واحد من اكبر رجال المافيا

لمحة نيوز

وأول ما دخلت، لقيت ظابطة مباحث قاعدة مستنياني.

—أنا النقيب سارة منصور.

قعدت قدامها.

قالت وهي بتبصلي بثبات:

—حكاية المربية فيها حاجة مش راكبة.

دفعت ناحيتي ملف.

—سلوى قالت إنها شافتك بعينيها وإنتِ بترمي الطفلة وتحاولي تقتليها.

بصيتلها من غير كلام.

فتحت تقرير المستشفى.

—بس في مشكلة…

رفعت عينيها عليّا.

—نور عاشت لأنها لقت حد حاول ينقذها فورًا. حد دفّاها بجسمه، وفضل معاها لحد ما وصلت للدكتور.

قربت مني وقالت:

—فلو إنتِ فعلًا اللي حاولتي تقتليها… ليه كنتِ أول واحدة بتحاول تنقذها؟

سكتُّ.

لأول مرة من 3 أيام، حسيت إن في حد أخيرًا بيسمعني.

لكن النقيب سارة لسه ما خلصتش.

مدت إيدها وحطت صورة قدامي على الترابيزة.

—في حاجة تانية لازم تشوفيها.

بصيت للصورة…

وفجأة نفسي اتقطع.

وش الشخص اللي في الصورة كان مألوف جدًا.

أنا أعرفه.

وأول ما شفت صورته، كل حاجة بدأت تركب في دماغي.

الموضوع ما كانش مجرد محاولة قتل طفلة…

حد كان مخطط لحاجة أكبر بكتير.

وأنا…

من غير ما أعرف…

كنت واحدة من أهم قطع اللعبة.

بصيت للصورة اللي قدامي، وطلعت الكلمات من بين شفايفي بصوت هادئ ومرتجف:

— ياسين…

النقيب سارة مالت لقدام وقالت بنبرة حادة:

— بالضبط. ياسين، الذراع الأيمن لمحمود الشناوي. الشخص اللي الكاميرات اتلغت في وقت وجوده، واللي كان دايماً بيحاول يوجه التحقيق بعيد عنها، وكأنّه بيأكد الاتهام عليكِ من أول دقيقة.

قلبي دق بجنون. كل التفاصيل اللي كانت متلخبطة في دماغي بدأت تترتب زي قطع بازل. المهدئ اللي في دم الطفلة، الكاميرات اللي اتقفلت فجأة، نظرة الرعب والارتباك اللي ظهرت على وش المربية "سلوى" لما شافتني شايلة البنت.. كل ده ما كانش صدفة.

— ياسين هو اللي رماها في الزبالة؟ سألت بصوت مكسور بس فيه شرارة غضب بدأت تولع جوة صدري.

— مش بس هو، ردت سارة وهي بتفتح صفحة تانية في الملف. ياسين كان بيمهد للسيطرة على إمبراطورية محمود الشناوي. كان محتاج يخلص من الوريثة الوحيدة عشان محمود يضعف، ويقدر هو يمسك زمام الأمور من وراه. بس السرعة اللي تحركتِ بيها بوظت خطته كلها.. الطفلة ما ماتتش، وظهرتِ أنتِ كبطولة قدام الفيلا، فاضطر هو وسلوى يقلبوا الترابيزة عليكي في ثواني ويلزقوا التهمة فيكِ عشان يخلصوا من الشاهد الوحيد اللي شاف الحقيقة.

حسيت بنار بتسري في عروقي. خمس سنين بحوش عشان عملية أختي مريم، وأخرتها أتحبس في جريمة أنا أنقذت فيها الطفلة من الموت، لمجرد إن واحد زي ياسين قرر يلعب لعبة سيطة على حساب حياة طفلة وبرائتي!

بصيت لسارة بعزم جديد وقالته بكل قوة:

— أنا مش هفضل هنا دقيقة زيادة. أختي مريم محتاجاني برة، وأنا مش هسيب حق الطفلة دي ولا حقي. ناوية تعملي إيه يا ظابط؟

سارة ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

— لوحدك مكنتيش هتعملي حاجة.. بس دلوقتي، معانا الإثبات اللي يهد الإمبراطورية دي كلها.

بعد ساعتين بس، كنت خارجة من حجز قسم الشرطة برفقة النقيب سارة وقوة أمنية مدربة، ومعايا تصريح مباشر. هدفنا كان حاجة واحدة: قصر محمود الشناوي.

لما دخلنا القصر، كان محمود قاعد في مكتبه، ووشه متجهم وباين عليه الهم والتعب بعد تدهور صحة بنته أكتر في المستشفى وحالة الانهيار اللي عايش فيها. أول ما الباب اتفتح ودخلت ومعايا الشرطة، وقف بصدمة وصرخ بصوت رعدي:

— إنتِ هربتِ إزاي؟! وإيه اللي جاب الشرطة هنا؟!

وقفت قدامه بثبات، ورفعت راسي من غير ما أخاف منه، وقبل ما ينطق بحرف واحد، فتحت سارة التابليت بتاعها ووضتعته قدام عينه مباشرة.

كان الفيديو بيعرض تفاصيل واضحة جداً من كاميرا مراقبة خلفية مخفية في الشارع الخلفي للفيلا.. الكاميرا اللي ياسين نسي يشيلها. الفيديو كان بيعرض ياسين بنفسه وهو شايل الطفلة وهي نايمة (مخدّرة)، وبيقرب من صندوق الزبالة، وبيحطها جوه البطانية المبلولة، وبعدها بيلتفت ويمشي.

محمود اتجمد مكانه. الدم جمد في عروقه. بص للفيديو مرة واتنين، وبعدين رفع عينه وبصلي.. والمرة دي، مكنش فيه نظرة غرور ولا جبروت.. كان فيه صدمة، وكسرة، وألف سؤال معلق.

في اللحظة دي، دخل ياسين المكتب ومعاه ملفات، وأول ما شافني واقفة ومعايا الشرطة، وشاف الفيديو قدام محمود.. اتلون وشُه وبقى أصفر، وإيديه بدأت تترعش وحاول يتراجع ناحية الباب.

— على فين يا ياسين؟ صرخ محمود بصوت أشبه بزئير الأسد.

ياسين حاول ينكر:

— يا باشا دي مؤامرة! البنت دي كدّابة!

لكن محمود ما استناش يسمع كلمة زيادة. هجم عليه زي الحوت المفترس، وضربه ببوكس واحد خلاه يقع على الأرض وهو بينزف، وفي ثواني كان الحرس والشرطة كبشوا فيه وكلبشوه.

المكتب هبط في صمت رهيب. محمود الشناوي، الرجل اللي الكل بيخاف منه، قرب مني ببطء، ووقف قدامي لثواني طويلة. حسيت بندم عميق وقسوة في عيونه على اللي عمله معايا.

مد إيده البحتة وقال بصوت منخفض ومبحوح:

— أنا ظلمتك.. وكنت هموتك بظني الأعمى.. بس أنقذتي بنتي للمرة التانية باللي عملتيه ده. طلبي اللي تمنيه هيكون بين إيديكِ فوراً.

بصيت له بثبات وقسوة خفيفة، وقلت له:

— أنا مش عايزة منك فلوس يا باشا.. أنا كل اللي كنت عيزاه إني أطلع عشان أعمل عملية قلب لأختي مريم اللي بتموت بالبطيء.

محمود بص لسارة، وبعدين بصلي وقال بنبرة قاطعة:

— عملية مريم مش هتعملها في مستشفى عادية.. هسافر بيها لأفضل جراح في أوروبا، وعلى نفقتي الخاصة، وكل قرش ضاع منك في الثلاث أيام دول هيتعوض أضعاف مضاعفة.

بعد أسبوعين..

كنت واقفة في أحدث مستشفيات القاهرة، وماسكة إيد أختي مريم وهي نايمة على السرير وبخير، بعد ما العملية نجحت وابتسامتها رجعت لوشها من تاني. وعلى الجانب التاني، كانت نور طفلة محمود الشناوي بتلعب في حضن أبوها اللي اتغير تماماً وبقى أب حقيقي وحنون، بعد ما أدرك إن الفلوس والسلطة مبيحموش الإنسان من الغدر، وإن الإنسانية أحياناً بتطلع من أبسط وأفقر الناس.

سارة ظابط المباحث زارتنا في المستشفى وقالت لي وهي بتغمزلي:

— ها يا بطلة.. ناوية تشتغلي إيه بعد كدة؟ المافيا بتعرض عليكي وظيفة مستشارة أمانة ههههه.

ضحكت من قلبي لأول مرة من سنين، وبصيت لمريم وهي نايمة بارتياح، وحسيت أخيرًا إن الدنيا لسة فيها عدل، وإن الشجاعة والرحمة هما أقوى سلاح ممكن الإنسان يملكه في وجه أي عاصفة.

تم نسخ الرابط