حد بيأذى بابا

لمحة نيوز

— لما حضرتك بتمشي… حد بيأذي بابا.
الممرضة سلمى منصور وقفت مكانها، وسابت إيدها من على جهاز قياس الضغط، وبصّت للولد اللي كان ماسك في كمّ اليونيفورم بتاعها.
كان اسمه آدم، عنده ست سنين بس، شعره منكوش، وتحت عينيه هالات سودا ما ينفعش طفل في سنه يكون شايلها.
بقاله أربع ليالي بينام على كرسي جنب السرير رقم 214 في مستشفى النيل التخصصي في القاهرة.
باباه، العقيد ياسين الشامي، كان لسه خارج من عملية خطيرة في الصدر، ولسه متوصل بأجهزة المراقبة.
سلمى بصّت له وقالت بهدوء:
— مين اللي بيأذي باباك؟
آدم رفع إيده الصغيرة وأشار ناحية دماغ أبوه.
— الرجالة اللي جوه هنا.
سلمى فهمت قصده.
ياسين كان بيعاني من نوبات شديدة بسبب اضطراب ما بعد الصدمة، من أيام خدمته في العمليات الخاصة.
في بعض الليالي كان بيصحى مفزوع، وهو فاكر نفسه لسه في وسط مهمة عسكرية.
وكان ساعات يفقد السيطرة تمامًا.
يشد الكانيولا من إيده، يخبط في السرير، أو يحاول يقوم رغم إن صدره لسه متخيط بعد العملية.
الممرضين نفسهم بقوا بيخافوا يدخلوا له وقت النوبة.
لكن مع سلمى… الموضوع كان مختلف.
مجرد ما كانت تقرب منه وتقول:
— يا فندم، بصلي. إنت في القاهرة. ابنك هنا. خد نفس معايا.
كان بيهدى.
وكان بيسمع كلامها.
كل مرة.
الدكتور مروان حمدي، استشاري القلب المشرف على الحالة، كان واخد باله من ده.
والحكاية دي ما كانتش عاجباه خالص.
الصبح، وقف سلمى قدام أوضة ياسين.
— أنا راجعت ملف الحالة بتاعه.
سلمى بصّت له باستغراب.
— ليه؟
— عشان في حاجات حضرتك بتعمليها مش من اختصاصك.
سلمى سكتت.
الدكتور كمل بنبرة فيها استعلاء:
— تمريض، وخبرة كام سنة في المستشفى… لكن مفيش عندك تخصص في الطب النفسي، ولا شهادات متقدمة في التعامل مع صدمات العمليات العسكرية.
وبص لها مباشرة.
— يبقى فهميني… إزاي ممرضة زيك بتعرف تسيطر على ضابط قوات خاصة أحسن من فريق كامل؟
سلمى ردت بهدوء:
— يمكن عشان أنا بسمعه.
الدكتور ابتسم بسخرية.
— متكونيش ساذجة. الراجل ده محتاج علاج متخصص، مش ممرضة فاكرة نفسها معالجة نفسية.
سلمى شدّت على إيدها.
— نقله دلوقتي ممكن يسبب له انتكاسة.
— بكرة هيتنقل لقسم متخصص.
صوت صغير جه من وراهم:
— لأ!
آدم كان واقف عند باب الأوضة.
جري عليهم وقال:
— بابا مش محتاج يروح في حتة. هي اللي بتعرف تصحيه.
الدكتور مروان نزل لمستوى الطفل وقال:
— إحنا الكبار عارفين مصلحة باباك أكتر منك.
آدم رجع خطوة لورا.
وبص له بثبات غريب على طفل عنده ست سنين.
— لأ… حضرتك دايمًا بتيجي بعد ما كل حاجة تخلص.
الجملة وقعت على الدكتور تقيلة.
لكن محدش رد.
في نفس الليلة… حصلت نوبة تانية.
الساعة كانت 3:17 الفجر.
ياسين فتح عينيه فجأة.
بس هو ما كانش شايف المستشفى.
نفسه بدأ يطلع بسرعة.
إيده ضربت في جنب السرير.
3 خبطات.
سكتة.
خبطتين.
سكتة.
3 خبطات.
واحدة من الممرضات افتكرت إنه بيرتعش من الخوف.
لكن سلمى فهمت فورًا.
جسمها اتحرك قبل حتى ما تفكر.
قربت منه، وحطت إيدها بثبات على صدره وقالت بنبرة مختلفة تمامًا:
— الحالة؟
ياسين فضّل يخبط على السرير.
سلمى كملت:
— المكان آمن. خد نفسك معايا… أربعة لجوه.
ياسين سحب نفس.
— احبسه أربعة.
وبدأ ينفذ.
آدم كان واقف عند باب الأوضة، بيتفرج عليهم من غير ما يتكلم.
سلمى قالت:
— أربعة لبرا.
ثواني…
ومعدل ضربات قلب ياسين بدأ ينزل.
عينه أخيرًا ثبتت على سلمى.
وبصوت مبحوح، همس بكلمة واحدة:
— الشبح…
سلمى وشّها اتغير.
بس محدش خد باله.
إلا آدم.
الدكتور مروان كان واقف وراهم.
قال بسرعة:
— الشبح؟ يعني إيه؟
سلمى بعدت عنه.
— مفيش حاجة.
— مفيش حاجة؟! أنا سمعت الكلمة.
سلمى ما ردتش.
ومشيت من قدام الأوضة.
لكن آدم جري وراها.
— هو بابا بيقول الكلمة دي وهو نايم.
سلمى وقفت.
— من إمتى؟
آدم فكر شوية.
— من قبل الحادثة.
سلمى بصت له.
— وبتعرف هو بيقول إيه؟
الولد هز راسه.
— أيوه.
وسكت لحظة، وبعدين قال:
— بيقول إن واحدة اسمها الشبح هي اللي أنقذته من جبل.
سلمى حسّت إن نفسها اتقطع.
حاجة قديمة جدًا جواها بدأت تصحى.
بصت للولد وقالت:
— إنت عرفت الكلام ده إزاي؟
— بابا بيتكلم وهو نايم.
وبعدين بص لها بجدية شديدة:
— إنتِ تعرفي الشبح؟
سلمى اتأخرت في الرد.
وبعدين قالت:
— لأ.
كدبت.

تم نسخ الرابط