لو عايزه تمشي
في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع مش مجرد شاي أعشاب زي ما كانت بتقول.
وكان عندي إحساس إن اللي هكتشفه بعد كده هيقلب حياتنا كلنا.
خطفت سميحة الإزازة من إيدي، وابتسمت ابتسامة صفراء مليانة بالخبث وهي بتقول
أنا بقول إيه؟ كل ده عشان ابن ابني اللي متأخر... حاطة لي أعشاب في إزازة عشان تتهربي من العلاج؟ يا خسارة تعبي فيكي!
ساعتها الدم جري في عروقي بغليان. مكنش خوف، كان غضب حقيقي طالع من أعماق روحي. سحبت الإزازة من إيدها بقوة لأول مرة في حياتي، ووقفت قدامها بطولها وأنا باصة في عينيها مباشرة من غير أي خوف
أعشاب إيه يا ماما؟ ولا أقولك... دي مش أعشاب أصلاً، دي أدوية مسكنة ومهدئة قوية جداً كنتِ بتحطيها لي عشان تبنجيني وأنا نايمة، صح؟ كنتِ خايفة أركز وأعرف إنتِ وأحمد بتدبروا لإيه من ورايا، ولا كنتِ بتموتيني بالتدريج عشان تتخلصي مني؟
اترعبت سميحة من نبرة صوتي الواثقة والجارحة، ولسه هتزعق وتلم البيت، فتحت باب الشقة وفجأة دخل أحمد... وفي إيده شنطة السفر بتاعتي اللي كنت مخبياها أصلاً في الدولاب ومجهزها من بالليل!
وقف أحمد مذهول ومندهش من المنظر، باصص لسميحة اللي كانت بتتنفس بسرعة، وباصص لي وأنا ماسكة الإزازة في إيدي. بصتله ببرود قاتل، وسألته بكل سخرية
جاي في ميعادك يا أحمد... مامي الحبيبة كاتبة لي الدواء ده كل ليلة عشان أهلك وأهل منطقتك يرتاحوا مني. بس إنت، كنت عارف؟ ولا كنت نايم على ودنك كالعادة عشان تريح دماغك؟
حاول أحمد يرتبك ويبلع ريقه وقال بصوت مهزوز
مريم... بطلي جنان، أمي بتحاول تساعدنا عشان الخلف...
مفيش خلفة بتيجي بالسم والمخدرات يا أحمد! ومفيش عيشة تاني مع ناس مريضة زيكو!
قاطعت كلامه وخطفت الشنطة من إيده بقوة، وفتحت باب الشقة على مصراعيه وخرجت ورايا وهي بتزعق بأعلى صوتها لو عايزة تمشي، امشي لوحدك. ابني هيفضل معايا! قالتها حماتي وهي بتخبط بإيدها على الترابيزة، كأنها خلاص أصدرت الحكم.
ابتسمت ببرود، وبصيت لأحمد اللي واقف زي المسمار مش عارف ينطق حرف واحد يدافع بيه عن مراته اللي اتبهدلت سنين، وقلت بصوت هادئ هز أركان الشقة
ابنك ده يشرفك، خليه ليكوا... بس قبل ما أمشي، الإزازة دي مش هتروح معايا... دي هتروح على قسم الشرطة ومعمل التحاليل!
اتلون وجه سميحة باللون الأصفر الباهت، وبدأت تعيط وتصرخ بتمثيل رخيص، بينما أحمد جرى ورايا عمال يرجاني أقف وأتفاهم. بس أنا مكنتش ناوية ألتفت ورايا ولا أرجع ثانية واحدة لنفس الباب اللي دخلته برجلي زمان.
بعد مرور ستة أشهر كاملة...
كنت واقفة في ورشتي الخاصة بالشموع المعطرة في الحي التجاري الراقي بالمنطقة الجديدة، ريحة الفانيليا واللافندر مالية المكان، والطلبات على صفحتي الرسمية على الإنترنت متكسرة الدنيا وتحت الطلب. اسم مريم الشاذلي بقى علامة تجارية معروفة وموثوقة لكل عروسة بتحب التميز والذوق الرفيع.
أما عن بيت الجوهري؟ فالتحاليل الطبية أثبتت وجود مواد مهدئة خطيرة في الإزازة اللي كانت سميحة بتدبرها لي، وده فتح باب قضايا وتحقيقات كادت تدمر اسم العيلة بالكامل لولا تدخل وسطاء لحفظ ماء الوجه مقابل الطلاق الفوري بدون أي شروط، مع تعويض مالي محترم دفعته غصب عنهم عشان القضية تتقفل.
وأحمد؟ حاول يرجعلي أكتر من مرة، كان بيقف قدام الورشة بالساعات، عيونه دبلانة وشعره الأبيض كثر، وكان بيبعتلي رسايل طويلة كلها ندم واعتذار، وبيقول فيها إنه أدرك متأخر أوي مين اللي كانت بتبنيه ومين اللي كانت بتدمره.
بس للأسف... الرسايل دي كلها كانت بتنزل على تليفوني، وكنت بكل بساطة بعمل لها حظر من غير حتى ما أكمل قراءتها.
لأن الإنسانة اللي كانت مستعدة تستحمل الإهانة عشان خاطر تكمل العيشة، ماتت ودفنت نفسها في بيت العيلة، وطلعت مكانها واحدة تانية خالص... واحدة اتعلمت كويس أوي إن الشموع المنورة الحقيقية، هي اللي بنولها بايدينا في بيوتنا المستقلة، مش اللي بنطفئ بيها روحنا عشان نرضي ناس عمرهم ما شافونا أصلاً.