حد بيأذى بابا
من تسع سنين، سلمى منصور ما كانتش ممرضة أصلًا.
واسم "الشبح" ما كانش اسم واحدة تانية.
ده كان اسمها هي.
كانت وقتها ضابطة في القوات الجوية، وقائدة طائرة إنقاذ وإجلاء طبي في مهام خاصة.
ملف خدمتها كان جزء كبير منه سري.
وسابت الحياة دي كلها بعد مهمة واحدة… لسه لحد النهارده بتصحى بسببها من النوم وهي غرقانة في العرق.
من سبع سنين، حصلت عملية إخلاء في منطقة جبلية.
كان فيه جندي مصاب إصابة خطيرة.
سلمى كانت بتحاول تخليه عايش بأي شكل.
ما كانتش شايفة وشه كويس.
وما عرفتش اسمه.
كل اللي فاكرته…
دم.
دخان.
جرح مفتوح في صدره.
وإيده وهي ماسكة في معصمها بكل قوته.
وهي بتقوله:
— خد نفسك معايا… أربعة لجوه، أربعة لبرا. مش هتموت هنا.
سلمى رفعت عينيها وبصّت ناحية ياسين جوه الأوضة.
ولأول مرة، السؤال دخل دماغها بوضوح:
هو ممكن يكون هو؟
لكن آدم قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقها:
— بابا كمان بيقول إن الشبح كان عندها علامة حرق في دراعها.
سلمى نزلت عينيها على دراعها.
تحت كمّ اليونيفورم مباشرة…
كانت نفس العلامة.
نفس مكان الحرق بالضبط.
وقبل ما تلحق تقول أي كلمة…
جهاز المراقبة جوه الأوضة أطلق صفارة طويلة وحادة.
آدم فتح عينيه على آخرهما.
— لأ… مش تاني.
سلمى جريت ناحية الأوضة.
لكن المرة دي…
ما كانتش نوبة كابوس.
قلب ياسين كان بيبدأ يفشل.
والسر اللي دفنته سلمى سنين… كان على وشك إنه يطلع للنور.
المستشفى في الساعة الثالثة فجراً كانت تشبه مقبرة بيضاء؛ رائحة المطهرات الحادة تملأ الممرات الطويلة الخالية، وصوت خطوات ممرضة تبعد خطوات بطيئة يتردد بصدى مخيف. لكن داخل غرفة العناية المركزة رقم 214، كان الزمن يتوقف تمامًا.
الصفارة الطويلة والحادة لجهاز تخطيط القلب (ECG) كانت هي الصوت الوحيد الذي يخترق الصمت، صوت يعلن بوضوح أن الخط الفاصل بين الحياة والموت قد أصبح رفيعًا كشعرة.
— هاتوا عربية الصدمات بسرعة! حالة طوارئ في 214!
صرخت سلمى بصوت مججل هز أركان الممر، ويدها الثابتة لم تردّد لحظة واحدة. قفزت فوق السرير، ووضعت راحتي يديها فوق صدر العقيد ياسين الشامي المربوط بأربطة جراحية، وبدأت عمليات إنعاش قلبي رئوي (CPR) بقوة وإيقاع محسوب بدقة عسكرية لا تخطئ.
آدم كان واقفًا في الزاوية، ملتصقًا بالحائط كأنه شبح صغير، عيناه متسعتان من الرعب والدموع تتجمع فيها بصمت. كان يكرر بصوت همس يرتجف:
— بابا... متسيبنيش... بابا، والنبي قوم.
الدكتور مروان اقتحم الغرفة وجهه أصفر من الفزع، صرخ وهو يدفع أحد الممرضين:
— ابعدوا عنها! هاتوا سائل الأدرينالين فورًا... ممرضة سلمى، مين اللي أذن لك تطلعي فوق السرير كده؟ الحالة هتموت تحت إيدك!
— الحالة هتموت لو استنينا بروتوكولات حضرتك البطيئة يا دكتور!
ردت سلمى بصوت حاد، قاطع، ينبض بسلطة آمرة جعلت الدكتور مروان يتراجع خطوة للخلف رغم أنفه، كأنه سمع أمرًا عسكريًا لا يقبل النقاش. عيناها كانتا مشدودتين على شاشة المراقبة، ودم عرق بارد ينحدر على جبينها، لكن يديها لم تهتزا قط.
— واحد، اتنين، تلاتة، أربعة... خد نفسك معايا يا ياسين... أربعة لجوه، أربعة لبرا... مش هتموت هنا. مش هتكسر وعدك لآدم!
في تلك اللحظة بالذات، وسط فوضى الأجهزة وصفيرها، حدث ما يشبه المعجزة. ارتعش جسد ياسين بقوة، وخرج من صدره زفير طويل محشور، ثم تحرك الخط المستقيم على الشاشة ليعود إلى موجات متعرجة ضعيفة، لكنها تنبض بالحياة.
— انتظم النبض!
صرخت إحدى المساعدات وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.
سلمى نزلت من على السرير، وسقطت ذراعاها لجانبيها بتعب شديد، وكأنها هي من عادت من الموت. نظرت إلى ياسين الذي فتح عينيه ببطء شديد، غارقتين في الإرهاق والتشويش، لكن بصره استقر مباشرة على وجهها.
حرك شفتيه بصعوبة بالغة وهمس بصوت لا يُسمع:
— الشبح... إنتي... لسه عايشة؟
سلمى أدارت وجهها بسرعة، وألقت نظرة سريعة على آدم الذي كان ينظر إليهما بتركيز مذهل، ثم خرجت بخطوات واسعة من الغرفة قبل أن يلاحظ أحد اضطراب ملامحها الكامل.
### الفصل الثاني: خلف سواتر الذاكرة
جلست سلمى في غرفة الاستراحة الصغيرة المخصصة للتمريض، وفتحت خزانة ملابسها الصغيرة. أخرجت زجاجة ماء وشربت نصفها بدفعة واحدة، لكن قلبها ظل ينبض بجنون في صدرها.
رفعت كمّ يونيفورم التمريض الأبيض ببطء، وابتسر وجهها عن ألم قديم. على ساخنة الأيمن، امتد ندبة دائرية غريبة تشبه لسعة لهب قديم، أو انفجار قذيفة مدفع محترقة.
تسع سنوات... تسع سنوات كاملة وهي تحاول الهروب من هذا الاسم، ومن تلك الذاكرة، ومن ذلك الجبل اللعين في سيناء.
كانت الكابتن piloto سلمى منصور قائدة طائرات الهليكوبتر للإجلاء الطبي في العمليات الخاصة. مهامها كانت في مناطق الموت، حيث لا يجرؤ أحد على الهبوط. وفي ليلة حالكة، وسط عاصفة رملية وتلال وعرة، هبطت بطائرتها وسط نيران متقاطعة لإنقاذ ضابط مصاب بنزيف حاد في الصدر.
لم ترى وجهه جيدًا بسبب الدخان والنيران الكثيفة والظلام، وكل ما تذكرته من تلك الليلة هو جندياً يتمسك بمعصمها بقوة، كأنه يتمسك بالحياة نفسها، وصوتها وهي تلقنه تمرين التنفس العسكري لتخفيف صدمة النزيف: *«أربعة لجوه، أربعة لبرا... مش هتموت هنا»*.
أصيبت طائرتها بقذيفة RPG في طريق العودة، وتحطمت في منطقة جبلية نائية. نجت بأعجوبة، لكنها أُصيبت بحروق بالغة، وفقدت الكثير من رفاقها، وقررت بعدها الاستقالة، والنزول إلى القاع، واختيار مهنة التمريض الهادئة لتكفر عن أرواح لم تستطيع إنقاذها، أو لتبدأ حياة جديدة كليًا.
واليوم... تكتشف أن الضابط الذي أنقذته هناك، والذي لم تره، هو نفسه ياسين الشامي... والد الطفل الذي تقاسم معها ليالي المستشفى الطويلة.
### الفصل الثالث: كشف السر
في الصباح الباكر، كان الممر هادئًا. آدم كان نائمًا على الكرسي بجانب والده الذي استقرت حالته نسبيًا بعد أزمة الفجر.
دخلت سلمى الغرفة وبيدها ملف المريض لتعديل بعض الملاحظات الطبية. وقفت بجانب السرير، تنظر إلى وجه ياسين النائم، وهو يبدو أقل توترًا، ورغم الشحوب، كانت ملامحه الصلبة توحي بأنه رجل اعتاد على مواجهة الجحيم.
فتح ياسين عينيه ببطء، ونظر إليها مطولاً كأنه يتاكد أنه لا يحلم.
— إنتِ مش ممرضة عادية يا سلمى.
قالها بصوت خشن ومبحوح، لكنه واضح.
سلمى ثبتت مكانها، وقلمها يكاد يسقط من أصابعها. أجابت بهدوء مزيف:
— أنا ممرضة مسؤولة عن حالتك يا فندم.
— لأ.
قالها ياسين وهو يحاول الاعتدال في السرير، ووجع طفيف ظهر على ملامحه.
— الصوت ده... الطريقة دي... إيقاع التنفس اللي بتعلميه لي كل ما أدخل في نوبة كابوس... مفيش حد بيعرفه غير واحدة بس. واحدة طارت وسط جحيم سيناء وهي عارفة إنها رايحة للموت برجلها.
سلمى شعرت أن الأرض تنشق وتخفيها. التزمت الصمت، وعيناها امتلأتا بدموع محبوسة منذ تسع سنوات.
أكمل ياسين، وعيناه تغرورقان بالدموع أيضًا:
— يومها، لما الطيارتين اضربوا، كنت مفكر إنك متِ مع الناس اللي ماتوا... عشت تسع سنوات وأنا حاسس بالذنب إني كنت سبب وجودك هناك.
— إنت مكنتش السبب يا ياسين...
قالتها سلمى بصوت خفيض، وخرج اسمها الحقيقي من شفتيهما كأنه تعويذة قديمة أُعيد إحياؤها.
— دي كانت مهمتي.
في تلك اللحظة، تحرك آدم على الكرسي وفتح عينه، وبص بهدوء نحوهم. لم يكن نائماً تمامًا، بل كان يستمع لكل كلمة. نهض الصبي الصغير، وقف بين السرير ومكتب التمريض، ونظر إلى سلمى وقال ببراءة بالغة:
— يعني إنتي... الشبح؟
سلمى نزلت على ركبتيها أمام آدم، مسحت دمعة هاربة على خدها، وابتسمت بمرارة وخفة:
— كنت زمان يا آدم... ودلوقتِ، أنا هنا عشان أحمي بابا، زي ما هو حماكم كلكم.
### الفصل الرابع: النهاية الحقيقية
بعد أسبوعين، كانت مستشفى النيل التخصصي تشهد خروج العقيد ياسين الشامي.
الدكتور مروان وقف بعيدًا، ينظر بدهشة بالغة إلى التغيير الجذري في حالة المريض وكيف أصبح هادئًا، مستقرًا، ومبتسمًا لأول مرة منذ دخوله المستشفى. لم يكن يفهم سر الكيمياء الغريبة التي تربط بين هذا الضابط العتيق وتلك الممرضة الهادئة، لكنه أدرك أخيرًا أن هناك طبًّا لا تُدرسه الكتب الجامعية؛ طب الروح، والوفاء، والذكريات المشتركة في ساحات الوخز والبطولة.
عند بوابة المستشفى الرئيسية، وقف ياسين يرتدي ملابسه المدنية، وآدم يمسك بيده اليمنى بابتسامة واسعة تملأ وجهه.
التفت ياسين إلى سلمى التي كانت تقف مودعة، ومد يده لها. صافحته بقوة، وعيناهما تتحدثان بلغة لا يفهمها سواهنا.
— لسه ليكي مكان معانا يا سلمى... العيلة مش بتنسى اللي أنقذها.
قالها ياسين بنبرة دافئة.
أجابت سلمى وهي تلمس رأس آدم بحنان:
— أنا لقيت مكاني الحقيقي... هنا، جنبكم.
استقل ياسين وآدم السيارة، ولوح الصبي الصغير بيديه بحماس شديد وهو يبتسم، بينما انطلقت السيارة في شوارع القاهرة المزدحمة، تاركة خلفها قصة من قصص الشرف والبطولة والوفاء الصامت، وقصة حب وولاء وُلدت من رحم الدخان والنار، وعادت لتزهر في النور من جديد.