.
مكنتش بفكر في فلوس علاج أمي.
ولا في عملية كريم.
ولا حتى في إني ممكن أموت.
كل اللي سمعته جوه دماغي كان صوت أبويا:
اعملي الصح يا بنتي.
رميت نفسي فوق الطفلين.
وفجأة…
الرصاصة الأولى دخلت في كتفي.
صرخت من الوجع.
والرصاصة التانية خدشت جنبي وقطعت في ضلوعي.
حسيت الدنيا كلها بتلف بيا، والألم كان بيحرق جسمي، لكني فضلت مغطياهم بجسمي.
تاليا كانت بتعيط وهي لازقة في صدري.
وياسين مسك إيدي جامد.
همست له وأنا بحاول أتماسك:
— متتحركش… أنا معاكو. محدش هيقربلكم.
ضرب النار كان لسه شغال فوق دماغنا.
وبعدين…
سكت كل شيء.
ثواني، ومراد كان وصل لنا.
تاليا وياسين خرجوا من تحتي من غير حتى خدش.
مراد شدهم لحضنه بكل قوته، وكأنه بيتأكد بنفسه إنهم لسه عايشين.
وبعدها وقع على ركبته جنبي.
إيده راحت لوشي.
ولأول مرة في حياتي…
شفت إيد مراد الشامي بتترعش.
وده خوّفني أكتر من الرصاص نفسه.
بصيت له بصعوبة، وحاولت أتكلم:
— هما… كويسين؟
بص على ولاده.
الاتنين واقفين قدامه من غير إصابة.
وبعدين رجع بصلي.
وفي اللحظة دي، حاجة اتغيّرت في عينيه.
مبقاش بيبصلي كأني مجرد بنت شغالة في مطعم.
كان بيبصلي بطريقة خلتني أحس إن اللي حصل دلوقتي مش هينتهي عند كده.
جسمي بدأ يبرد.
والدنيا قدامي بدأت تسوّد.
وقبل ما أفقد الوعي، آخر حاجة شفتها كانت عينه وهو بيبصلي.
نظرة راجل عارف إن فيه حساب اتفتح…
وحسابه المرة دي اتكتب بالدم.
العاصفة التي تسبق الهدوء
الظلام لم يكن فراغاً، بل كان طوفاناً من أصوات الأجهزة الطبية، ورائحة المعقمات الحادة، وصوت أمي وهي تبكي بصوت خافت بجانب السرير.
فتحت عيني ببطء شديد، كأن جفوني كانت موصولة بأثقال من حديد. الضوء الأبيض سحبني بالقوة إلى الواقع.
— ليلى! يا حبيبتي… حمد الله على سلامتك يا بنتي.
وجه أمي كان مجهداً، تحته هالات سوداء تعكس أسابيع من القلق والسهر. مسكت إيدي النحيلة وقبيلتها بدموع حارة. قبل ما أستوعب أنا فين، الباب انفتح بهدوء.
دخل مراد الشامي.
لم يكن وحده، بل كان مع حارسين ضخمين، لكنه أمرهم بإشارة يد واحدة بالانتظار خارج الغرفة.
المشهد تغير. لم يكن ذلك الأب الدافئ الذي يقطع البان كيك لتاليا في المطعم. كان "مراد الشامي" بكل هيبة وخطورة اسمه. ارتدى بدلة داكنة، وعينيه كانتا تحكيان قصة رجل أقسم على حرق العالم انتقاماً لمن تجرأ واقترب من عائلته.
جلس على الكرسي المجاور للسرير بصمت تام، ناظراً إليّ بنظرة عجزت عن تفسيرها: هل هي امتنان؟ أم شعور بالدين؟ أم شيء أعمق وأكثر تعقيدًا؟
— حمد لله على سلامتك يا بطلة، قالها بصوت خشن وهادئ، صوت يحمل ثقل السنين وسلطة لا تتردد.
حاولت أعدل جلستي، فسرى ألم حارق في كتفي المربوط بالشاش، فكشرت بوجع. تقدم بسرعة غير معتادة، ووضع يده بخفة على حافة السرير كأنه يمنعني من الحركة: